الفنان الإيراني الأميركي كامروز آرام: زخرفة تقليدية في فضاء روحي جديد

الأحد 17 مارس 201902:26 م
ربما يمكن تتبع الأفكار الفلسفيّة، والأسئلة التشكيليّة، التي تندرج عليها تجربة الفنان كامروز آرام، للوصول إلى ممارسة ممتدّة على كامل تجربته التشكيليّة، ألا وهي محاولة الكشف عن احتمالات توظيف الزخرفة الإسلاميّة في اللوحة الحديثة، هذا التساؤل التشكيلي الجمالي، لا يتوقّف على اللوحة، بل على العديد من الوسائط الفنيّة الأخرى التي وظّفها كامروز آرام في بحثه، منها: التصوير، الكولاج، اللوحة، التجهيز والديكور. قُدِّمت تجربة الفنان الإيراني الأمريكي (كامروز آرام 1978) نقدياً بدقّة، حينما وُصفت بأنها محاولات فنيّة للكشف عن تأثيرات الفنون التقليديّة الشرقيّة في تيار الحداثي الفني، ففي بداية القرن العشرين أخذت الحركة التشكيليّة الأوروبيّة تنفتح على تجارب الثقافات المجاورة، وكان لتأثر الرسام هنري ماتيس بالرسم الياباني، وتأثر بابلو بيكاسو بالأقنعة الإفريقيّة دوراً كبيراً في نشأة الفن الطليعي ومن بعده الحديث. كامروز آرام يقترح مقاربة جديدة، بقلب المعادلة، بمساءلة اللوحة وفن التجهيز في قدرته على تجسيد تنويعات من الزخرفة الإسلاميّة. تعود لوحة كامروز آرام إلى عناصر الزخرفة الأوليّة، النبات والزهر، فيذكّر بها بمقدار ما يهدم العلاقات التقليديّة بينها، ليُعيد بناءها بتكوينات جديدة، تبرهن لعين المتلقّي كيف يمكن أن توضع في سياقات بصريّة مختلفة، لتكشف عن رأي جمالي، يدمج كامروز في لوحته بين مناهل بصريّة مستمدّة من التراث والحداثة، هذا التنافر يوحي بالتدفّق المستمرّ في لوحاته، ويظهر تكوينات تتمتع بالحيويّة والدفق الداخلي. سطح لوحاته كثيف العناصر اللونيّة والهندسيّة، ليبدأ تشكّل المعنى من إدراك العلاقات الجامعة، والبنية التكراريّة لهذه العناصر، كأن التشكيلات الزخرفيّة محاولة استخراج معنى من كثافة الشكل البصري. في آرائه، يشابه كامروز آرام بين اللوحة والسجادة الفارسيّة، يقول عن ذلك: (كلاهما شكل مستطيل يحيط بنا، يتضمنان بداخلهما عناصر تشكيليّة من المحتمل جداً أن تكون متقاطعة بين اللوحة والسجادة، كما أن كلاهما يعتمد على التكرار والزخرفة حين يلعبان دوراً في مجال فن الديكور).
الكشف عن احتمالات توظيف الزخرفة الإسلاميّة في اللوحة الحديثة، هذا التساؤل التشكيلي الجمالي، لا يتوقّف على اللوحة، بل على العديد من الوسائط الفنيّة الأخرى التي وظّفها كامروز آرام في بحثه، منها: التصوير، الكولاج، اللوحة، التجهيز والديكور.
قُدِّمت تجربة الفنان الإيراني الأمريكي (كامروز آرام 1978) نقدياً بدقّة، حينما وُصفت بأنها محاولات فنيّة للكشف عن تأثيرات الفنون التقليديّة الشرقيّة في تيار الحداثي الفني

رسومات غير مستقرّة لجوانيات قلقة، 2014

في معرضه (زخرفات قاسية، 2012)، بدأ برسم العناصر النباتيّة والأزهار المستمدّة من فن الزخرفة لتشكّل كامل أرضية اللوحة، كما أنه وفي المعرض نفسه نكتشف المحاولات الأولى الخجولة في دمج الأشكال الهندسيّة برسومات النباتات والأزهار. لكن معرضه بعنوان (ورق ممسوح، رسومات غير مستقرّة لجوانيات قلقة، 2014)، هو الذي سيحمل بوضوح معالم أسلوبية عند كامروز آرام فيما يتعلّق بالعلاقة بين الزُخرفي النباتي – الطبيعي، والزُخرفي الهندسي – المصمم، هذا المعرض صنّفته صحيفة Hyperallergic من بين أفضل 11 معرض تشكيلي في ذلك العام، في لوحات هذا المعرض يمكن تحليل اللوحة عبر إعادتها إلى ثلاثة مستويات: المستوى الأول، الذي يشكّل أرضية كامل سطح اللوحة هو مستوى العشب والنباتات أو الأزهار، في سلسلة لوحاته للعام 2014 بعنوان (تأليف زخرفي للأمكنة العامة، رقم 10 – 11 – 12)، نجد الأرضية وكأنها تمثّل لوحة مستقلّة لمساحة عشبيّة أو أرضية مزهرة، لهذا المستوى دور في تحديد مشاعر اللوحة، ألوان مثل الأخضر، الأزرق والرمادي، تشكّل الجو العام للوحة، وبالتالي هي التي تحدّد الشعور العام للمتلقّي أمامها. المستوى الثاني هو العناصر التشكيليّة، أي: المثلث، أو المعيّن، أو المثلث المضاعف، هكذا يرسمها الفنان فوق السطح العشبي المزهر للوحة. بدايةً تبدو اللوحة متناسقة، لكن التدقيق فيها بمنطقية يكسبها تميزاً جديداً، نادراً ما تقارب العين بين الأزهار والنبات وبين الأشكال الهندسيّة، توجد الأزهار والنباتات في الطبيعة، بين الأشكال الهندسية من ابتكار بشري، ولا توجد مادياً إلا على الورق. إذاً، هذا ما يشعره المتلقّي أمام لوحات معرض (ورق ممسوح، 2014) وكامل تجربة كامروز آرام، أنها تقارب بين عناصر لا تألفها العين متقاربة، أي النباتات والأشكال الهندسيّة، من هنا ندرك، كيف وظّف كامروز رؤيته الفنية عن الزخرفة لتشكيل نماذج لوحات تجريديّة فريدة. المستوى الثالث هو ذلك المتولّد من العلاقة بين السطح العشبي والنباتات وبين الأشكال الهندسيّة المضافة إليها، الذي يوحي أحياناً باللعبيّة وأحياناً بالصرامة، وأحياناً برغبة الفنان في اللهو على سطح اللوحة، ولكن عند هذه النقطة يجب الإشارة إلى أن الفنان كامروز يهتمّ بشدّة بأن تتمكن لوحته أيضاً من لعب دور تزييني، هناك ذائقة فنان ديكور في رسوماته.

اللوحة خلفية للغرض، والغرض جزء من اللوحة

هذا الاهتمام بالديكور، يظهر بوضوح في معرضه التالي، (مختارات لغرفة، 2018)، والذي قدّم فيه بوضوح تجربته عن فن التجهيز. يجمع أواني السيراميك مع أشكال هندسيّة مجرّدة، كما يجهّز ألوان الجدران المحيطة بالعمل الفني بطريقة تخلق عالماً هندسياً لونياً منظّماً بدقة، ونافراً بغرابة في الوقت ذاته، كما في أعماله: (الحركة الخضراء، 2018)، (النصب الأخضر، 2017)، (الخلفية الزرقاء للفنون الصغيرة، 2018) كتب الناقد بول لوستر في مجلة الفن الآسيوي عن أعمال الفنان كامروز آرام: (سواء عبر أعماله المينيماليّة، المفاهيميّة، التعبيريّة أو أعمال الديكور، يبتكر كامروز آرام فناً هجيناً، هذا الفن الهجين يمكّننا من فهم التفاعل، أو الهارموني بين الحضارات، ويثبت إمكانية التعبير عن فكرة واحدة بطرق مختلفة).   يوضح الناقد لي أسكوبيدو كيف تساءل أعمال كامروز آرام العلاقة بين الأغراض والرسم، في تموضع كل منها بالنسبة للأخرى حسبما يقترحه التصميم: أيهما يمنح الحيوية للآخر، الغرض يُحيي الرسم أم العكس، اللوحة مصمّمة لتبرز حضور الغرض؟ يعتبر أسكوبيدو أن هذه محاولة فنيّة من آرام ليختبر العلاقة بين اللوحة والغرض في فضاء صالة العرض، كذلك يشير إلى العالم الروحي الذي تولّده في زائر المعرض مساحات فن التجهيز والديكور التي يصنعها الفنان كامروز آرام. في أعماله من فن التجهيز يوسّع كارموز عمله على الزخرفة، لتمتدّ إلى تكوين فضاء داخل الصالة، أو داخل المنزل، أو داخل الغرفة كما يشير عنوان المعرض، ومن هنا تمتدّ الزخرفة من كونها عناصر تشكيليّة إلى آلية تصميم للديكور الداخلي.

آرابيسك، 2019

معرضه الحالي المقام في Green Art Gallery – دبي، يحمل عنوان (أرابيسك، 2019)، جاء في بيان المعرض لتوضيح العنوان: (الأرابيسك هو مصطلح يدلّ على الكثير من الزخارف، أكثرها شهرة هي الزخارف النباتيّة وزخارف الأزهار التي تتشابك بتكراريّة في رسومات السجّاد أو الفسيفساء الجداريّة، تخلط بين العنصر المرسوم والأرضية التي رُسم عليها، مما يدفع العين للتحرّك على سطح الرسم بطريقة موسيقيّة، مصطلح الأرابيسك أيضاً نراه مستعملاً في الرقص، وتصاميم أداء الباليه، كان الفرنسيون أوّل من استعمله للدلالة على نوع من البناء والديكور قابلوه في شمال إفريقيا، لكن قراءات أخرى تقول أن الاستعمال الفرنسي جاء من المصطلح الإيطالي الأصل Arabesco) يقدّم الفنان في هذا المعرض مجموعة من اللوحات التي تحاول اكتشاف المعاني الكامنة خلف الأرابيسك، وكيف استُعمل في تاريخ الفن، وما يعنيه الأرابيسك للفنان نفسه. تتراوح اللوحات في هذا المعرض بين المترابطة بشدّة في موضوعاتها وأسلوبها، وبين لوحات أخرى انضمّت إلى المعرض رغم استقلاليتها، دون أن ترتبط بأعمال المعرض ضمن أية بنية، والنتيجة التي يراها المتلقّي هي مجموعة تعبّر جيداً عن براعة هذا الفنان، والتزامه بوسط اللوحة. يستشهد بيان المعرض بما كتبه الفيلسوف الألماني (فريدريك شليغل 1772 – 1829): (الأرابيسك، الكثافة المنظّمة بصرياً، التناسق الحميم بين متناقضات، جمال التناوب الأبدي بين الفضول والسخرية، الأرابيسك أقدم الأشكال وأكثرها أصالة في المخيلة الإنسانيّة)

تعبيريّة الأشكال الزخرفيّة

في معرض أرابيسك، نجد مرحلة جديدة في تعامل الفنان كامروز آرام مع الزخرفة. أصبحت اللوحات مقتصرة على بعدين، خيار بالبساطة من الفنان، وذلك لكي يتمكّن من معالجة أكثر تعقيداً لحضور الزخرفة في الرسم، في اللوحتين بعنوان (ليليات 3 ، 2019)، و(أرابيسكو، 2019)، لا تعود الزخرفة عنصراً مرسوماً، أو تشكيلاً مكوناً داخل اللوحة، بل أصبحت الزخرفة هي الأسلوب الذي ستُرسم فيه الأشكال داخل اللوحة. في هذا المعرض يحضر الميل إلى التجريد، تتحرّر الخطوط الزخرفية من دورها في توليد أشكال متساوية ومتساوقة، وتمتدّ بحريّة لتحتلّ كامل مساحة اللوحة وهي تولّد أشكالاً هلاليّة، وأقواساً ومنحنيات، منها، من هذه الخطوط التي تشبه الخريطة، خريطة الخروج من متاهة، تتكوّن الأشكال الأساسيّة في اللوحة، أي الرموز المراد إيصالها إلى عين المتلقّي، حيوية الخطوط تمتلك حركيّة موسيقيّة وحضوراً من الخفّة، حين يكتمل الشكل، مع اكتمال الرسم، يثبت لنا الفنان كامروز آرام، كيف أن الخطوط الزخرفيّة عدا عن هندسيتها، هي أيضاً قابلة لأن تكون حمّالة للمشاعر وتعبيراً بحدّ ذاتها.

زخرفات تشكيليّة جسديّة

عدا عن الزخارف والأشكال الهندسيّة، إن شبكة الخطوط داخل لوحتي (ليليات 3، 2019)، و(أرابيسكو، 2019)، توحي بحضور أجساد بشرية، حركة الأجساد عضويّة، الأذرع ترتبط بمفاصل فتشكّل المحاور، وكذلك الخط نفسه الذي يشكل هندسياً المفاصل التي تربط الأعضاء إلى بعضها، هو ذاته من يشكل الأعضاء بدوره، هنا يتمكّن الرسم الموجود داخل اللوحة من الإيحاء للناظر بأنه أولاً زخرفات تشكيليّة، وثانياً وضعيات جسديّة، أي جسد في علاقته مع أعضائه ومع الأطراف.

مشاعر البهجة ومشاعر الليليات

تتنوّع المشاعر الكامنة في لوحات كامروز آرام، منها ما نتلمّس معها شعوراً من البهجة، مثل لوحة (أرابيسكو، 2019) التي تتلوّن كتلتها بالأخضر الغامق، الأحمر، البوردو والأسود، تكوينات هذه اللوحة تذكّر بأعمال ودراسات للفنان الإسباني بيكاسو، أما بمشاعرها التي تولدها بالمتلقي تحيل إلى عوالم المتميز الإسباني خوان ميرو، الألوان والإحالة إلى أسلوب ميرو يمنح لوحة (آرابيسكو، 2019) مشاعراً من البهجة. بالمقابل، في لوحة (مقطوعة الرحيل، 2019)، تغلب عليها مشاعر الميلانخوليا، هناك الحزن القوي في الكتل اللونية السوداء، الألوان الرماديّة، وكذلك عنوان اللوحة بذاته (Departing Nocture)، دون أن ننسى أن ال Nocturne، هي نوع موسيقي أيضاً، يدعى الليليات، وهو نشأ في موسيقى الرومانتيكيّة الأوربيّة في القرن التاسع عشر، وكان يُعرف بمقطوعاته الوجدانيّة وأجوائه العاطفيّة. كما في الموسيقى، فإن لوحات كرموز آرام هي تنويعات على الموضوعات الجماليّة والتشكيليّة التي تشغله: الرغبة في الدمج بين الهندسي والطبيعي، الرغبة في الدمج بين اللوحة والغرض، الرغبة في الدمج بين فن الرسم وفن الديكور، ومن بعدها تعيد لوحته مفاجئتنا بأن تحمل إلينا شعوراً بالخفّة، البهجة، أو الصرامة والتقشّف. يفتتح المعرض في غرين آرت غاليري Green Art Gallery دبي في 18 آذار ويستمر حتى 5 أيار 2019.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard