التعقيم والتبني للقطط والكلاب: حل توافقي بين حقوق الحيوان والتعاليم الدينية

الجمعة 15 مارس 201902:20 م
كثيراً ما ينشر مربّو الحيوانات الأليفة صوراً لقططهم وكلابهم على الإنترنت، بحثاً عن زوج مناسب للتكاثر، خاصّة في فترة شهر شباط/فبراير، وهو موسم التزاوج الأشهر للقطط، رغم أنها قادرة على الحمل والإنجاب على مدار العام. في ذات الوقت وعلى ذات الموقع، ينشر آخرون صوراً لقطط وكلاب للتبنّي، أي لوهبها مجّاناً، إما لأنهم أنقذوها من الشارع ولا يستطيعون إبقاءها عندهم، أو لأنهم لم يعودوا قادرين على الاحتفاظ بها، أو لأنها أنجبت الكثير من الصغار في سنة واحدة، ولا يستطيع الشخص تحمّل أعباء الاعتناء بكلّ هذه الأرواح، فيبحث عمن يرغب باقتنائها. وعلى صفحة أُخرى، هنالك فيديوهات لقطط وكلاب صغيرة، تم إنتاجها بهدف بيعها، وإلى حين حصول ذلك، يتم وضعها في أقفاص صغيرة دون رعاية مناسبة. المأوى لم يعد يحتمل كل تلك القطط والكلاب التي لا يتبناها أحد، وعليه مستحقات وفواتير طعام وعلاجات لم تسدّد، فيضع نداء عاجلاً وأخيراً على الإنترنت يحدّد مهلة قصيرة لمن يودّ منح فرصة حياة لهذا القط الحزين أو ذلك الكلب المسكين الموجود لديهم، وإلا سيكون مصير الحيوان "القتل الرحيم"، لأن المأوى غير قادر على تحمل المزيد من أعباء الحيوانات التي تكاثرت ولم تجد طريقاً للتبني. هذه هي الصورة الكاملة لدائرة تكاثر القطط والكلاب حول العالم، عرض كبير وطلب قليل، ففائض عن الحاجة مصيره المعاناة أو الموت بشتى الطرق. ولتجنب هذه النتيجة، يبدو أن أفضل الحلول وأكثرها رحمة هو تقليص تكاثر القطط والكلاب عن طريق "تعقيمها" (جعلها عقيمة) وإخصاء ذكورها. ومثل كثير من محبّي الحيوانات، وقبل أن نتعرّف على المعاناة الحقيقيّة عن تجربة، نكون عادةً رافضين لهذا الإجراء لأن الأصل بقاء الأعضاء كاملة، لكن عندما نقرأ أكثر وننخرط فعلياً في المشهد الكامل لدورة إنقاذ ومساعدة القطط أو الكلاب المشرّدة أو المريضة أو المهملة أو التائهة من لحظة إيجادها بحالة مزرية وصولاً إلى الطبيب البيطري والاهتمام بها إلى حين إيجاد متبنٍ إن وُجد، نصبح مقتنعين بأهمية التعقيم مثل كل الأطباء البيطريين والناشطين بجمعيات الرفق بالحيوان حول العالم، التي توصي بتعقيمها، لعدّة أسباب نشرحها هنا.

من الاعتقادات الخاطئة القول بتحريم التعقيم

أول منطقة في العالم استأنست فيها القطط هي العالم العربي، حدث ذلك منذ آلاف السنين في علاقة نفعيّة تبادليّة، بحيث يسمح لها البشر بالبقاء في بيئة إنسانيّة (المدينة/القرية) أقلّ خطورة عليها مقابل صيد الفئران التي تهدّد مخازن المحاصيل الزراعيّة للبشر، وتدريجيّاً، ازداد اعتماد القطط على البشر، وازدادت حاجة البشر إليها، حتى أصبحت القطط الآن الحيوانات الأكثر انتشاراً، وعددها يُقدّر بـ600 مليون قطة. لكن مع العصر الحديث تغيّر هدف الإنسان من اقتناء القطط في البيوت، ولم تعد مهمة القطط اصطياد الفئران إنما أصبحت العلاقة قائمة على الأنس والصحبة، فازداد عمرها المتوقع في البيئات المُستأنسة، وبالتالي ازداد تكاثرها أضعافاً مضاعفة. وهكذا مع تقدّم الزمن قلّت الحاجة للقطط وازداد توسع الإنسان في بيئتها الأصليّة، كالحقول والبساتين والغابات، فلا هو قادر على الاعتناء بما تنتجه من صغار سنوياً في المدن والقرى، ولا هو قادر على إعادتها إلى بيئتها الأصليّة لأنه احتلّها بالعمران. عدا عن عدم قدرة القطط المستأنسة على كسب قوتها عندما يتمّ تسريبها إلى الأماكن العامة وهي بيئة قاسية جداً عليها، ولعلها أقسى على الكلاب، فتراها تجوب الشوارع والمكبّات منهكة بحثاً عن فتات، فتقوم بعض البلديات حول العالم، بوضع خطط لقتلها والتقليل من أعدادها، كأستراليا التي تسعى لقتل 200 مليون قطة بحلول عام 2020. بينما يقوم فاعلو الخير من الأفراد والجمعيات الحقوقيّة بأخذها من الشارع وتعقيمها ثم عرضها للتبني أو إعادتها إلى ذات المكان الذي وُجدت فيه، بحيث تعيش من دون التسبب بمعاناة إضافية للصغار المتوقعين في حال التوالد، وهذا الإجراء لن يتسبّب بانقراضها، لأن أعدادها كبيرة على الكوكب ولن تحظى جميعها بالتعقيم بطبيعة الحال. هذه الخطة تدعى TRN أو "trap/neuter/release"، وهي من أفضل الحلول للمدن وللقطط. مثلما أن الإنسان مسؤول عن إكثار نسل الحيوانات المهدّدة بالإنقراض، فإن عليه تقليص نسل الحيوانات التي تكاثرت فوق الحاجة، ولمن يتبع المنظومة الأخلاقية الدينية، تجدر الإشارة إى أنّ هذه المسؤوليات تقع ضمن المفهوم القرآني لخلافة الإنسان على الأرض وتدبيره لشؤون باقي الكائنات. ومن الاعتقادات الخاطئة والشائعة بين الناس القول بتحريم التعقيم، وهذا غير صحيح، فلأن الأمر متروك لتقدير المنافع والأضرار، لذلك قال معظم الفقهاء بجوازها، ومن ذلك ما ورد في أهم مصادر الفقه الحنفي منذ مئات السنين: "إخصاء السنّور (القط) لا بأس به إذا كان فيه منفعة أو دفع ضرره"، وهذا رأي الكثير من الفقهاء المعاصرين منهم الدكتور سعد الدين الهلالي والشيخ عدنان عبد القادر وغيرهم.

فوائد تعقيم القطط والكلاب

القاعدة الأساسيّة في التقييم الأخلاقي لأي فعل، والمقرّرة في الفقه الإسلامي كذلك هي جلب المنافع ودرء المفاسد، أو مراعاة المصلحة ودفع الضرر، واختيار "أخفّ الضررين" عند وجود أمرين غير محبّذين لكن لا بد من اختيار أحدهما، وفي حالة القطط والكلاب، فالأضرار الناتجة عن عدم إخصائها كثيرة جداً لها وللبشر وللجراء القادمة، وأعلاها كما ذكرنا التكاثر العشوائي والتسبب بمعاناة لصغار القطط والكلاب وتعريضها لخطر الهلاك – عن قصد أو عن غير قصد- لأن القطة قادرة على الحمل مرّتين إلى ثلاث مرّات في السنة، وفي كل مرّة تنجب أربع أو خمس قطط، وهي تعيش حوالي 15 سنة، أي أنها قادرة مبدئياً على أن تنجب في حياتها ما يزيد عن 120 قطة! أما الكلاب، ففي العالم اليوم ما يزيد على 200 مليون كلب مشرد، كلها معرضة للأذى والظروف الصعبة والموت. ونسبة كبيرة منهم يموتون في الصغر، أو يموتون أثناء البحث عن تأمين مكان لهم أو حمايتهم وإطعامهم، بينما يقوم مربو القطط والكلاب غير المعقّمة بعرضها للتبني أو بعرض صغارها للتبني كلما أنجبت وهكذا دواليك إلى أن يفيض العدد فتتسرّب إلى الشارع في نهاية المطاف. وعدا عن فائدة التعقيم بإيقاف هذه الدورة من العذاب، للعملية فوائد أخرى للذكور والإناث على حدٍ سواء، منها التوقف عن محاولة الهروب من المنزل وما يتبعها من مخاطر من أجل التزاوج، كما يزداد عمر القطط والكلاب المعقمة بالمقارنة مع غير المعقمة، أما بالنسبة للفوائد الخاصّة بإخصاء الذكور فهي تقليص نسبة إصابتها بسرطان الخصية والبروستات، وتوقفها عن رش البول في الأماكن غير المحبذة في المنزل، وهو السلوك المتبع عند طلب التزاوج، من أجل جذب الإناث وتحديد مناطق السيطرة، كما يصبح الذكر أقلّ عدوانية، ويبتعد عن المشاجرة مع الذكور الآخرين. وأما بالنسبة للفوائد الخاصة بتعقيم الإناث فهي التوقف عن المواء المستمرّ والمزعج للناس خاصّة ليلاً، فالمعروف أن أنثى القط هي الأكثر شبقيّة بين جميع فصائل الحيوانات، في محاولة لجذب الذكور، كذلك تحمي العملية من الإصابة بسرطانات الجهاز التناسلي والثدي والذي تكون إصابته مميتة غالباً عند إناث القطط والكلاب.
لماذا يوصي كل الأطباء البيطريين والناشطين بجمعيات الرفق بالحيوان حول العالم بتعقيم القطط والكلاب بتبنيها بدل شرائها؟
مثلما أن الإنسان مسؤول عن إكثار الحيوانات المهدّدة بالإنقراض، فإن عليه تقليص نسل الحيوانات التي تكاثرت فوق الحاجة، ولمن يتبع منظومة أخلاقية دينية، تجدر الإشارة إى أنّ هذه المسؤوليات تقع ضمن المفهوم القرآني لخلافة الإنسان على الأرض وتدبيره لشؤون باقي الكائنات.

لا إيلام للحيوان

يخشى البعض من إيلام الحيوان في هذه العملية، وإيلام الحيوان مُحرّم أخلاقيّاً ودينيّاَ، باستثناء أن يكون ذبحاً لحيوانات محدّدة بقصد أكل لحومها، في التبرير الديني، ولذلك قال الإمام أحمد بن حنبل: "لا يعجبني للرجل أن يخصي شيئاً، وإنما كُره ذلك للنهي الوارد عن إيلام الحيوان". وهذا حق لأنه في عصرهم لم يكن هنالك غالباً مخدّر مناسب لهذه العلميات، أما الآن، فالذي يُفترض أن يقوم بالعملية هو طبيب بيطري مختصّ، ويتبع شروطاً محدّدة قبل وأثناء وبعد العملية، مثل اشتراط بلوغ القط، وإعطاء القط مخدّر أثناء العملية، تماماً كالعمليات الجراحيّة البشريّة. بالإضافة إلى إعطاء الطبيب لصاحب الحيوان تعليمات محدّدة يجب اتباعها قبل وبعد العملية من أجل تفادي أية مضاعفات، ولذلك أفتى ابن عثيمين: "إذا كانت العملية لا تؤذها فلا حرج، لأن هذا أولى من قتلها (قتل صغارها) بعد خلقها"، وينبغي التنبيه إلى أن اللجوء إلى حقن منع الحمل المؤقتة بدل التعقيم هو جناية على الحيوان لأنها قد تتسبّب له بمضاعفات صحيّة ونفسيّة بالغة الخطورة، ولا بديل عن التعقيم. 

منطق الطبيعة

يحاجج البعض بفكرة أن الحيوان يجب أن يختبر تجارب وأحاسيس كالأبوّة والأمومة، وفي حوار لرصيف22 مع الدكتور البيطري علاء شحادة حول هذه النقطة، أوضح أن هذه الظاهرة تسمى "أنسنة" أي إسقاط صفات الإنسان على الحيوان، مع أن الحيوان لا يحلم بتكوين عائلة ولا بنمط الحياة الذي يتشكّل بتأثير من الثقافة الاجتماعيّة عند البشر. وأضاف أن " التزاوج والحمل يحدث عند القطط بسبب الهرمونات التي تنشط في هذه الفترة المحدّدة، فتطلب التزاوج من دون أن تختاره، وحينما تنجب تهتمّ بأطفالها بفعل الغريزة ولم تكن تتمنى وجودهم قبل أن تحمل بهم، وبالتالي فهي تستجيب لهرموناتها وليس للذة تختارها، وحينما يتمّ إزالة الأعضاء المعنية وتتوقف هذه الهرمونات، لا يوجد أي دليل على إدراكها لفقدان تجربة محددة". بل إن تجربة فقدان أو خسارة الأم لأحد صغارها، وهذا أمر متوقّع الحدوث، هو أقسى عليها من عدم المرور بأي تجربة أخرى.

التبني بدل الشراء

من أقبح مساوىء تكاثر القطط والكلاب هو استغلالها تجارياً حول العالم، فهذه الأقفاص الصغيرة لدى المحلات تخفي وراءها قصصاً مؤلمة، إذ تولد عادةً فيما يُعرف بـ"مصنع القطط" أو "مزارع الكلاب"، حيث يُحبس عدد كبير من القطط أو الكلاب في غرف أو صناديق صغيرة كالسجون من دون مراعاة أية شروط صحيّة أو أخلاقيّة، ويتمّ إجبارها على التزاوج مع سلالات محدّدة من أجل توفير صغار من هذه السلالة تحديداً وفق طلبيات الشراء. ولذلك، يشجّع الناشطون وكل جمعيات الرفق بالحيوان على اتخاذ خطوات قانونية ضد هذه الممارسات، كما يدعوننا لاختيار التعقيم والتبني بدل الشراء، من أجل إنقاذ الحيوانات المهملة الموجودة في المأوى أو لدى الأفراد أو في الشارع، والامتناع عن دعم تجارة الحيوانات لأنها سبب رئيسي في إيذائهم، وإذا توقف الشراء، فستتوقف هذه التجارة وما ينجم عنها من مأسي. وهذا يتوافق مع الموقف الإسلامي القائل بتحريم تجارة القطط والكلاب، فقد "نهى رسول الله – وفي لفظ آخر زجر- عن ثمن الكلب والسنّور (القط)"، على أن يكون الاستحواذ عليها فقط عن طريق الإيجاد أو "الإهداء" (التبنّي بالمفهوم الحديث)، ولا نعلم السبب الحقيقي لهذا المنع في ذاك الزمان، لكنه بلا شك رأي متقدّم جداً وسابق لعصره ومناسب للمشكلة الحالية، إلا أنه غير معمول به في الدول العربيّة والإسلاميّة، بينما أصدرت كاليفورنيا وبريطانيا قوانين تمنع بيع الحيوانات في المحلات التي تُنتج من هذه المزارع والمصانع، مراعاةً لحقوق الحيوان وتشجيعاً للتبني. ولا يفوتنا التذكير أن هنالك عيادات حكومية بيطريّة في بعض الدول العربيّة تقوم بالتعقيم والإخصاء والمعالجة بشكل مجّاني أو شبه مجّاني، وعيادات أُخرى تقدّم خصومات في مواسم محدّدة، بالإضافة إلى جمعيات الرفق بالحيوان الموجودة في كل دولة عربيّة والتي تعرض الحيوانات للتبني بدل الشراء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard