حراك "الترانس"... هكذا قمعت حماس مئات المتظاهرين في غزة

الجمعة 15 مارس 201911:11 ص
على مقربة من منطقة "الترانس" التي تُوصف بأنّها قلب مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين، شمال قطاع غزّة، بدأ الأهالي بالتجمع قبل الوقت المحدد بالساعة الرابعة من مساء 14 مارس، وسط انتشار ملحوظ لعناصر الأمن الذين تواجدوا بطبيعة الحال قبل الناس في المكان. تخوفات كبيرة بدت في عيون مئات المشاركين وحسرات أكبر رافقت قلوبهم، فبدل أن يكون خروجهم للتظاهر حقاً مكفولاً تحميه وتسانده الأجهزة الأمنية، صار مصدر إزعاج للسلطات وجريمة يُعاقَب مرتكبها. نصف ساعة مضت قبل بدء فعاليات الحراك الذي دعت إليه عبر مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأسبوعين الماضيين مجموعات شبابية لا تحمل لوناً سياسياً أو تنظيمياً محدداً، رافعةً شعار "بدنا نعيش"، ما أزعج حركة حماس، الحاكم الفعلي للقطاع المحاصَر. ومع تزايد أعداد الناس الوافدة من شوارع المخيم، كانت تتزايد أعداد أفراد الأمن في المكان، وما هي إلّا لحظات حتى بدأ تفريق المتظاهرين باستخدام "الهراوات" والعنف الجسدي. وجاءت الدعوات بعد إعلان الحكومة في غزة فرض ضرائب إضافية على بعض السلع الأساسية مثل الخبز والدخان والبقوليات وغيرها، ولذلك سُمّي بـ"الحراك الشبابي ضد الغلاء". وكان من المقرر أن يرفع المشاركون لافتات تحمل شعارات تنادي بحياة أفضل، لكنّ السطوة الأمنية حالت دون ذلك، وبقيت اللوحات التي كُتبت بالأقلام مطويةً في أيدي المتظاهرين الذين أكدوا أنّ دافعهم للمشاركة "شخصي". الحراك الذي كان يُتوقّع أن يُرافَق بتغطية إعلامية كبيرة غابت عنه عدسات التوثيق مرغمةً بأمر من الأجهزة الأمنية، ولم يُسمَح بالتصوير سوى لكاميراتٍ خاصّة بالأمن الذي تجوّل وسط المتظاهرين ليوثّق تحركهم ويرصد تصرفاتهم، كما تتبع المواطنين الذين حاولوا التقاط صور للمشهد من على أسطح المنازل وعن الشرفات.

"مطالب عادلة"

في الزاوية الجنوبية من منطقة الحراك كان يسند المصاب في مسيرات العودة محمد رشيد جسده على كتف صديقه أحمد الناجي. يبلغ الناجي 32 عاماً من العمر وبرغم ذلك لم ينعم بعد بفرصة عمل واحدة بشهادته الجامعية التي تحصّل عليها قبل حوالي عشر سنوات. تحدث مع رصيف22 قبل تفريق الحراك وقال: "خروجنا اليوم هو ثورة للمطالبة بحقوقنا المكفولة في القوانين الدولية والمحلية، وعلى جميع الفصائل والأحزاب أن تدرك أن صبر الشعب ينفذ". وأضاف: "منذ أكثر من 12 عاماً نتجرع المرّ يومياً، وما فعلته بنا الفصائل الفلسطينية خلال سنوات قليلة لا يمكن أن يُنسى، الناس هنا تموت كلّ دقيقة، فلا كهرباء ولا مياه ولا علاج ولا تعليم ولا حرية رأي وتعبير". قطع حديثنا مع أحمد صوت شاب آخر صرخ وهو يشير بيده إلى مجموعة أشخاصٍ يبدو أنّهم من مناصري حماس: "الظاهر راح يخربوها". وهذا ما كان فعلاً. إذ بدأ أولئك الأفراد بافتعال مشاكل مع المتظاهرين كانت نتيجتها تدخّل قوات الأمن والاعتداء عليهم وإجبارهم على مغادرة المكان، مع التحفظ على هواتف بعضهم بدعوى التقاطهم صوراً لرجال الأمن. من جانبه، يحكي إبراهيم يوسف (56 عاماً) لرصيف22 أنّ مشاركته في التظاهرة لا تحمل إلّا مطلباً واحداً، وهو توفير مستقبل أفضل لأبنائه الذين "أرهقتهم أعباء الحياة وقتلت فيهم الروح الشابّة التي يتمنى كلّ أب مراقبتها وهي تسير في نفس أولاده وتُولّد لديهم إبداعات ونجاحات مختلفة"، لافتاً إلى "أنّ الأحزاب الفلسطينية ساهمت في قتل تلك الروح وأصبح معظم أفراد الجيل الجديد في عداد غير المنتجين". وإذا كانت التظاهرة المركزية للحراك في مخيم جباليا، إلّا أنّ تظاهرات أخرى مساندة خرجت في عدد من مناطق قطاع غزّة مثل "دوار النجمة" في رفح، ودير البلح، شهدت إطلاق قوات الأمن للنار في الهواء وإصابة متظاهرين.
/ يقول حسن جمال (24 عاماً)، وهو أحد الناشطين في رفح، لرصيف22 في اتصال هاتفي: "خروجنا اليوم هو لإعلاء صوتنا الذي لطالما حاول الجميع إخراسه ولنرفض الضرائب والابتزاز السياسي الذي يُمارَس بحقنا، خرجنا ونحن نعلم بأنّنا سنتعرض للقمع الذي سيتبعه السجن والتعذيب". ويشير جمال إلى أنّه عاش مطارَداً من قبل أجهزة الأمن التي أرسلت له أكثر من بلاغ استدعاء في الأيام الثلاثة السابقة على الحراك، ويلفت إلى أنّ مشاركته في التظاهر هي "رسالة انتصار على السطوة الأمنية"، ويتابع: "نجحنا اليوم في أنّ نكون جزءاً من تشكيل حالة الوعي لدى المواطنين بحقوقهم الأساسية، وهذا هو هدفنا الأساسي".

"نيّة مبيتة"

انتهت أحداث اليوم الأول للحراك. وبالعودة قليلاً إلى الأحداث التي شهدتها الأيام السابقة على التظاهر، سنجد أنّ حركة حماس كانت قد بيتت نيةً قمعية ظهرت بشكلٍ واضح حينما اقتحمت أجهزتها الأمنية مساء يوم العاشر من مارس منزل المواطن جهاد العرابيد في بلدة بيت لاهيا شمال القطاع وكان يجتمع فيه 14 شخصاً من داعمي ومناصري فكرة الحراك. وذكر شهود عيان لرصيف22 أنّ قوةً أمنية قوامها عشرين شخصاً بعضهم بلباسٍ مدني اقتحمت المنزل واعتقلت كلّ الشباب المتواجدين فيه واقتادتهم إلى مركز الشرطة. رامز أبو غبن (23 عاماً) كان من بين الشباب الذين تمّ اعتقالهم وأُفرج عنه بعد يومين لأسباب صحية. تواصلنا معه في ليلة الأربعاء السابقة للحراك، وقال لرصيف22 إنّه تعرض هو وأصدقاؤه منذ وصولهم إلى مركز الشرطة للتعذيب المباشر والإهانة النفسية من قبل أفراد الأمن. وعن نفسه، روى أنه ظل لأكثر من عشرين ساعة بدون نوم، وفي مساء اليوم التالي لاعتقاله عانى من أزمةٍ صحية تمّ على إثرها الإفراج عنه لتلقي العلاج، مضيفاً "أنّ قرار الإفراج جاء بشرطٍ يُلزمه بتسليم نفسه لقوات الأمن صبيحة يوم الحراك". لا يخالف التظاهر أيّ نص قانوني أو أي عرف مجتمعي، ومطالب الحراك بسيطة وتتعلّق بحياة المواطنين بحسب ما أكّد أبو غبن، منوهاً إلى أنّهم يراهنون على الشارع فقط وعلى المواطن الذي ذاق ويلات الحصار والجوع. أبو غبن الذي كان يدرك أنه لن يتمكّن من المشاركة في الحراك جسدياً، اعتبر أنّ "نجاح الفكرة غير مرتبط بشخص حتّى لو كان من مطلقيها والرهان على شعبية التحرّك وعفويته فقط".
"منذ أكثر من 12 عاماً نتجرع المرّ يومياً، وما فعلته بنا الفصائل الفلسطينية خلال سنوات قليلة لا يمكن أن يُنسى، الناس هنا تموت كلّ دقيقة، فلا كهرباء ولا مياه ولا علاج ولا تعليم ولا حرية رأي وتعبير"... تظاهرات مطلبية في غزة قمعتها حماس
"خروجنا اليوم هو لإعلاء صوتنا الذي لطالما حاول الجميع إخراسه ولنرفض الضرائب والابتزاز السياسي الذي يُمارَس بحقنا، خرجنا ونحن نعلم بأنّنا سنتعرض للقمع الذي سيتبعه السجن والتعذيب"... تظاهرات مطلبية في غزة قمعتها حماس
أما مصادرُ حماس الأمنية، فكان قد نُقل عنها في وقتٍ سابق قولها إنّ المحرك للحراك هو شخص من قطاع غزّة انتقل مؤخراً إلى الضفة الغربية، وسبق أن ألقي القبض عليه أثناء وجوده في غزّة أكثر من مرّة على خلفية تنظيم أحداث عنف. وقالت هذه المصادر إن تحقيقاتها مع المعتقلين كشفت أنه جرى التواصل مع عدد من الشباب عبر فيسبوك، و"عرضوا عليهم مغريات عبر الخاص لتحريك الشارع لجهة وأهداف ليس لها علاقة بالإجماع الوطني". ووصفت الاعتقالات بأنها مجرّد استدعاء للشباب للتحقيق فقط "وذلك من أجل توعيتهم وإرشادهم"، قبل إطلاق سراح عدد منهم، فيما سيُفرج عن الباقين في الأيام القادمة.

انتهاك صارخ للقانون

ما ذكرته مصادر حماس يُنافي ما ورد في بيان "الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان" الصادر في 13 مارس 2019، والذي بيّن أن اعتقال الشباب جاء على خلفية إطلاقهم حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية. وأكّدت الهيئة أنّ ما رصدته من وقائع لها علاقة بحادثة الاعتقال تشكّل مخالفة واضحة لمعايير الاحتجاز والتوقيف المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجزائية رقم 3 لسنة 2001. وعلم رصيف22 من مصادر موثوقة أنّ حماس أرسلت قبل التظاهرات رسالة إلى عناصرها كافّة وجهتهم فيها للمشاركة في مسيرات مضادة تهاجم السلطة الفلسطينية في نفس توقيت الحراك، وطلبت منهم مهاجمة الحراك عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما أنّها استنفرت معظم قواتها الأمنية والاستخباريّة لمراقبة مَن يتظاهرون، ولوحظ هذا من خلال التواجد الأمني المكثف لأشخاص بعضهم باللباس المدني وآخرون بلباسٍ عسكري. وبالفعل، جابت مسيرة الشوارع المجاورة لمنطقة "الترانس" في جباليا، شارك فيها مناصرون لحماس حملوا لافتة كبيرة كُتب عليها بخطٍ عريض "عباس لا يمثلني"، في خطوة وصفها مشاركون في الحراك بـ"الالتفافية" وبأنها "استغلال سياسي لأهداف الحراك ومطالبه المعيشية". ومضت التظاهرة المضادة في طريقها الذي كانت نهايته على مقربةٍ من مكان الاعتصام، واحتشد أفرادها هناك وسط حمايةٍ أمنية لهم. وفي صباح يوم التظاهرة، نشر فلسطينيون صوراً وفيديوهات قالوا إنّها جزء من عرضٍ عسكري نفّذته كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، في نفس المنطقة التي قرر الحراك التظاهر فيها، واعتبروا ذلك رسالة لترهيب المشاركين، واعتبروا أنه من "الغباء" وضع الحراك في مواجهة القسام. https://www.facebook.com/photo.php?fbid=2087212597998800&set=a.500990773287665&type=3&theater

التظاهر حق

يوضح الباحث السياسي محمد حامد العيلة لرصيف22 أنّ المواطنين في كلّ فلسطين لهم الحق في التعبير عن آرائهم بالوسائل السلمية التي يرونها مناسبة، دون النظر إلى الجهة التي تحركهم من أجل تحقيق هذا الأمر. ويشير إلى أنّ الحراك الشعبي الذي انطلق ضد إدارة حركة حماس جاء في ظلّ حالة يأس متكاملة وأوضاع إنسانية صعبة يعيشها السكان، وأتى بعد تراكم واضح لتجارب سابقة في التظاهر شهدتها غزّة. ويرى أنّ الداعين له كانوا أذكياء في توضيح مطالبهم التي صدرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، إذ أنّها لم تتعدَّ الجوانب الاجتماعية والاقتصادية ذات العلاقة المباشرة بحياة الناس، مشيراً إلى أنّه كان يُفترض بحركة حماس التعامل بحكمة وعقلانية مع المواطنين، بدل الخشونة والاعتقال ووسائل الترهيب الأخرى. ويضيف أنه "على حركة حماس أن تفهم أنّه طالما هناك ظلم ودافع للثورة فخروج الناس للشارع أمر حتمي"، منوهاً إلى أنّ أسوأ آثار الحراك هو انقسام أبناء القطاع حوله بين الموالاة والمعارضة، وهذا الأمر تنبع خطورته من أنّ الطرفين يخضعان لنفس تفاصيل القهر في العيش ومتفقان على مطالب وفكرة الحراك، لكنّهم يختلفون في تحديد هوية المتسبب، فالداعون إلى الحراك يرون أن حركة حماس هي المسؤولة، فيما يرى أنصار حركة حماس أن السلطة الفلسطينية وعقوباتها هي السبب.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard