رحلة الحزن من حلبجة إلى طهران..اختفى في العراق ليظهر بعد عقود في إيران 

الأحد 10 مارس 201905:26 م

"اسمي الكردي خليل والإيراني محمد أمين بإمكانك أن تناديني يوسف، فأنا يوسف المفقود الذي سيلتقي أمّه بعد غياب دام 31 عاماً”، هكذا قدم الشاب الهادئ نفسه أمام الكاميرا فيما كان مندوبو الصحافة الرسمية يطوفون حوله للحصول على تصريح من الرجل الذي ينتظر احتضان أمه الكردية الطاعنة في السن بعد أن فقدته عقوداً من الزمن، في مشهد جديد يوثق للحزن الكُرّدي.

على الحدود الإيرانية العراقية تركت حرب الخليج الأولى أكبرَ النُدّب بين البلدين بعد حرب منهكة دامت ثماني سنوات وحصدت أرواح أكثر من مليون شخص وخلفت ملايين الجرحى واللاجئين. كانت حلبجة تتهيأ لعيد النوروز عندما نفذ الجيش العراقي هجومه الكيماوي في منتصف شهر آذار (16 -17) عام 1988 ليقتل على الفور 5000 إنسان ويصيب 8000 شخص تقريباً  إصابات بالغة في مجزرة كان أول من رصدها الإعلام الإيراني ليلعب دوراً هاماً في نقل خبر جريمة الإبادة الجماعية إلى العالم.

في تلك المرحلة، لم يرَ الشعب الإيراني جريمة صدام حسين عدو إيران مادة إعلامية بل كانت صدمة مرعبة أعادت لذاكرة الإيرانيين تفاصيل الصواريخ العراقية التي أطلقها صدام في الحرب. "ماذا لو كنا مكانهم" يقول "هوشنغ" (65 عاماً ) "كنت أباً لطفلة صغيرة في تلك الأيام و كنا قد بدأنا نتأقلم مع الحرب السيئة عندما بث التلفاز مشاهد لا يمكن تصديقها، جثث في شوارع حلبجة وعلى أبواب بيوت البشر هناك، هل هم نيام؟ كيف فعلها صدام؟ لا يمكن أن تغيب تلك المشاهد عن ذهني، نساء يتحدثن بالكردية هاربات من الموت ورجال تحولت وجوههم إلى أصنام من القهر، رائحة الموت كانت تفوح عبر التلفاز".

تعاطف الشعب الإيراني مع حلبجة التي كانت تحت سيطرة الجيش الإيراني إبان الهجوم الكيميائي عليها وهبّ العديد من الناس لإغاثة المشردين، ورعاية الأطفال ممن فقدوا أهاليهم في الحرب، أول من وصل إلى المدينة عناصر الجيش الإيراني وطواقم الإسعاف المرافقة لهم لمساعدة المدينة الكردية، نُقِل المصابون إلى مشافي طهران وشيراز ومشهد، فيما توزع اللاجئون على مخيمات في المدن الحدودية.

قصص التبني

أصبحت حلبجة وما قام به بعض المتطوعين الإيرانيين بعد الإبادة الجماعية جزءًا من حكايات الحرب العراقية الإيرانية وبطولاتها، فقصة الطبيب الإيراني "حشمت الله ويسي" أصبحت اليوم رمزاً للبطولة يُدرّس في مناهج الصف الرابع الابتدائي في إقليم كردستان العراق، فهو طبيب من كرمانشاه هبّ لإنقاذ ضحايا حلبجه وتمكن من إنقاذ 17 رضيعاً أكبرهم كان عمره سنة عُثر عليهم بين جثث أهاليهم.

يقول ويسي: “أنقذت 17 طفلاً ونقلتهم بمساعدة فريق متطوع إلى كرمانشاه ثم نُقلوا إلى مدن أخرى للعلاج لا أعرف مصيرهم تمكنت لاحقاً من التواصل مع ثلاثة عائلات تبنت ثلاثة منهم، فيما توفي 5 بعد صراعهم مع المرض تم التعرف عليهم عبر تحليل DNA  لكن لم أستطع التواصل مع البقية".

تمكنت فرق الإسعاف الإيرانية من نقل 100 طفل إلى المستشفيات في ظروف “مضطربة" مما جعل الكثير من الأطفال يبتعدون عن ذويهم الذين كانوا بدورهم مصابين يتلقون العلاج في مكان ما، توفي بعضهم لاحقاً وبعضهم بقي حياً لا يعرف مصير أطفاله.

محمد أمين ذو الأشهر السبعة كان حياً وسط الجثث عندما دخل المنقذون إلى حلبجة، نُقل في البداية إلى مدينة كرمانشاه ثم إلى مستشفى "شهيد دستغيب" في شيراز لتتم معالجته، ولم يتمكن أحد العاملين في منظمة الإغاثة والإسعاف في شيراز من ترك الرضيع وحيداً لمصير مجهول، فتبناه وفق القانون الإيراني الذي سمح برعاية الأطفال تحت إشراف جمعيات مختصة.

أصبح لمحمد أمين أب وأمّ من شيراز وعاش معهما 31 عاماً. تدمع عينا الشاب الكردي الأصل حين يتحدث عن عائلته الإيرانية: "تبنتني عائلة السيد اسماعيلي ونشأت بينهم كأني ابنهم لم يترددوا لحظة في عطائهم لي كل ما أنا عليه اليوم هو بفضلهم". درس محمد الحقوق في إيران وعمل في دائرة الطب القانوني في مدينة قُم وهو متزوج منذ خمس سنوات ولديه طفلة.

عام 2016 نشرت الصحف الإيرانية إعلاناً عاماً من علي عثمان، رئيس لجنة البحث عن مفقودي حلبجة، يدعو فيها الشعب الإيراني للمساعدة في العثور على مفقودي حلبجة وإعادتهم إلى عائلاتهم شاكراً استضافتهم طيلة السنوات الماضية.

التحليل الجيني ومسيرة البحث عن الأصول

يقول مدير مركز نور للتحليل الجيني في طهران "محمود تولايي"100 طفل كردي عراقي سلموا لعائلات إيرانية بعد كارثة حلبجة، لم يتم تسجيل معلومات دقيقة عنهم آنذاك بسبب ظروفهم الصعبة، لكن مع انتهاء الحرب تم تشكيل لجان خاصة لمتابعة مصير الأطفال، ولاسيما بعد سقوط صدام حسين، تم تشكيل لجان مشتركة مع المسؤولين في إقليم كردستان العراق لمتابعة قضايا المفقودين، أخذت عينات جينية من 114 عائلة من حلبجة لمقارنتها بعينات المفقودين في حال تواجدها.

100 طفل كردي عراقي سُلموا لأسر إيرانية بعد كارثة حلبجة، لم يتم تسجيل معلومات دقيقة عنهم آنذاك. خليل أحدهم، تبنته أسرة إيرانية وتعرف على أمه العراقية قبل أيام وقد صار في الثلاثين من عمره.
وقف المترجم الفوري جانباً ليتيح للأم الكردية وابنها الذي يتحدث الفارسية أن يقولا كلمة "أحبك" و "اشتقت لك" بعد أن افترقا 31 عاماً.
في حلبجة، كانت فاطمة محمد صالح 58 عاماً تعيش وحيدة بعد أن فقدت زوجها وأطفالها الستة في المجزرة، حين ظهر شاب كردي يبحث عن أقاربه في مدينة تنتظر كل لحظة عودة أبناءٍ لها من الماضي.

محمد أمين هو المفقود الثالث الذي يلتقي بعائلته بعد اللجوء إلى التحليل الجيني، قدم أوراق تبنيه إلى مركز نور الجيني في إيران راغباً بالتعرف على عائلته الأصلية، ليكتشف قبل أسابيع أنه الطفل الرابع في عائلة مكونة من 8 أشخاص ما زالت مقيمة في حلبجة لا تعرف مصير ابنها الذي فقدته في الهجوم الكيميائي. للمرة الأولى يوم الخميس 21 شباط 2018 التقت العائلة الكردية بابنها. لم يكن لقاء محمد أمين بأمه المسنة عادياً. وقف المترجم الفوري جانباً ليتيح للأم الكردية وابنها الذي يتحدث الفارسية أن يقولا  كلمة "أحبك" و "اشتقت لك" بعد أن افترقا31 عاماً. ضمت الأم الباكية شاباً خجولاً هو ابنها فابتسم بخجل في وجه أم يتعرف على وجهها لأول مرة وقد صار كهلاً.

توفى والد محمد أمين الحقيقي منذ 20 سنة متأثراً بإصاباته الكيماوية، لم يكن بوسعه مثل بقية عائلات حلبجة أن يأتي إلى إيران باحثاً عن ابنه فهناك تهم متنوعة لدى استخبارات بغداد تنتظره، ربما خطر في باله أن ابنه يعيش حياة كريمة في إيران وربما لا، لكن الحقيقة أن التقارير التي وثقت لقاء عدد من المفقودين الأكراد مع عائلاتهم الأصلية كشفت إنسانية أسر إيرانية كثيرة تبنت أطفال حلبجة سنوات.

قصة علي بور

تختلف قصة محمد أمين عن قصة مواطنه علي بور وهي إحدى أشهر قصص اللقاء الكردي عام 2009. أرسل محمد أمين عبر وزارة الخارجية الإيرانية ونظيرتها العراقية طلبه للعثور على أسرته بالتعاون مع مركز نور الجيني والصليب الأحمر ليتمكن الشاب بعد سنوات، من العثور على عائلته لكن حياته في إيران استمرت بشكلها الطبيعي مع عائلته الشيرازية، لكن علي بور فقد انتماءه لعائلته بالتبني مع موت السيدة الإيرانية التي رعته 22 سنة شرق إيران. يقول علي بور: "بعد أربعة أشهر من حادث السير الذي أودى بحياة أمّي بالتبني شعرت بالغربة والوحدة، وأدركت أن لحظة العودة إلى حلبجة قد حانت". لم يتوقع علي بور أن يلتقي بأمّه أبداً فالأوراق الرسمية تقول إنه الحيّ الوحيد في عائلة مات جميع أفرادها في حلبجة، كل ما أراده هو البحث عن أقارب له هناك أو ربما عن وطن كذلك.

في حلبجة، كانت فاطمة محمد صالح 58 عاماً تعيش وحيدة بعد أن فقدت زوجها وأطفالها الستة في المجزرة الكيماوية، حين ظهر شاب كردي يبحث عن أقاربه في مدينة تنتظر كل لحظة عودة أبناءٍ لها من الماضي.

خمس عائلات كردية جزمت بأن علي بور ابنها، وعاش الجميع لحظات غريبة من المنافسة، إلى أن كشف التحليل الجيني عن مفاجأة لم تحلم بها فاطمة محمد صالح، فالشاب العشريني علي بور هو ابنها الرضيع زيمانكوه عاد إليها وكان "هدية من الله” على حد وصفها.

 لا تتطابق أرقام الصليب الأحمر مع تصريحات مركز نور الجيني بشكل دقيق وكانت وجهة البحث الأولى لعائلات حلبجة هي إيران، وما يتمناه الجميع هو عودة المفقودين إلى أسرهم، لكن ماذا عن عائلاتهم الإيرانية؟ ماذا عن 100 شخص كردي لا يجيدون اللغة الكردية وماذا عن هوياتهم التي تاهت في الحرب وشتتها السجلات.

انتهت الحرب العراقية الإيرانية وانتهى صدام حسين ولازالت الندب الكيماوية محفورة في خلايا الأكراد، وقصص شتات أطفال حلبجة من بين أكثر القصص تراجيدية.

100 وردة من الحزن الكردي زُرعت في إيران وأزهرت بمحبة ناس طيبين، بعض القصص كتبت وأخرى تنتظر من يكشف حقيقتها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard