جدّتي التي طُردت من قريتها عام النكبة تعود إليها في تابوت

الجمعة 15 مارس 201911:37 ص
لطالما أذكر نفسي أقول بأن قضيتي مع إسرائيل هي قضيّة شخصيّة. بأنه من الضروري تحويل كل ما فعلته الحركة الصهيونية بنا، إلى تفاصيل شخصيّة. كأن في قصة الشعب الفلسطيني الكبيرة والمأسوية والمستمرة، ضاعت التفاصيل الشخصيّة؛ قصص الحبّ، أحاديث الجيران، مواسم الأعراس، العلاقات الجنسيّة، وكيف قررت جدّتي لُطفيّة أن تُطلق على ابنتها اسم سلمى في العام 1936؟ أعيد كتابة هذا اليوم ربما لا فقط لكي أخبره لأصدقائي أو في مقابلات صحفية أتحدث فيها عن كوني فلسطينيّة. أكتبه بالتزامن مع وفاة جدّتي لأمّي، سلمى جريس جدعون حدّاد صباح الثالث عشر من آذار/ مارس 2019. هي التي وُلدت في قرية إقرث المهجّرة عام 1936، وطُردت منها هي وعائلتها ونزحت إلى قرية الرامة، حيث تعرّفت إلى جدّي يوسف تامر حدّاد، الذي أصبح حبيبها ثم شريكها عندما تزوجا عام 1955 وأبا بناتها وابنها. جدّتي، مثل جدّي، ستُدفن بعد جنازتها ظهر اليوم، الخميس، الرابع عشر من آذار/ مارس 2019، والتي تُقام في حيفا، المدينة التي انتقلت إليها وجدّي بداية الثمانينات بعد أن تركا الرامة، ستوارى في ثرى القرية التي وُلدت فيها وطُردت منها وهي في الثانية عشرة من عمرها. حيث أن أهالي قرية إقرث، مثل أختها قرية كفربرعم، يعودون إلى أراضيهم فقط كأموات، في توابيت تُدفن في التراب.

حق العودة كأموات

وبالتالي، مثل أن جدّتي لن تعد إلى بلدها إلّا في تابوت، لذلك، لا يمكن أن تكون قضيتي مع إسرائيل إلّا شخصيّة. وعلى رغم من أهمية أن تُدفن الأجساد في المكان الذي وُلدت فيه أو تنتمي إليه، ورمزية ذلك، إلا أن للرمزيّة هذه بعدًا إضافيًا مفاده أن إسرائيل لا ترى إلّا أن ”العربي الجيّد هو العربي الميّت“ (التعبير العنصري الذي يُستخدم كثيرًا ضد العرب على مستوى شعبي يميني إسرائيلي تحديدًا). وبالتالي، كيف يمكن تفسير قرار إسرائيل بسماح أن يدفن أهالي إقرث وكفربرعم موتاهم في أراضيهم؟ بالوقت الذي هنالك قرار محكمة عدل عليا يسمح بعودة أهالي القريتيْن إليهما. إن قريتي إقرث وكفربرعم، هما مثل أي قرية من قرى فلسطين التي هُجرت على يد العصابات الصهيونيّة عام 1948. إلّا أن خصوصيّة هاتين القريتيْن تكمن بأن الجيش الإسرائيلي كان قد طلب نهاية عام 1948، من سكان إقرث وكفربرعم الخروج من القريتيْن مدة أسبوعين، حتى يستقر الوضع الأمني على الحدود مع لبنان. وفي ليلة عيد ميلاد العامّ 1951، هدمت إسرائيل كافّة منازل القرية، التي بلغ عدد سكانها 490 نسمة في العام 1945. وكان قد طُرد قسم من أهلها إلى لبنان والقسم الآخر إلى قرى فلسطينية مجاورة. في العام 1954، أقرت محكمة العدل العليا في إسرائيل بعودة أهالي إقرث وكفربرعم، إلّا أن هذا القرار بقي حبرًا على ورق رغم كل الضغوط التي مورست بتنفيذها، وما زالت حتى يومنا هذا. وفي عام 1972، وافقت إسرائيل على فتح مقابر القريتيْن وترميمها ودفن الموتى فيها.

شعور الذنب والخسارة اليوميّة

كنت قد تركت عكّا وحيفا إلى برلين قبل حوالي عاميْن، ومن الأسباب التي دفعتني نحو هذه الخطوة المهمّة في حياتي هي حاجتي الإنسانيّة الأولى، كفلسطينيّة وُلدت في مدينة عكّا وتحمل جواز سفر إسرائيليّاً، هي أن أكون في محيط يسمح لي التواصل والالتقاء الجسديّ بأصدقاء وصديقات من محيطي العربي الطبيعيّ. فاحتمال أن تزورني صديقة من دمشق في حيفا، لتناول مناقيش خبزتهن جدّتي، أو أن أحبّ شابًا تونسيًا انتقل للسكن في شارع بيتي، هما من بين تفاصيل شخصيّة مستحيلة في سياق الاستعمار الصهيونيّ لفلسطين. فجاءت برلين، لتكون هذه المدينة مانحة للعالم الطبيعيّ الموازيّ الذي أردت أن أعيش به، على الرغم من أن ما جلب العديد إليها هي كوارث سياسيّة واجتماعيّة وشخصيّة أيضًا. وعلى الرغم من أن برلين بلا بحر ولا شمس، لكن لهجات أهل درعا وجزائر العاصمة والإسكندرية وصنعاء، تدفىء القلب. لكن، منذ أن قررت أن أترك فلسطين، لم يتركني شعور الذنب. ولا أني أهرب من مسؤوليتي تجاه بلدي وناسها. هذا الشعور شرعي ومألوف، وتعلّمت التأقلم معه. كان الثمن الذي عليّ أن أدفعه، وما زلت، لكنه كان ثمنًا محرّكًا لأخلق أشكال تواصل بديلة لا تبعدني عن مكاني الأوّل، رغم أني بعيدة عنه جغرافيًا. لكن، ما لم أتأقلم معه، واعتقد بأني لن أتأقلم معه يومًا ما، هو شعور الخسارة بأني أفتقد التفاصيل اليوميّة للمكان ومن أحبّهم. أفقد قلق إخوتي، النكات التي تُضحك أمّي، وفقدت أن أرى جدّتي وهي تحارب الموت القادم الذي خافته. هي التي تعرف كيف أن ”الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء“.
كان من المفترض أن أصل إلى حيفا لزيارة أسبوعيْن ظهر غد الجمعة..لكن لم تنتظري سلمى، فأحيانًا، يومان هما ليسا بالفترة القصيرة، كما نعتقد، أو ربما، إنها فترة طويلة فقط عند الموت..
رحلت جدّتي الأخيرة على عتبة الذكرى الواحدة والسبعين لنكبة فلسطين وناسها. وعلى الرغم من أن وجعي وألم العائلة هو شخصيّ بالدرجة الأولى، لكن موت جدّتي ليس قضيّة شخصيّة فقط.
أزور فلسطين لأوّل مرة بلا أن تستقبلني جدّتي وتسألني:"متى سأعود إلى عكّا؟". أنا التي وصلت متأخرة إليها، والتي تعرف أن السّفر كلّه لن ينجح بأن يفهمها أهم دروس جدّتها: كيف يمكن لقلب أثقله القهر، أن يبقى طيبًا.
قضيتي مع إسرائيل هي قضيّة شخصيّة..أعيد كتابة هذا اليوم بالتزامن مع وفاة جدّتي لأمّي، سلمى جريس جدعون حدّاد، التي وُلدت في قرية إقرث المهجّرة عام 1936، وطُردت منها هي وعائلتها ونزحت إلى قرية الرامة.

الخوف اليوميّ من الفقدان

رأيتها آخر مرة خلال فترة عيد الميلاد ورأس السنة الماضيّة. عاتبتني كعادتها لأني بعيدة. وسألتني سؤالها الدائم عن موعد عودتي إلى فلسطين. مازحتها كالعادة، وأجبتها: ”يا تيتا ما أنا مبسوطة.. لشو أرجع؟“. فتقول لي، كما دومًا أيضًا: ”أنا بكون مبسوطة لما تكوني جنب إمّك“. أفهم جدّتي وقلقها، وأفهم هذا الخوف من أن تأتي الخسارة المفاجئة أو الفقدان المفاجئ، هي التي لم تعرف مكانًا آمنًا إلّا العائلة. فطُردت من بيتها، ومات أخوها وهو في السابعة عشرة من عمره في أيام لم يكن مرض السرطان ضيفًا على كلّ بيت مثل اليوم. المرأة التي لم يتركها الحزن أن تعيش يومًا بلا أن تخاف من فقدان جديد. توقفت عن الغناء والرقص بالأعراس. توقفت كل ملامح التعبير عن الفرح. غنّت أغاني الرثاء للموتى لحظة رحيلهم. كأنها، منذ أن عرفت الحياة، عرفت حقيقتها الحزينة التي من الصعب على الحياة التي عاشتها، أن تقنعها بغير ذلك.

موت جدتي ليس قضيّة شخصيّة فقط

كان من المفترض أن أصل إلى حيفا لزيارة أسبوعيْن ظهر غد الجمعة، الخامس عشر من آذار/ مارس الجاري. مع بداية الأسبوع، أخبرتني أمّي بأن جدّتي عادت إلى المستشفى. كان وضعها مستقرًا خلال الأيام الماضيّة، مع الحاجة للمراقبة الطبيّة. كنت سعيدة لأني خططت زيارتي بلا أن أعرف ضرورة توقيت ذلك، حيث أن بجزء منها هي لأجل مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام الذي يُقام لدورته الرابعة هذا العامّ. لكن هذا موضوع آخر. كنت قد وضعت آلة التسجيل على الطاولة في غرفتي ببرلين كي لا أنساها، لأني أردت هذه المرة أن أسجل الحكايات التي تكررها جدّتي، مع زيادة تفاصيل جديدة كلّ مرة عليها. لكن لم تنتظري سلمى، فأحيانًا، يومان  هما ليسا بالفترة القصيرة، كما نعتقد، أو ربما، إنها فترة طويلة فقط عند الموت. رحلت جدّتي الأخيرة. وعلى الرغم من أن وجعي وألم العائلة هو شخصيّ بالدرجة الأولى، لكن موت جدّتي ليس قضيّة شخصيّة فقط. على عتبة الذكرى الواحدة والسبعين لنكبة فلسطين وناسها، نشعر كأننا قد تذكرنا متأخرين أن نلملم القصص الشخصيّة لمن شاهدها بعينيه، وعاشها على جسده، ورافقته مدى الحياة. أنا التي سأحاول اليوم أن أكتب ما روّته جدّتي، التي لم تروِ يومًا قصّصًا مباشرة عما حدث عام 1948، فكانت تُغلف وجعها بالقصص الشخصيّة؛ عن جدتها التي تسللت إلى لبنان بحثًا عن ابنتها، عن حروق رجليْها من زيت السمك قبل أيام من عرسها.. وكلّها، مثل كل قصصنا المستمرة، هي قصص شخصيّة عن النكبة. في زيارتي الماضيّة إلى فلسطين، قلت بأني أحتاج لأن أطلّ على البلد، ولوّ لبعض الأيام، فقط لأتذكر من أكون. اليوم، أزور فلسطين لأوّل مرة بلا أن تستقبلني جدّتي، ولا أن تسألني: ”متى سأعود إلى عكّا؟“. أنا التي وصلت متأخرة إليها، وأنا التي تعرف أن السّفر كلّه لن ينجح بأن يفهمني أهم دروس جدّتي: كيف يمكن لقلب أثقله القهر، أن يبقى طيبًا وحنونًا. ومن طيّبة قلب جدّتي، هذه المساحة الشخصيّة أيضًا، سأواصل التمسك بالأمل غير الشخصيّ. ومن المفضّل، أن لا يخذلنا.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard