حزب الله بين الأزمة المالية والتعبئة الإيديولوجية... مسارات متناقضة

الأربعاء 13 مارس 201906:03 م
اتسم تعامل حزب الله مع العقوبات المالية المفروضة عليه، في البداية، بقدر كبير من الاستهانة والاستهزاء، وكان يحرص دائماً على تأكيد أنها لا تؤثر إطلاقاً عليه. ولكن في الآونة الأخيرة، اختلفت المعادلة بشكل تام، فقد خرج الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله بخطاب اعترف فيه بالتأثير الجدي للعقوبات وطلب من جماهيره المساندة والاحتضان الشعبي، كما افتتح ما أسماه "جهاد المال" داعياً كل مَن يؤيد المقاومة إلى التبرع لهيئة دعم المقاومة الإسلامية، وهي الهيئة المسؤولة عن تسيير الشؤون المالية والاجتماعية واللوجستية للحزب. نصر الله أكد على وجود صعوبات وبعض الضيق، وتوقّع أن ترتفع وتيرة العقوبات على حزبه وأن تحذو دول أخرى حذو أمريكا وبريطانيا التي أعلنت مؤخراً أنها تنظر إلى الحزب بشقيه العسكري والسياسي بوصفه كياناً إرهابياً. يُضاف إلى ذلك أن المخارج التي من الممكن أن يستعملها الحزب للحد من أثر العقوبات تكاد تكون مسدودة بالكامل. فوزه في الانتخابات النيابية التي جرت منذ فترة في لبنان، وإمساكه بناصية القرار البرلماني ومن بعده القرار الحكومي، وحصوله على وزارات وازنة، لم يسمح له، مع توالي ردود الفعل الدولية والعربية، بأن يحوّل هذه الانتصارات إلى حلول لأزماته المالية. تفهّم المجتمع الدولي خصوصية الوضع اللبناني وحاجة البلاد إلى تشكيل حكومة لا يمكنها الخروج إلى النور دون وجود حزب الله فيها، ولكنه عمد من ناحية أخرى إلى تقييد إمكانية استفادة حزب الله من هذا الأمر، وإفشال خطته القائمة على استثمار الانخراط في الدولة ومؤسساتها لصالحه. بات معلوماً أن دفتر الشروط المطروح أمام لبنان للاستفادة من التقديمات والهبات والاستثمارات والمؤتمرات الدولية، يتطلب من الحكومة القيام بإصلاحات جدية تستهدف مكافحة تمويل الإرهاب وتبييض الأموال واتخاذ إجراءات تستهدف حركة حزب الله قبل أي شيء آخر. عدا ذلك، عمدت الجهات المانحة والهيئات الاستثمارية إلى رفض صب الأموال المخصصة للمشاريع من خلال الوزارات، واشترطت ضخها عبر القطاع الخاص وشراكاته مع الدولة، ما يفرض درجة عالية من الشفافية والوضوح تمنع حزب الله من فرض وصاية على المشاريع أو المشاركة فيها والاستفادة منها. وتجدر الإشارة إلى أن رغبة حزب الله في تعميق الدخول إلى المؤسسات العامة فرضت عليه المطالبة بتقاسم الوظائف المخصصة للشيعة، بموجب سياسة المحاصصة في لبنان، بينه وبين حليفه الشيعي الآخر، حركة أمل. كان توزيع الأدوار بين طرفي المعادلة الشيعية سابقاً يقضي بمنح حركة أمل الوظائف والحضور في مؤسسات الدولة في حين يتفرغ حزب الله لشؤون المقاومة، وكان حجم الدعم الذي يتلقاه يتيح له خلق شبكاته التوظيفية الخاصة التي تؤكد المعلومات أنها تقلصت مؤخراً إلى حد كبير. وإزاء هذا الواقع المستجد، يُطرح سؤال حول كيفية إقامة نوع من التلاؤم بين أزمة مالية جدية ومرشحة للتصاعد، وبين التعبئة الإيديولوجية والعقائدية التي تفترض وجود بيئة حاضنة نقية الولاء، لا يمكن أن تتأثر بالتحولات والأزمات.

ترشيد الإنفاق وإشراك الجمهور في المواجهة

تقوم مقاربة المحلل السياسي المقرّب من حزب الله غسان جواد على نفي وجود أزمة مالية جدية. يعتبر أن الحديث عن تراخٍ إيديولوجي وعقائدي في وسط الحزب، ربطاً بأزمة مالية أو غيرها، لا يستقيم، لأن الترابط بين الحزب وجمهوره عميق ولا يمكن الفصل بينهما، ولكل طرف دوره، وما يجري حالياً يعكس المزيد من تفعيل شراكة البيئة الحاضنة في المواجهة. يلفت جواد إلى أن حزب الله يتعامل مع الحصار الأمريكي والعقوبات القديمة الجديدة "بنوع من ترشيد الإنفاق والعمل على إعادة إشراك بيئته في المواجهة، خصوصاً أن المقاومة خرجت في الأساس من بيوت الفقراء وبيوت الناس البسطاء". ويؤكد لرصيف22 على المبالغة التي تسم الحديث عن الوضع المالي للحزب لافتاً إلى أن الأمور تسلك مساراً مغايراً لأن "ما كان الحزب ينفقه في سوريا تقلص كثيراً وكانت هذه النفقات عالية جداً، وقد تخفف الحزب حالياً من جزء كبير منها، كما تجدر الإشارة إلى أن الحزب يعمل دوماً وفق خطة بعيدة الأمد تتراوح مدتها من خمس إلى عشر سنوات". لا ينكر جواد "وجود ضغوطات كبيرة تطال رجال الأعمال الشيعة في إفريقيا حيث يتعرّضون لمساءلات حول علاقاتهم المحتملة بحزب الله، عدا محاولة الحصول على معلومات عن هوية مَن يموّل حزب الله منهم، كما يتم تحذيرهم من إرسال أموال إلى لبنان وصرفها ضمن الدائرة المالية اللبنانية". لم تنتج كل هذه الاستهدافات، وفق جواد، حتى الآن "انفضاض بيئة رجال الأعمال عن دعم فكرة المقاومة ولكن بعضهم خاف على تجارته وأمواله، مع العلم أن حزب الله ليست لديه دورة مالية مصرفية، ولا ينال تمويلاً من رجال أعمال معيّنين بل إن كامل تمويله من ايران، ومن هنا فإن معاقبة حزب الله تتخذ شكل استهداف البيئة الحاضنة له ككل". يحذّر جواد من مغبة استهداف حزب الله على الاقتصاد اللبناني بشكل عام لأن "حزب الله جزء من الدورة الاقتصادية اللبنانية، من خلال المال الذي يأتي إليه أو من خلال الوظائف التي يؤمّنها، وفي حال ازدادت الضغوط فإن كل القطاعات قد تتأثر". ويفصل بين حزب الله العسكري وبين البيئة الحاضنة والناس لناحية التأثر بالأزمات المالية ويشدد على أن التأثر "سينحصر بالناس ولكن حزب الله العسكري والمقاومة سيبقى خارج دائرة التأثر نظراً لامتلاكه حزمة دفاعات اقتصادية ومالية". ويلفت إلى أن فكرة اعتماد الحزب على موازنة الدولة ليست واردة بل على العكس من ذلك هو "مستعد للإنفاق في الوزارات التي تعود إليه كوزارة الصحة إذا اضطر إلى ذلك". ينبّه جواد من أن الهجمة الاقتصادية التي يتعرّض لها الحزب جاءت كبديل عن الخيارات العسكرية ولا يتوقع لها النجاح في تحقيق نتائج ملموسة في المدى المنظور لأن "حزب الله يقوم بإجراءات تتيح له المواجهة على المدى الطويل، كما تجدر الإشارة إلى أن هذا النوع من الحرب مورس سابقاً ضد حركة فتح وغيرها ولم ينجح في الوصول إلى نتيجة". ويستغرب تخويف القطاع الخاص من التعامل مع حزب الله لأن ذلك سيؤثر على هيكلية الاقتصاد اللبناني كون الحزب "يمثل بيئة متداخلة مع البيئة اللبنانية بشكل كبير، وعملية تأليب الرأي العام ضد الحزب وحض مؤسسات القطاع الخاص على عدم التعامل معه لا يعدو كونه فصلاً آخر من لعبة عض الأصابع التي اعتاد الحزب على مواجهتها".

بين التجييش العقائدي والانهيار الاقتصادي

ولكن الكاتب السياسي والأستاذ الجامعي في كلية التاريخ في الجامعة الأمريكية في بيروت مكرم رباح يرى أن "الوقائع لا تدعم الصورة التي يُظهرها حزب الله والتي توحي بأن كل قاعدته تدور في فلك الولاء للولي الفقيه"، ويضيف لرصيف22 "أن الأمور ليست كذلك، وتكاد تجربة الحزب في هذا المجال تشبه تجربة الحزب الشيوعي، لناحية الإيحاء بأن كل منتسبيه هم من الماركسيين، والأزمات المالية تكشف مدى ارتباط الولاء بشبكات المصالح".
يرى البعض أن الأزمة المالية التي يمرّ بها حزب الله ليست عابرة، و"اضطراره لأن يتحدث فيها في العلن يُظهر بشكل واضح أن الأمور وصلت إلى حد خطير"... عن حزب الله وتأثيرات العقوبات المفروضة عليه
أمام العقوبات المفروضة على حزب الله، يُطرح سؤال حول كيفية إقامة نوع من التلاؤم بين أزمة مالية جدية ومرشحة للتصاعد، وبين التعبئة الإيديولوجية والعقائدية التي تفترض وجود بيئة حاضنة نقية الولاء، لا يمكن أن تتأثر بالتحولات والأزمات
يلفت رباح إلى أن الحزب "لا يزال قادراً على تهريب المنتجات، ما أدى إلى انخفاض أسعار السلع في مناطق نفوذه المباشرة مقارنة بغيرها من المناطق"، ويضيف أن "تأكيده الذي برز مؤخراً على أنه جزء من المكون اللبناني العام، وحرصه المستجد على خلق تداخل بين اقتصاده والاقتصاد اللبناني ككل، سيؤدي إلى أن تلحقه الأزمات العامة التي تطال هذا الاقتصاد". ينبّه رباح إلى الترابط المتين بين الانهيار الاقتصادي و ارتفاع وتيرة التجييش العقائدي، لافتاً إلى عدم استفادة الاقتصاد اللبناني من دخول حزب الله إليه لأنه "لا يضخ أموالاً في قلب هذا الاقتصاد، وبالتالي فإن وضعيته الخاصة وحالة الاقتصاد اللبناني الذي بات في قلب الأزمة وليس على ضفافها سيجبرانه على استعمال التجييش العقائدي أكثر وأكثر". السؤال الذي يجب طرحه وفق رباح هو: هل سيقبل الجهمور الشيعي بأن يكون مضطراً إلى أن يجوع من أجل الحزب أكثر وأكثر؟ ويجيب بأنه "حتى الآن لا يزال وضع الطائفة الشيعية عموماً أفضل من غيرها، ولكن ما يطلبه منها الحزب يتجاوز التخلي عن امتيازات، بل يتعدى ذلك إلى تغيير شامل في مستوى الحياة وشكلها". يشدد رباح على أن "الأزمة ليست عابرة، واضطرار حزب الله لأن يتحدث فيها في العلن يُظهر بشكل واضح أن الأمور وصلت إلى حد خطير، فعلى سبيل المثال يُطلب من العائلات التي تستخدم عاملة منزلية التخلي عنها، وحين يعلم المرء أن الراتب الذي تتقاضاه هذه العاملة لا يتجاوز الـ200 دولار أمريكي شهرياً، يعرف أن المسألة تتعلق بالتوفير من أجل الحفاظ على القدرة على سد الحاجات الأساسية وحسب". ويتطرّق إلى أثر الحرب السورية، فحزب الله كان يؤمن بـ"أن ما يعتبره انتصاراً لمحوره في سوريا سيحوّلها إلى نوع من مستوطنة توفّر له ولبيئته نوعاً من ‘الشوبينغ’ الرخيص والمفتوح، ولكن الأمور لم تسِر على هذا المنوال". ويضيف أن "الكلفة العالية لمشاركته في الحرب السورية لم تُنتج له نوعاً من الوضعية الآمنة اقتصادياً وإيديولوجياً، بل انتجت أزمة مفتوحة امتدت لتشمل مناطق أخرى كالعراق، وأثّرت على قدرة إيران على تطويع الاقتصاد العراقي لصالحها، وعلى التبادل الاقتصادي العراقي الشيعي اللبناني، والمجالات التي كان يتحرك فيها كالسياحة والاستشفاء". كل هذه الوقائع ستؤدي حتماً كما إلى ارتفاع وتيرة ما يمكن أن نسميه بـ"الوهن الإيديولوجي والعقائدي" في بيئة حزب الله. ويؤكد رباح "أن الأصوات الخارجة على الإطار العام للتعبئة الإيديولوجية تظهر منذ فترة، ولكن الإحكام الأمني والضبط الحديدي الذي يمارسه الحزب ضد كل أصوات الاعتراض لا تتيح لنا المجال لتقدير حجمها ومدى شدتها".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard