بين الواقع والخيال، في الرحلة إلى النيبال

السبت 16 آذار 201910:57 ص
إنها الثانية ظهراً في كاتمندو. الشمس تبدو متوارية خلف جبال الهملايا، ترسل إحساساً ممتعاً بالدفء. لم تكن رحلة الطيران صعبة للوصول إلى عاصمة النيبال. الكلام الذي قرأته عن صعوبة الهبوط في مطار كاتمندو أشكر الله أنه لم يكن دقيقاً تماماً، فقد شاهدت تقريراً مسجّلاً لأحد من زاروا كاتمندو، يقول فيه إن مطار العاصمة النيبالية من أخطر المطارات بسبب قربه من الجبال، لكن لحظة الهبوط بدت أكثر سلاماً مما توقّعت. كانت كمية السُّحّب المتناثرة في الأفق تنبّئ عن مطرٍ وشيك، وقبل أن نصل إلى الفندق الذي يبعد عن المطار ربّما مسافة نصف ساعة، انهمر المطر غزيراً جدّاً. يعبر من أمامي ركّاب الموتوسيكلات يغطّون أنفسهم بمعاطف واقية من المطر؛ إنه شهر تموز ونحن قادمون من القاهرة، حيث تجاوزت درجة الحرارة أربعين درجة، غادرناها مع وعودٍ بانحسار قريب لموجة الحرّ. بدا لي في الوهلة الأولى، أن العاصمة (كاتمندو)، تشبه القاهرة في أحيائها الفقيرة، لكنّها أكثر فقراً منها؛ الطرقات متعرّجة ومتكسرة، ومن الطبيعي جدّاً أن تتقابل سيارتان في طريق ضيق جدّاً، وأن يتمكّنا من العبور بشكل سحري، يجعلك تتخيّل أن السيارة التي تشبه الفان الصغير تخلّت عن كيانها المعدنيّ لتتحوّل عظامها إلى أجزاء مطاطية قابلة للتقلص والتمدّد. من المدهش أيضاً ألّا تحدث مشاجرة بين السائقين، وأن يتمّ العبور من الطريق الضيّق بسلاسة خالية من الغضب وانفعال المرور اليومي الذي ألِفتُه في المدن العربية المزدحمة، حتى أنه لم يعد يثير انزعاجي. لكن يبدو أن الشعب النيباليّ لديه جينٌ يجعله يتميّز بهدوء الأعصاب، أو أنه اكتسبَ لسببٍ ما –ربّما يكون اليوغا- أو الطقوس البوذية والهندوسية-، حالةً من التصالح مع الواقع مهما كان معقدّاً. في كاتمندو تجد تماثيل بوذا، ومجسماته، ورسوماته أينما اتّجهت. تعجّ كاتمندو، بالصخب، وبالألوان، والروائح المتداخلة بين التوابل وعوادم السيارات، والبخور، وروث الحيوانات الطليقة في الشارع، حيث تعبر بقرة الشارع بحرّيةٍ لا تثير استغراب أحدٍ من المارّة. أما الكلاب بكل أنواعها وأحجامها فتراها غافية في الطرق بكسلٍ، مطمئنة إلى أنه لن يزعجها أحد، يبعث منظرها على التساؤل عن غياب أيّ نوع من التحفّز أو العدائية المعروفة عند كلاب الشّوارع. يمكن اعتبار الموتوسيكل إحدى وسائل النقل المهمّة للشعب النيبالي، بالإضافة إلى الحافلات الكبيرة والباصات بمختلف أحجامها. أحد الأسباب وراء هذا الأمر هو سعر البنزين المرتفع، ومن الممكن أيضاً مشاهدة الركشا، وهي وسيلة نقل تشبه التوك توك تتواجد في الشوارع الفرعية الصغيرة. طبق المومو تطغى نكهة الكاري والبهارات اللّاذعة على معظم أنواع الطعام في النيبال، بل إن نكهة التوابل اللاذعة تطغى على رائحة البلد كلِّه؛ من الممكن تمييزها بسهولة منذ لحظة الوصول الأولى إلى شوارع كاتمندو، ومهما حاولت تنبيه الشيف إلى أنك لا تأكل الطعام الحارّ، فلا بدّ من أن تتسلّل النكهة اللاذعة إلى طبقك بشكلٍ سحريّ، حين تلقي جنية المطبخ ببضعِ النثرات من الفلفل الحارّ على قطعة الدجاج التي من المفترض أنها مطهوّة بالصلصة الحالية. الشهرة التي كنتُ أظنّها عابرة للقارات لمطبخ الشرق الأوسط لم تصل إلى النيبال، كما لم تصل أيضاً أطعمة التغريب الخطرة من أنواع البيتزا هت، وماكدونالد، وكنتاكي. ومن الممكن اعتبار البيتزا هنا صحية نوعاً ما، حيث في العديد من الأماكن لا يضعون عليها الجبنة بكثافة، لأن الجبنة أيضاً لا تدخل في الطعام اليومي للشعب النيبالي. قطعة جبنة في سوبرماركت لا يتجاوز وزنها مائتي غرام، يصل سعرها إلى أكثر من عشرة دولارات، أي ما يعادل (ألف روبية)، وهذا مبلغ كبير نسبيّاً بالنسبة للنيباليين؛ لذا على الزائر تدبّر أمره في ما يتعلّق بالطعام، والاستمتاع بتناول الفاكهة الاستوائية من أناناس وبابايا ومانغو قدر المستطاع. ما سمعته عن التشابه بين طبق المومو والمعجّنات لدينا مثل اللحم بالعجين، وفطائر السبانخ والسمبوسة، لم يكن دقيقاً؛ فالمومو بالخضار هو عجينة مطهوّة على البخار، وفي داخلها ما يشبه خليطاً من الكرنب المفروم مع الجزر، وربّما أشياء أخرى لكن تظلّ نكهة الكرنب هي الطاغية أولاً وأخيراً.
الشهرة التي كنتُ أظنّها عابرة للقارات لمطبخ الشرق الأوسط لم تصل إلى النيبال، كما لم تصل أيضاً أطعمة التغريب الخطرة من أنواع البيتزا هت، وماكدونالد، وكنتاكي.
في مكتبة صغيرة نوعاً ما، في حيّ "تاميل"، حيث سكنّا، كنت أسأل البائع الخمسينيَّ عن الكُتّاب النيباليين، فزوّدني البائع المثقّف بنصائحه حول الكتب، وتفاجأت بقراءته لروايات خالد حسيني، وأراندوتي روي، وكتّاب آخرين لم أكن أعرفهم.
ما ينبغي قوله بشأن النيبال، هو أن زائر هذا البلد ليس كأيّ سائح عاديّ يبحث عن الراحة، بل إن من ينبغي أن يتّجه إلى هناك هم الأشخاص الشغوفون برؤية ثقافة مغايرة تماماً عن واقعهم؛ ثقافة أقرب إلى الطبيعة في كلّ تفاصيلها، وإلى الإنسان البعيد عن الاغتراب الروحيّ.
الطريق إلى معبد القرد برفقة سائق الفان "داوا"، نصعد في طريق متعرّج، يرفع داوا صوتَ أغانٍ نيبالية، تتشابه بشكلٍ مثير للدهشة مع أغاني الميكروباص العربي، لولا أنّ داوا أكثر لطفاً وصاحب ابتسامة عريضة وبشوشة، ولكن الأغاني التي يستمع إليها داوا تؤكّد أن الذائقة الموسيقية للسائقين تتشابه جدّاً في ميلها للصخب والشعبوية، حيث ضحكنا بشدة حين ارتفعت موسيقى أغنية تتشابه جدا مع أغنية " شيك شاك شوك". لم يكن الصعود إلى معبد القرد يسيراً، الطريق متعرّج وجبليّ، ثمّ هناك مسيرة فوق أدراج طويلة داخل المعبد المفتوح على الهواء الطلق. يعود تاريخ المعبد إلى القرن الخامس قبل الميلاد. تشكّل العلاقة بين النيباليين والطبيعة ركناً أساسياً من حياتهم، هذا ما بدا من الحيوانات الطليقة داخل المعبد: مجموعة من القرود، كلاب، أبقار تسير بحرّية وسلام، ما عدا القرود التي ظهرت فجأة وأصرّت على المشي ورائنا. نبهتني سيدة ترتدي الساري الهندي إلى أن القرد يلاحقنا لانتزاع الآيس كريم، وتمكّنت القرود من تحقيق مرادها مع أول هجمة، حين وضع القرد يدَه اليسرى على يد ابني، خاطفاً الآيس كريم باليد الأخرى. وأمام مفاجئتنا بالمشهد من رؤية بقية أفراد عائلة القرود تجتمع حولنا، ألقيتُ باستسلام سريع الآيس كريم الذي أحمله، حيث كان بودّي متابعة الطريق صعوداً نحو تمثال بوذا الكبير الذهبيّ الذي كان يلوح في الأفق. خلال الطريق، عند إحدى زوايا المعبد، وفي الهواء الطلق، جلس رجلٌ على الأرض يحمل جرساً متوسط الحجم، يرتدي قميصاً أزرق ويضع منشفة على قدميه. في وسط جبينه توجد بقعة صغيرة حمراء دلالتها تعود للملاك الحارس كما عرفت. يحرق الرجل بخوراً ويردّد تمائمه، ويلقي حبّات من الأرز والأزهار فوق الجمر المشتعل، فتفوح رائحة كثيفة وغير مألوفة نتيجة احتراق البخور وأوراق الورد. بجانب الرجل امرأة يبدو أنها تطلب منه البركة أو فكّ السحر عن رجل آخر يجلس قبالته في مكان صغير أشبه بقبّة لا يتجاوز ارتفاعها نصف متر. يستمرّ الرّجل في قرع الجرس وترديد كلماته فيما كلّ شيء في العالم من حوله يتابع مسيرته. تنوعّت تماثيل بوذا داخل المعبد؛ أحجام مختلفة، وألوان مبهجة يلفّها الإله حول كتفه في تمثاله الذهبيّ. التآلف بين البشر والحيوانات مذهلٌ هنا؛ سيدة تقوم بمراعاة أحد الكلاب عبر مسحِ جلده، وتنقية الحشرات منه. بدا عليها الاهتمام وعدم الانزعاج من تنظيفه، شعرتُ أن هذه السيدة تلقّنني درساً في المحبة، حيث لم أكن أقوم برعاية "ليو"، الكلب الذي يعيش معنا، بنفس الطريقة كما كانت تفعل هي. سورة البقرة في حيّ تاميل في مكتبة صغيرة نوعاً ما، في حيّ "تاميل"، حيث سكنّا، كنت أسأل البائع الخمسينيَّ عن الكُتّاب النيباليين، فزوّدني البائع المثقّف بنصائحه حول الكتب، وتفاجأت بقراءته لروايات خالد حسيني، وأراندوتي روي، وكتّاب آخرين لم أكن أعرفهم. وكان هو الشخص المناسب لسؤاله عن التعليم في النيبال. أخبرني أن ابنه الذي يبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً في سنته الجامعية الثانية؛ فالمرحلة الدراسية من الابتدائية حتى انتهاء الثانوية مدّتها عشر سنوات فقط وفق التعليم حكومي، لكنّ المدارس الخاصة تصل تكلفتها إلى ثلاثة آلاف دولار للتلميذ خلال العام الدراسيّ، أما دخل الفرد في وظيفة مثل التدريس فلا تتجاوز مائتي دولار. بجانب المكتبة، كان هناك محلٌّ لبيع الفضّيات. لفتَت انتباهي مشاهدُ الأحجار الكريمة البالغة الجمال، لحظة خطوت داخل المحلّ سمعت آياتٍ قرآنية ترتفع من مكانٍ ما في الداخل، وبائع شابٌّ نيباليّ يضع على رأسه القبّعة الصغيرة التي يعتمرها المسلمون المتديّنون عند ذهابهم إلى المسجد. لم يكن البائع محمد أنور يتحدّث العربية، لكنه يقرأ القرآن. فتح المصحف وبدأ في قرآءة آيات من سورة البقرة بلغةٍ عربية مكسّرة! متحف بوتان والسحر كلّه لو كان في السفر إلى النيبال زيارة متحف بوتان فقط، فهذا بحدّ ذاته كافٍ لمنحِ زخم مفرح من التاريخ الثقافي والجغرافي والأدبي. يمكن اعتبار زيارة متحف باتان هو السحر كلّه، فالهدوء داخل المتحف والأجواء الروحانية العابقة بالمكان كافية لفصل المرء عن الواقع الخارجيّ الصاخب في كاتمندو. يقع المتحف في "دوربار سكوير"، وعند مدخل المتحف يوجد تمثالان لأسديْنِ من اليمين والشمال. يتشكّل بناء المتحف على هيئة مربع، مع فناء واسع جدّاً وفي وسطِه معبد صغير للإله بوذا. إنه متحف لا يتشابه مع أيّ مكان آخر، حيث يتحقّق الانسجام بين المعمار الداخلي للمكان، والشرفات المطلة على الفناء. هذا المتحف من أكبر متاحف منطقة جنوب آسيا، لذا لا تكفي زيارة واحدة له للإحاطة بما فيه، والتشبّع بروح الجمال المنبعثة من كلّ منحوتاته. تجولنا داخل المتحف دون خريطة، تاركينَ الهوى يسحبنا خلف كلِّ تمثال، ولكن لا شكّ أن وجود أرقام للقاعات وشروحات مفصّلة بجانب كلّ مجموعة من المنحوتات أو التماثيل ساعد في فهم المراحل التاريخية التي مرّت بها البوذية والهندوسية. وفي ما يتعلّق بزوّار المكان من السّيّاح، كانت الملاحظة الأولى وجود عدد كبير من السيّاح الصينيين. في عام 1997، وبالتعاون بين الحكومة النيبالية وحكومة النمسا، تمّ إنشاء متحف بوتان، ويعود بناؤه إلى ملوك المالاوي. يحتوي المتحف بين جدرانه ما يقارب مائتي قطعة، تجسّد التاريخ النيباليّ في مراحله المختلفة؛ بعض القطع من  الذهب، والبرونز، وبعضها من النّحاس والحديد، يدوية الصنع وشديدة الإتقان. لا يوجد تغريب وهوس بالحياة الغربية في النيبال، فكثير من النيباليين يتقنون اللغة الإنكليزية للتواصل، لكن الثقافة الغربية لا تدخل في نظام حياتهم اليوميّ؛ إنهم منغمسين حد النخاع بتقاليدهم الخاصة، وبعاداتهم في حرق الموتى وفق المعتقدات الهندوسية او البوذية. ورغم ما في هذا البلد من فقر، إلا أن أسلوب العيش الذي ارتضاه الناسُ يميل إلى البساطة والبعد عن التكلّف في كلّ تفاصيل الحياة، وهذا يمكن تلمّسه جيّداً في مقدار الترحاب والابتسامات التي يحظى بها الزائر. * * * الآن، بعد مرور وقتٍ على مغادرة النيبال ظللتُ أفكّر أن رحلتي إلى هذا البلد التي استمرت لأسابيع ثلاثة، من أكثر الرحلات إلهاما بكلّ ما فيها من سكون وتأمل وعزلةح من المشاركة في حضور الصلاة البوذية لمجموعة من الرهبان، ورؤية قمّة جبل الهملايا في مدينة بوخارا يوم ابتهج الناس لأنّ الجبل ظهر بعد انحجابه لأشهرَ خلف الغيوم، ومن السّير عصراً عند بحيرة فيوا، ورؤية مجموعة من النسوة يرتدين الساري بألوانه المليئة بالحياة، يجلسن مع أولادهنّ عند الضفاف لاهياتٍ عن مصائب هذا العالم. ربّما ما ينبغي قوله بشأن النيبال، هو أن زائر هذا البلد ليس كأيّ سائح عاديّ يبحث عن الراحة، بل إن من ينبغي أن يتّجه إلى هناك هم الأشخاص الشغوفون برؤية ثقافة مغايرة تماماً عن واقعهم؛ ثقافة أقرب إلى الطبيعة في كلّ تفاصيلها، وإلى الإنسان البعيد عن الاغتراب الروحيّ.  
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard