ما هو "اثنين الراهب"، الذي يستقبل به مسيحيو دمشق وريفها الصوم الكبير؟

الخميس 14 مارس 201902:31 م
"هيا أسرعوا، سيفوتنا موعد الاحتفال". بكلمات مقتضبة تستعجل لمياء أولادها الثلاثة وهي ترتب أوعية وأطباق الطعام في السيارة الصغيرة، استعداداً لالتحاق ببقية أفراد العائلة إلى "المزار"، وهو عبارة عن مساحة شاسعة من الأراضي الزراعية الخضراء، والتي تقع على أطراف بلدة صحنايا في الريف الغربي للعاصمة السورية دمشق. [br/] إنه "اثنين الراهب"، أول أيام الصوم الكبير لدى طائفة الروم الأرثوذكس المسيحية، والذي يستقبله المسيحيون في سوريا بطقوس احتفالية متنوعة، لعلّ أكثرها تميزاً تلك التي تشهدها بعض مناطق ريف العاصمة.
يعود تاريخ وجود المسيحيين في ريف دمشق لمئات الأعوام، في غوطتي دمشق الشرقية والغربية، وعلى الأخص ببلدات محددة منها صحنايا وقطنا وداريا وعربين. ومنذ بداية تواجدهم في المنطقة اعتادوا الاحتفال باثنين الراهب بالطريقة نفسها، وعملوا حتى اليوم للحفاظ على هذا الطقس المميز.
يستخدم طائفة الروم الأرثوذكس المسيحية في غوطة دمشق المجدرة لتزيين احتفال "اثنين الراهب"، ويعود ذلك لرمزية مكوناتها، فالقمح بالنسبة للمسيحيين نبات مقدس، وهو الخبز الذي باركه السيد المسيح
[br/] تصل العائلة إلى المزار الذي يقع إلى جانب كنيسة البلدة، ويمتلئ في مثل هذا اليوم من كل عام بمئات المحتلفين ببداية الصوم والذي يتزامن على الأغلب مع اقتراب فصل الربيع. هو إذاً موسم روحي وفصل جديد لا يشترك باستقباله مسيحيو البلدة فقط، وإنما ساكنوها من كافة الأديان مسيحيين ومسلمين، وحتى قادمون من بلدات مجاورة ومن العاصمة دمشق أيضاً. [br/] لم تتأخر لمياء وأولادها كثيراً بالوصول، فالساعة بالكاد تبلغ الثانية عشرة ظهراً، لكن عشرات العائلات سبقوهم واختارت كل عائلة مكاناً لتضع فيه طاولتها وكراسيها وأغراضها، على الأغلب في مكان تصله أشعة الشمس الربيعية، والتي اشتاق لها السوريون بعد فصل شتاء طويل وبارد لم يحظوا فيه بالكثير من الدفء بسبب ما تعيشه البلاد من أزمات اقتصادية وخدمية بعد سنوات من الحرب. تختار السيدة الأربعينية مكاناً ملائماً، وتبدأ بترتيب ما أحضرته: طبخة "المجدّرة" السورية النباتية التي تتكون من البرغل والعدس المطبوخَين، وبعض السلطة، إضافة لأنواع من الخضراوات الطازجة كالفليفلة والنعنع، وأصنافاً مختلفة من المخلل. أما الحلويات، وهي عبارة عن مربى النارنج، فتبقى مغلّفة حتى نهاية الطقس الاحتفالي، لتكون بمثابة الخاتمة. "إنه يوم المجدرة بامتياز، وكل الأطعمة الأخرى مجرد تفاصيل"، تقول لمياء ضاحكة. وبحلول الساعة الواحدة، يكتظ المكان بالحضور ومنهم من حصل على إجازة من عمله للقدوم، ويهرع العاملون بالكنيسة والجمعيات الخيرية في البلدة إلى إحضار أطباق كبيرة من المجدرة وسلطة الخضراوات، ووضعها على طاولات متجاورة. وبحضور الكهنة والمسؤولين الدينيين، يبدأ الاحتفال بمباركة الأطعمة، وترتفع الأصوات متبادلة التهاني والأمنيات بموسم جديد خيّر، ثم يبدأ توزيع الطعام على الجميع، ويمتد الطقس لعدة ساعات حتى حلول المساء وعودة الجميع لمنازلهم.

عودة إلى الطبيعة

في الدين المسيحي أكثر من مناسبة ترتبط بطقوس الصوم، ومنها عيد الفصح أو قيامة المسيح، وعيد ميلاد المسيح، وعيد انتقال السيدة العذراء. ويعتبر صوم عيد الفصح أطول هذه الفترات ويطلق عليه اسم "الصوم الكبير" ويمتد على سبعة أسابيع تسبق العيد، وتعتبر تذكيراً بانقطاع المسيح عن الطعام في الصحراء، مما يحمل رمزية تتمثل في ضرورة الجهاد لتطهير النفس من الخطايا. وخلال فترة الصوم، ينقطع الصائم عن الطعام والشراب لمدة اثنتي عشرة ساعة من منتصف الليل وحتى ظهر اليوم الثاني، ويكمل ما تبقى من يومه متناولاً أطعمة نباتية فقط وخالية من أية مشتقات حيوانية. هذا التقشف يدفع الصائم وفق المعتقدات المسيحية للعيش بسلام مجدداً مع الطبيعة، والاقتصار على ما منحه إياه الله من ثمار ونباتات دون اللجوء لذبح الحيوانات أو تناول منتجاتها. كما يساهم الطعام النباتي الغني بالمواد المغذية بتزويد الجسم بالطاقة اللازمة له دون الشعور بالضغط الذي تولّده الأطعمة الحيوانية الأكثر دسامة. [br/] ويبدأ الصوم الكبير يوم اثنين وتُطلق عليه تسمية "اثنين الراهب". تعود أصول التسمية إلى خروج الرهبان من الأديرة في هذا اليوم وتجولهم بين المدن والقرى والبلدات المحيطة لإلقاء العظات على الناس وحثّهم على الصوم بتبيان فوائده للجسم والعقل معاً. وفي الوقت ذاته يخرج الناس بطقوس من ضمنها احتفالية "المجدّرة"، والتي ترمز في الوقت نفسه لاحتفاء الناس بقدوم الرهبان وبلقاء بعضهم البعض، وأيضاً رغبتهم بالتشبه بحياة التقشف التي يعيشها رجال الدين خلال فترة الصوم. بذلك تبدو الاحتفالية وكأنها إعلان عن بدء نمط جديد للحياة، وإن كان مؤقتاً. أما اختيار "المجدّرة" لتزيين هذا اليوم فيعود أولاً لرمزية مكوناتها، فالقمح بالنسبة للمسيحيين نبات مقدس، وهو الخبز الذي باركه السيد المسيح؛ وثانياً لقيمتها الغذائية العالية، خاصة مع وجود العدس ضمن مكوناتها، مما يعطي الجسد طاقة وحيوية. 

ما بعد الحرب ليس كما قبلها

يعود تاريخ وجود المسيحيين في ريف دمشق لمئات الأعوام، حيث ينتشرون في غوطتي دمشق الشرقية والغربية، وعلى الأخص ببلدات محددة منها صحنايا وقطنا وداريا وعربين. ومنذ بداية تواجدهم في المنطقة اعتادوا الاحتفال باثنين الراهب بالطريقة نفسها، وعملوا حتى اليوم للحفاظ على هذا الطقس المميز. "لا يمكنني أن أتذكر عاماً دون اثنين المجدرة"، يقول أبو جوني وهو رجل ستيني جاء مع عائلته للاحتفال في أرض المزار. "منذ طفولتي اعتدنا الخروج بهذا اليوم إلى مزارع الزيتون التي تشتهر بها بلدتنا، ويتذكر أبي وجدّي بدورهما استمرار هذه العادة منذ عشرات بل مئات السنين الماضية". الاحتفال دون شك لم يبقَ بمنأى عن تغيرات طالت شكل الحياة في البلدة، سواء فيما يتعلق بتبدّل طبيعة الحقول والأبنية فيها، أو بتحوّل العلاقات الاجتماعية خاصة خلال سنوات الحرب التي تعيشها سوريا منذ العام 2011. [br/] "كان عدد أشجار الزيتون هنا فيما مضى أكبر من عدد الأبنية والسكان، وكنا نستمتع بمساحات شاسعة من الأراضي الخضراء الممتدة على طول الأفق"، يشرح الرجل مضيفاً: "لكن التوسع العمراني في العقود الماضية أكل من تلك الحقول ما أكل، وبقيت لنا بعض الأراضي المحدودة والتي نعتبرها متنفساً لنا خاصة في فصلي الربيع والصيف، ومقصداً أساسياً في احتفالية اثنين الراهب". وعند ذكر الحرب ومن غيّبتهم بين قتيل ومهجّر وغائب، يغصّ أبو جوني قبل أن يقول: "هل يمكن أن ندعو هذا الحشد ازدحاماً؟ إنه أقل من نصف العدد الذي اعتاد المجيء للاحتفال بطقس المجدّرة قبل الحرب. آلاف العائلات فقدت أفرادها أو تشرّدت، وإن كان لي أن أذكر أمراً إيجابياً واحداً للحرب، فهو أنها جعلتنا أقرب إلى بعض، وأكثر تشبثاً بأرضنا وتقاليدنا، وبعلاقاتنا الاجتماعية أيضاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard