أحلامٌ تقرّر المصائر.. أهي موروث أسطوريّ أم خرافة أم علم؟

الخميس 14 مارس 201912:08 م
تخرّجتْ من كلية "التربية الرياضية"، تزوّجتْ، عاشتْ مع زوجها حياة عادية، دون مشكلات تعكّر صفوها كثيرًا، أو نيّة في الطلاق، حتى رأت رؤيا، حَلُمت أنّ سرير زواجها انقسم إلى نصفين، يفصل بينهما منضدة. استيقظت هالة متوترة، وشعرت أنّ هناك رسالة في الحلم. بعد فترة قصيرة، ظهرت لهالة السيد (اسم مستعار، 44 عامًا)، مشكلاتٌ بينها و زوجها، صلّت صلاة الاستخارة لتساعدها في القرار، وبعد الصلاة، رأت حُلمًا أثّر عليها. تقول هالة لـ"رصيف22": "رأيتُ أنني أرتدي ملابس السباحة وأسير في الشارع، وأحاول إقناع زوجي أن أرتدي شيئاً آخر، لكنه صمّم أن أسير شبه عارية". لجأتْ هالة إلى الطلاق إثر الحلم، لشعورها أنه علامة لعدم اهتمامِه بها، وافتقادها للأمان والخصوصية في حياتها الزوجية، لكنّه كما تقول كان أكثر من ذلك؛ تضيف: "كان نبوءة؛ حرَص طليقي أن يجرّدني من كلِّ حقوقي ليتمّم الطلاق، لأخرج من هذه العلاقة دون أيّ شيء". يترسّب في وعينا الجمعي منذ الأزل الإيمان بالأحلام، فما نراه في نومنا قد يكون بشائرَ و نُذُراً، أو رسائل قادمة من طرف العالم الآخر أيًا كانت ماهيته، ومحاولة تفسير ما نرى خلال نومنا. هي هبة قدَّرتْها الأجيال المتعاقبة حتى زمننا الحالي، وتطوّرت لتصبح حرفة يكسب منها كثيرون رزقهم، خاصة في المجتمعات الشعبية والقروية. الحالمون في مصر.. إيمان عقائدي وتجربة حية يمتدّ أثر الأحلام على حياة بعض الحالمين، فيستعينون بها على قرارات الحياة المصيرية؛ بدءًا من اختيار شركائهم، والانفصال عنهم، والسفر، مروراً بالعمل، وحتى التواصل مع الراحلين من العائلة، فكيف يقرّرون عمدًا أنّ ما يرونه في عالم الخيال يمتلك شرعية على أرض الواقع؟ عندما تقدّم لخطبة هالة شخصٌ آخر، صلّت الاستخارة مجددًا، ثمّ بدأت في إجراءات الزواج، والسبب أنها رأت حلمًا، وجدتْ نفسها فيه في كوخ وسط الصحراء، ومعها دبّ أسود، يسدّ باب المخرج بجسده الضخم، وينظر لها دون حراك. حاولت هالة الهرب من النافذة، لكنها وجدتْ رمل الصحراء وكأنه موج عالي يهجم عليها، تقول: "أغلقتُ النافذة بسرعة، وبقيتُ وحيدة مع الدبّ، شعرتُ بأنني محاصرة. استيقظت من النوم مُقررة ألّا أتمّم الزواج". أما في زوجها الحالي، فقد حَلُمت هالة قبل زواجها أنها تفتح بابًا، خلفه حديقة جميلة، حينها اطمأنّت، ووافقت على الزواج. تشير هالة إلى أنها الآن أكثر يقينًا بأحلامها بسبب تاريخهما الطويل معًا، وتُضيف: "الأحلام بعد صلاة الاستخارة، صادقة دومًا، تشعرني أنني لست وحيدة في قراراتي، ولم أندم بسببِها، تأتي لتطمئنَني، أو تحذرني، لكن ما أراه دون استخارة قد يكون أضغاث أحلام، ولا أُفكّر فيه". في الديانات السماوية، ليست الأحلام مجرّد هلاوس بصرية تتراءى للنائم، بل لها ظهور فعّال، ولعلّ أشهر ما يعبّر عن تلك الفكرة قصة يوسف النبي مع الكواكب الساجدة له، وتفسيره لحلم فرعون أيضًا.
لجأتْ هالة إلى الطلاق إثر الحلم، لشعورها أنه علامة لعدم اهتمامِه بها، وافتقادها للأمان والخصوصية في حياتها الزوجية، لكنّه كما تقول كان نبوءة.
حلم منذ الصغر أنه يحمل مذياعًا، ويُسجّل حديثًا في الإذاعة. يقول أنس: "قررتُ دراسة الإعلام بسبب الحلم، لم أُفكّر في هذا التخصص من قبل، لكني أثق في أحلامي.
فهم بعض الأحلام، خاصة الأحلام الشهيرة التي يشترك فيها كلّ البشر بمختلف ثقافاتهم ولغاتهم، يعتمد على دراسة الرموز البشرية منذ القدم.
عقب صلاة الاستخارة، ينتظر المسلمون ظهور دلالةٍ ما تساعدهم على اختيار الأمر المراد البتّ فيه، يعتقدون أن الإشارة ستظهر غالبًا عبر حلم، رغم تأكيد عديدٍ من رجال الدّين أن الحلم لا يُعتد به في ذلك. كذلك، رؤية الرسول محمّد، هي رؤية تستوجب التصديق لا محالة، إذ يقال إن الشيطان لا يُتشبّه به. يختلف الأمر في المسيحية، فلا توجد صلاة خاصة يُطلب بها الدعم في اختيار القرارات ليُنتظر بعدها رؤيا تحمل الخبر، فأيّ صلاة يُطلب بها الإرشاد تفي بالغرض. ذُكر لفظُ حلم في أول أناجيل "العهد الجديد"، إنجيل متى، 6 مرات، تتحدّث كلّها عن  ظهور يسوع المسيح والوحي؛ ممّا يُظهر أهمية الأحلام للمتلقّين، وقدسية ما يظهر فيها. إيريني كامل (اسم مستعار، 32 عامًا)، طبيبة، وتعيش في إحدى محافظات صعيد مصر، كان قرار إنجابها لطفلة بسبب حلم، تقول ل"رصيف 22": "اتفقنا أنا وزوجي قبل الزواج ألَّا ننجب لثلاث سنوات، حتى تستقرّ أمورنا المادية. عادةً لا أولي أحلامي أهمية، لكنني حلمت بعد سنة من زواجي أن والدتي المتوفاة جالسة في منزلي، تُهدهِد مولوداً، ثمّ ناولتني إياه لأحمله". استيقظتْ إيريني، وهي لا تزال تشعر بآثار دفء جسد المولود على يديها، وتضيف: "أحسستُ أن أمّي تعطيني هدية، وتخبرني أن هذا هو الوقت المناسب للإنجاب، وكنّا في أيام صيام مقدّسة، لذا لم أشعر أنّ الأمر صدفة". أنجبت إيريني طفلة، تبلغ الآن 3 سنوات، وقرّرت مع زوجها تأجيل إنجاب مولود ثانٍ إلى إشعار آخر. لم أسافر للخليج بسبب حلم، وكان قراري صائبًا في تسعينيات القرن الماضي، عُرض على همام حسن (اسم مستعار)، وظيفة في إحدى دول الخليج، إلا أنه رفض بسبب حلم رآه وهو في العاشرة من عمره. يقول همام (50 عامًا)، يعمل موظفًا حكوميًا: "حلمتُ أنني سافرتُ لأدرس في المغرب. بعد ذلك عملت هناك في وظيفة مرموقة، لا أذكر ما هي. ثمّ عُدتُ إلى مصر لأتزوج، ثم عدنا إلى المغرب مرة أخرى. شعرت بالاستقرار والأمان. في الحلم كنت سعيدًا جدًا، ولذلك، رفضت عرض العمل". يسكن همام في قرية بمحافظة الفيوم، وحتى الآن لم يسافر إلى المغرب، ورغم أن قرارَه برفض عرض العمل بإحدى دول الخليج أثّر مادّيًا على حياته حتى الآن، إلا أنه لم يندم على ذلك، يقول: "من سافر إلى هناك لم يحقّق شيئًا كبيرًا، كما أنني حينها كان لديّ هدف آخر؛ أحببت قريبتي، وكنت أريد التواجد في مصر لنتزوّج وهو ما حدث. ربما لم أعمل في دولة الخليج براتبها المجزي، ولم أسافر إلى المغرب أيضًا، لكنّ تمسّكي بهذا الحلم وأملي في تحقّقه؛ كان سببًا في تحقيق أحلامي الأخرى". تكرر حلم همام عدّة مرات، منذ سنّ العاشرة، ويرى أن عقله الباطن هو سبب الحلم، لهوسِه بدول المغرب العربي، وبالطبع، أثّر ذلك على قراره بعدم سفره لدولة خليجية. واللافت أنه لا يرى ضيرًا في ذلك، ويضيف: "من الطبيعيّ أن يؤثر عقلنا الباطن على أحلامنا و قراراتنا؛ فالإنسان لا يأخذ قراراته فقط عن طريق عقله الظاهر(الواعي)، بل عقلنا الباطن له دور غير محسوس في  القرارات، شئنا أم أبينا، وأنا أتقبّل ذلك". أنس محيسن (28 عامًا)، من غزة، أثّرتُ أحلامه أيضًا على شخصيته، وحياته. حلم منذ الصغر أنه يحمل مذياعًا، ويُسجّل حديثًا في الإذاعة. يقول أنس: "قررتُ دراسة الإعلام بسبب الحلم، لم أُفكّر في هذا التخصص من قبل، لكني أثق في أحلامي، فهي غالبًا ما تتحقق، وشعرت أنها رسالة لتكرر الحلم أكثر من مرّة، وكانت قراراتي نتيجةً لها في حياتي اليومية". حجازي: يحلم المقهورون ليتعايشوا يعزو المفكر اللبناني وعالم النفس د.مصطفى حجازي في كتابه "التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور"، تأويل الناس للأحلام، وامتثالهم لها في حياتهم اليومية، إلى "سيطرة الخرافة" على "المصير"، ويشير إلى أنّ زيادة اليقين بها تعود إلى دمج تأويلها نفسيّاً ودينياً، فبحسب كتاب "تفسير الأحلام" لابن سيرين، تُعبّر الأحلام وفقًا لرمزيتها في القرآن، والسنّة، أو لسياقها وتباينها مع واقع الحالم، لذا يقول: "قناعة الجمهور بدلالة الرؤيا وقدرتها التنبّؤية لا يكاد يخالطها شكّ". يتفق د.عصام اللبّاد، طبيب الأمراض النفسية؛ مع د.حجازي ويقول: "التصرّف على أساس تأويلات الأحلام، ينتج عن غياب تفسير مشكلات وأحوال معقدة في حياة الشخص والجماعة، واستبدالها بالإيمان بحلول من الغيب تريح العقلَ والنفس بمجرّد الإشارة إلى طريقٍ ما، ويكون الحلُّ عبر الحلم أحيانًا أكثر راحة من البقاء في الحيرة". ولكن، لماذا يحبذ العلم إقصاء أحلام النوم عن التفسير العقلاني المرتبط بقراراتنا المصيرية؟ يعزو د.اللبّاد ذلك إلى أنّ الحلم الذي يحكيه الحالم ليس بالضرورة هو الحلم نفسه مثلما يقول عالم النفس المصري الشهير د.يحيى الرخاوي؛ يلخص د.اللبّاد رأي د.الرخاوي لنا قائلًا: "الحلم الذي نتذكره عندما نفيق هو تخليقنا له لحظة الاستيقاظ، وإعادة تركيبه بوعيٍ مختلط؛ فالحلم الناتج هو حوارٌ بين عدّة مستويات للوعي؛ كأنه كتابة سيناريو يقوم به مجموعة من كتاب السيناريو معًا، لا يعبر عن خبرة أيّ منهم دون الآخر". يرى د.اللبّاد أنّ إيمان الناس بالأحلام وتأويلاتها، خاصة المشهورة منها مثل؛ العثور على النفائس، والتيه، لقاء الأنبياء والأولياء، ورؤية أشخاصٍ يرتدون الأبيض أو الأسود، بالإضافة إلى الغرق، والنجاة، لم يُتَحقّق منها علميًا، ويضيف ل"رصيف22": "تؤكّد الخبرات أن الإيمان بها غير مفيد، بل بالعكس قد يضُّر المؤمنين بها، والسائرين في الطريق الذي يرسمه لهم التأويل الخرافي، الذي قد ينحرف أحيانًا وبشدّة عن طريق الواقع، ومسار الحياة السويّة بمنطق العقل". كارل يونغ: الأحلام رموز البشرية وأساطيرها الفيلسوف اليوناني والمعلم الأول، أرسطو، هو أولُ من أقرّ بالأثر النفسي للأحلام، عوضًا عن القناعات السابقة المؤمنة بأن الأحلام إشارات إلهية محضة، تبعه العلماء إلى الآن في محاولات تأويل أحلام اللاوعي. وعلى غير المتوقع يؤكد د.حجازي في كتابه أنّ تفسير الأحلام، بحسب  مدارس التحليل السيكولوجية، تتفق مع قواعد التأويل ذات الصبغة الدينية في كتاب "ابن سيرين"، فكلاهما يفسّران الرموز وفق معايير نفسية. الفارق أن الأحلام تبعًا لعلم النفس، تكشف عما يعتمل في الذات فقط، ولا يُصنَّف أيٌّ منها خارج العقل اللاواعي للإنسان كما يعتقد أحيانًا التفسيرُ الديني. وقد أرسى مؤسس مدرسة التحليل النفسي سيغموند فرويد، قواعد التأويل والتحليل لرمزية الأحلام، وأفرد لها كتابه "تفسير الأحلام"، يرصد فيه رمزيات أحلامه، ليثبت أنّ ما نراه في نومنا هو تحقيق رغباتنا الشخصية المتراكمة منذ الطفولة في وعيِنا، بشكلٍ خفي. ويشير الدكتور اللبّاد إلى مدى اختلاف مفاهيم معاني الأحلام ورموزها في علم النفس، فكارل يونغ تلميذ فرويد، وعالم النفس الشهير، يرى أنّ الأحلام هي تعبير عن خبرات معقدة تنتمي إلى البشرية وتاريخ تطورها. يشرح د.اللبّاد: "إنّ رموز الأحلام يمكن فهمها على ضوء دراسة رموز وأساطير أنتجتْها البشرية لنقل المعاني، والتواصل في مراحل تطور البشرية ككلّ، وربّما من قبل نشوء الحياة البشرية من الطّين؛ ففهم بعض الأحلام، خاصة الأحلام الشهيرة التي يشترك فيها كلّ البشر بمختلف ثقافاتهم ولغاتهم، يعتمد على دراسة الرموز البشرية منذ القدم". ستبقى الأحلام تحظى بسطوة على عقول الحالمين، وسبباً يدعوهم للتفكير في حياتهم الماضية والمستقبلية، مهما بلغت ثقتهم في العلم، إذ أن ألبرت أينشتاين ذاته قبل اكتشافه للنظرية النسبية رأى نفسه في الحلم يمشي فوق أشعّة الشمس نحو السّماء، وكان هذا قبل اكتشافه للنظرية النسبية بمدّة طويلة، فلا يُعرف أيّ الأمرين تسبّب في الآخر. لكن قد يساعد الحالمين الموقنين بقدسية أحلامهم، دمجُ علم النفس مع الإيمان، والتفكيرُ أن هناك بالطبع فجواتٍ لا يدركها العقل البشري حتى الآن، كما يقول د.اللبّاد إن الأحلام، لا تزال حتى اليوم خارج منطقة العلوم الوضعية، أي في طور الاجتهاد، فهي واقعة في منطقة بين الخرافة والموروث الأسطوري.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard