هل عاد "الربيع العربي"؟

الثلاثاء 12 مارس 201908:08 م

في مقال نشرته مجلة فورين بوليسي في الثامن من مارس، بعنوان "الربيع العربي لم ينتهِ بعد"، كتب عبد الرحمن منصور أن "روح الربيع العربي لا تزال مستمرة كما أظهرت الاحتجاجات الكبيرة في الجزائر والسودان".

برأي الشاب المصري الذي شارك عبر صفحة "كلنا خالد سعيد" على فيسبوك في الدعوة إلى تظاهرات 25 يناير، "يواصل العرب البناء على الموجة الأولى من الانتفاضات العربية في 2011"، و"ظهور موجات جديدة من الاحتجاجات كل بضعة أشهر، يثبت أن هذا الحراك الشعبي الذي بدأ قبل ثماني سنوات لا يزال ملتهباً، ولن ينتهي قريباً".

تقييم منصور ليس معزولاً. أعادت تظاهرات السودانيين والجزائريين الحماسة إلى بعض الشباب العربي الحالم، فأعلنوا أن "الربيع العربي" مستمرّ، بدلالة عدم قدرة الأنظمة العربية التسلطية على منع خروج تظاهرات شهدت رفع متظاهرين مجدداً لشعار "يسقط النظام".   فهل فعلاً عاد "الربيع العربي"؟. يحلو للكثيرين قول ذلك، فلا مجال لتصريف فائض الشعور بالعجز، وهو للأسف واقع معظم الشباب العرب، إلا من خلال التعلّق بشعارات فضفاضة يمكن تحميلها كل الأماني والرغبات. ومفهوم "الربيع العربي" بات كثيرون يستخدمونه كما يستخدم "التديّن الشعبي" مفهوم الدين: كل شيء جيّد والخاتمة سعيدة.

يُنذر التمادي في استسهال قراءة مرحلة مهمة وأساسية في التاريخ المعاصر للبلاد العربية بعدم فهم ما حصل بين عامي 2011 و2013، وبالتالي بعدم إمكانية الاستفادة من دروس التجربة التي تشاركتها دول عربية عدّة، خاصةً حين يجري المزج بين الاحتجاجات الشعبية وبين موروث يساري حاضر في تفكير كثيرين ومؤدّاه أن المستقبل دائماً أفضل من الماضي.

نقطة بداية... ما هو "الربيع العربي"؟

لا يرتبط الربيع العربي بفكرة خروج احتجاجات شعبية. هذه أمور حصلت قبله وحصلت بعده وستظل تحصل طالما بقيت الأسباب المؤدية إلى إثارة امتعاض شرائح كبيرة أو صغيرة من المواطنين.

وفي الوقت نفسه يرتبط بخروج تظاهرات شعبية واسعة تطالب بالحرية والكرامة الإنسانية ويصل بعض المشاركين فيها إلى المناداة بـ"إسقاط النظام".

ولكن، هل حصول ذلك لوحده كافٍ للحديث عن استمرارية، وعن سياق واحد؟

من خصائص "الربيع العربي" أنه "عربي". تمحورت مطالب المتظاهرين حول قضايا وطنية غير عابرة للحدود، لكن "الربيع العربي" لم يكن ظاهرة محلية بل كان تياراً اعتراضياً قابلاً للتمدد وتخطي الحدود ليضرب أنظمة عربية مختلفة، أي كان يمتلك "تأثير الدومينو"، بحسب المصطلح لذي شاع استخدامه.

وبالفعل فإن سقوط حجر زين العابدين بن علي في تونس انتقل أثره بقوة إلى مصر وليبيا وسوريا واليمن والبحرين، مع أثر أضعف إلى المغرب ولبنان...

ومن خصائص "الربيع العربي"، وهذا مرتبط بأسباب فشله، أنه كان حالماً بدون واقعية، ولم يميّز المشاركون فيه بين الشعارات العامة المطاطية التي يمكن كتابتها على فيسبوك وتويتر وبين آليات العمل السياسي في العالم الواقعي، إذ شاع ميل طفولي إلى توقّع التغيير إلى الأفضل على كل المستويات بدون رؤى جديدة وبدون برامج سياسية وبدون قيادات مستعدّة لتسلّم السلطة، وهذا من شروط الثورات.

تجمّع الساعون إلى التغيير حول مطالب هلامية إلى حد بعيد، ما سمح بتشارك الساحات بين الإخوان المسلمين والتروتسكيين. وبرز واضحاً غياب الفهم لطبيعة منظومات السلطات المستبدّة والفاسدة، وهو ما عبّر عنه بعد فترة وجيزة "وباء" استخدام مصطلح "الدولة العميقة"، وهو مصطلح يمتلك قدرة على تفسير الواقع بقدر امتلاكه قدرة مضادة على التعمية على الأمور.

دروس الربيع العربي

بسبب تأثير الدومينو الذي امتلكه "الربيع العربي"، خافت الأنظمة العربية من وصول الدور إليها وتكاتفت بالتعاون مع أنظمة إقليمية غير عربية على وأده، حتى ولو كانت منطلقات الأطراف المختلفة متناقضة، فكانت الحرب الشعواء التي شنّها النظام السوري على مواطنيه، وتدخّل قوات درع الجزيرة في البحرين، والتدخل الإقليمي الذي قاد مسارات ليبيا واليمن إلى فوضى، وثورة الجيش المصري وعبد الفتاح السيسي المضادة، أحداثاً فصلت بين زمانين: زمن الحلم وزمن الواقع. ظروف كثيرة تغيّرت منذ ذلك الوقت. مشكلة الاختيار بين الإسلام والمدنية التي ميّعتها شعارات "الربيع العربي" الفضفاضة بشكل ساعد على تحالف الإخوان المسلمين والقوميين واليساريين ضد مرشّح "النظام القديم" في مصر عام 2012، عادت حالياً إلى البروز وصارت على أجندات كل الشعوب، وهذا لوحده يستطيع إحداث فارق أساسي يدفع إلى التمييز بين مرحلتين.

عدا ذلك، تبيّن لمَن يرغب في قراءة مرحلة أساسية من تاريخنا المعاصر أن رأس النظام ليس هو الحاكم الفعلي، بمعنى أن أية منظومة استبدادية لا تسقط بسقوطه، وأن هناك أدواراً كبيرة تلعبها مؤسسات الجيش في السلطة، وأن الأكلاف التي تترتب على "مخاض التغيير" ترفض الشريحة الأوسع من المواطنين العرب تحمّلها، ما يُعيد النقاش القديم حول مدى ارتباط نجاح ثورة ما بوجود طبقة متوسطة واسعة.

كما تبيّن أن القوى والمجموعات الراغبة في التغيير مختلفة بشكل كبير في تصوّراتها حول معنى المستقبل الأفضل، واتضح ذلك فور محاولة تطوير الشعارات الفضفاضة إلى مطالب ملموسة.

وتبيّن أيضاً أن هناك هوّة هائلة تفصل الناطقين باسم مطالب الثوار وبين الشعب، إلا في حالة الإخوان المسلمين الذين يمتلكون مجتمعات خاصة داخل المجتمعات العربية الأوسع، ما يجعلنا أمام جمهور واسع رغباته غير محددة ومتبدّلة وبالتالي يسهل تحكّم الأقوياء به.

في مجتمعات عربية مفككة وتشهد انقسامات حول خطوط صدع طائفية وقبلية، تمتلك الجيوش صورة الطرف المحايد والحَكَم، وهو الدور الذي لا يجب أن تلعبه إلا الدساتير في الأنظمة الديمقراطية، وهذا ما يجب أن يتنبّه له أي توّاق إلى التغيير
هل فعلاً أعادت تظاهرات السودانيين والجزائريين "الربيع العربي"؟ يحلو للكثيرين قول ذلك، فلا مجال لتصريف فائض الشعور بالعجز، وهو للأسف واقع معظم الشباب العرب، إلا من خلال التعلق بشعارات فضفاضة يمكن تحميلها كل الأماني والرغبات

ماذا يجري الآن؟

في 19 ديسمبر 2018، انطلقت تظاهرات شعبية في مدن سودانية، على خلفية ارتفاع أسعار السلع الأساسية، سرعان ما تمددت لتعترض على تردّي أحوال البلد على كافة المستويات، ولا تزال مستمرة وتطرح تنحّي الرئيس السوداني عمر البشير عن الحكم.

وبعدها بحوالي شهرين، وبالتحديد في 22 فبراير الماضي، بدأت تظاهرات الجزائريين الرافضة لـ"العهدة الخامسة"، واتسعت دائرة المشاركين فيها، وأسفرت عن إعلان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في 11 مارس سحب ترشحه للانتخابات الرئاسية القادمة.

أعادت تحركات الجزائريين، وخاصة بعد تحقيقها النصر الرمزي المذكور، إحياء فكرة "الربيع العربي" في أذهان بعض الحالمين، فرأوا فيها استمرارية لمسار يعتقدون أن خاتمته، أكانت قريبة أو بعيدة، ستكون ولادة أنظمة تبزغ في ظلها "المدن الفاضلة" الموجودة في رؤوسهم.

وكانت تحركات السودانيين قد بدأت تحيي نفس الفكرة، ولكن بخجل وتحفّظ، رغم أن مطالب القوى الناطقة باسم المتظاهرين السودانيين أكثر وعياً من نظيرتها الجزائرية وأكثر استفادة من خبرات فشل ثورات "الربيع العربي"، فهي على الأقل لا تميّز بين البشير وبين الجيش في منظومة الحكم.

في الجزائر، يعيدنا ما يحدث إلى نقطة لم يتنبّه إليها كثيرون في السنوات السابقة. يثق الشعب الجزائري بالجيش بنسبة عالية جداً، ما يحوّل هذه المؤسسة إلى اللاعب الأقدر على التحكم بمستقبل الأمور وهو ما ستظهر نتائجه قريباً خلال النقاشات التي ستشهدها "المرحلة الانتقالية" التي ستسبق تحديد موعد جديد للانتخابات الرئاسية.

في مجتمعات عربية مفككة وتشهد انقسامات حول خطوط صدع طائفية وقبلية، تمتلك المؤسسات العسكرية صورة الطرف المحايد والحَكَم، وهو الدور الذي لا يجب أن تلعبه إلا الدساتير في الأنظمة الديمقراطية، وهذا ما يجب أن يتنبّه إليه أي توّاق إلى التغيير.

يعود شعار "الجيش والشعب إيد واحدة" إلى الميادين العربية بنسخته الجزائرية ("الجيش والشعب خاوة خاوة")، ليؤكد أن أخطاء التجربة المصرية تتكرر بصورة أقرب إلى "المهزلة" منها إلى الحديث عن عودة "الربيع العربي".

يبقى من "الربيع العربي" وضوح وشيوع فكرة عدم مقبولية الأنظمة القديمة، والجزم بعدم قدرتها على تحقيق الحرية والمشاركة السياسية والتنمية الاقتصادية، وهي فكرة موجودة أساساً منذ هزيمة الفكرة القومية بعد حرب 1967، ويبقى منه أن الأسئلة الكبرى فُتحت مع اكتساب طرحها بعداً شعبياً لا فقط نخبوياً، إلا أن حدوث التغيير يتطلب ولادة قوى تحمل أجوبة وتصوّرات.

حينذاك، وفقط حينذاك، قد تبدأ مرحلة تغييرية جديدة أكثر وعياً من مرحلة "الربيع العربي"، ولا يهمّ لو أصرّ البعض على ربطها به من باب النوستالجيا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard