تكريسٌ لواقع لبناني خطير... المحكمة العسكريّة "تخلط الحبر بالدم"

الجمعة 8 مارس 201906:45 م
في أواخر شهر يناير الماضي، تلقى الصحافي والمراسل التلفزيوني اللبناني آدم شمس الدين اتصالاً من المحكمة العسكريّة تبلّغ بموجبه ضرورة الحضور إلى التحقيق، بتهمة "نشر تعليقات تُحقّر جهاز أمن الدولة". لم يُحدّد المتصل التعليق الذي استندت إليه المحكمة في توجيه تهمتها لشمس الدين، لكن الأخير قدّر وقتها أن الأمر مرتبط بتعليقه حول "فضيحة شبكة الإيدز". حينها، أعاد مُراسل قناة "الجديد" اللبنانية مشاركة التعليق الذي كان قد نشره قبل مدة قصيرة، والذي اعتبر أنه قد دفع المحكمة، التي تُشكّل ملاحقتها لصحافي اعتداء على كلّ ما يمت لحرية الصحافة بصلة، لملاحقته والحكم عليه.
يوم أمس، انتشر الخبر كالتالي: الحكم على آدم شمس الدين غيابياً بالسجن لمدة ثلاثة أشهر. أثار القرار جدلاً واسعاً ودفع كثراً للتضامن مع شمس الدين. بموازاة ذلك، تجدّد الحديث حول صلاحيات المحكمة العسكرية والحدّ الفاصل بين ما هو عسكري ومدني والذي يبدو أنه يتلاشى مع تكرار حوادث استهدافها لمدنيين من متظاهرين وناشطين وصحافيين، وصولاً إلى حكمها على صحافي بسبب منشور. وطال الهجوم كذلك جهاز أمن الدولة الذي كان شمس الدين قد انتقد "فضيحة" تعامله مع قضيّة صاحب صالون التجميل (قضية ما عُرف بـ"شبكة الإيدز") مذكراً بما حصل مع الممثل المسرحي زياد عيتاني على يد الجهاز نفسه، وتحديداً على يد شخصين لعبا الدور ذاته في الفضيحتين. هذان الشخصان تمّت عرقلة محاولات مقاضاتهما، لا سيّما من قبل عيتاني الذي عايش اللبنانيون ومعهم العالم فصول ظلمه وتعذيبه وتلفيق التهم له، بينما تحدّث شمس الدين عن "مطالبتهما بترقيات وظيفية بعد قضية زياد عيتاني حتى من بعد انكشاف الفضيحة".

"جمال باشا الجراح"

في تعليقه على الحكم، لفت شمس الدين إلى أنه يمثل "تكريساً لواقع قانوني بأن أي مواطن مُعرّض للأحكام… بسبب تعليق أو منشور"، لافتاً إلى نقطة "فادحة" في الحكم وهي "تكريس واقع أن المواطن اللبناني لا يحق له مساءلة الأجهزة الأمنيّة". وذكر شمس الدين أنه حين استُدعي قال "لن أمثل في هذه القضية المُحالة إلى المحكمة العسكرية، في حين أنّه يجب أن توكل عادة لمحكمة المطبوعات، لا العسكرية. حتى إن طريقة التبليغ لا تتّبع أصول التبليغ قانوناً. لقد تمّ السؤال عني في مبنى (الجديد) لتبليغي مرات عدّة ولكني لم أكن متواجداً في القناة بحكم عملي خارجاً. مع العلم أنه بإمكان المحكمة تبليغي في عنوان سكني المعروف والمسجّل في الدوائر. أيّ كما تجري عليه العادة وتنصّ عليه أصول التبليغ. لكن حتى هذه الخطوة لم تنفّذ".
مع الحكم المفاجئ بحق الصحافي آدم شمس الدين، تجدّد الحديث حول صلاحيات المحكمة العسكرية والحدّ الفاصل بين ما هو عسكري ومدني في ظلّ تكرار حوادث استهدافها لمدنيين، وصولاً إلى سجن صحافي بسبب منشور
وأوضح أن المحامي الذي أوكلت إليه القضية فوجئ بإصدار الحكم بالسجن، أما عن الخطوات المقبلة فقال:"حالياً سأستأنف الحكم وبناء عليه أقرّر خطوتي اللاحقة. أصرّ على موقفي الأولي والأخير بإعتراضي على هذه القضية، وبأنّ المحكمة العسكرية تريد أن تحاكم مواطنين. أنا مواطن قبل أن أكون صحافياً". في الإطار نفسه جاءت ردود الفعل المتضامنة مع شمس الدين، بين مندّد بدور المحكمة العسكريّة في القضيّة، وداعِ لحلّ جهاز أمن الدولة.
ومن بين من طالتهم ردود الفعل المستنكرة كان وزير الإعلام جمال الجرّاح، الذي دافع عن الحكم الصادر بحق شمس الدين، مُخالفاً لما يُنتظر من الشخص الذي يتولى هذه الحقيبة التي يُفترض أن تنتصر لحقوق الإعلاميين، وتحديداً حين يصل الانتهاك بحقهم إلى حدّ مماثل.  ونشط على تويتر وسم "جمال باشا الجراح"، وتحديداً بعدما استُخدم هذا اللقب في مقدمة نشرة أخبار "الجديد" بعد صدور الحكم.
ولم يقتصر التضامن مع الصحافي على الناشطين والزملاء، بل تعداه إلى سياسيين ومسؤولين، وجدوا فيه انتهاكاً للعدالة، بينما للمفارقة لم يهتم عدد من هؤلاء بالدفاع عن المُلاحقين في حالات مشابهة حين كان الانتقاد موجهاً لهم أو لحزبهم السياسي.

ليست المرة الأولى

منذ مطلع العام الماضي، كثر الحديث عن تزايد القمع في لبنان، وبدأ السؤال حول ما إذا كان قد بدأ يتزايد بالفعل (ربطاً بعهد رئيس الجمهورية الجديد) أم أن رؤيته باتت أوضح. بدا وقتها أن الخط الفاصل بين الفعل التعبيري والفعل الجرمي قد بدأ بالتلاشي، مع متابعة وقائع الدعاوى المرفوعة تباعاً على برامج تلفزيونية وصحافيين ومدونين بسبب رأي. تحدث البعض عن "شبح" لبناني، بأذرع طويلة ومتعددة، بات يعمل جاهداً على محو كل الفوارق، وصناعة معايير اللون الواحد، معطياً لنفسه الحق الحصري في تحديد المقبول في حريّة التعبير من عدمه. بموازاة ذلك، ظهر دخول المحكمة العسكرية على خط محاسبة المدنيين أكثر فداحة. وقد وثّق تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" هذا الواقع في تقرير حمل عنوان ""هذا ليس مكاننا: محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكريّة في لبنان". نُشر التقرير عام 2017، بالتزامن مع اقتراب مثول 14 شخصاً أمام المحكمة العسكرية، بتهم تتعلّق بمشاركتهم في تظاهرات عام 2015 ضد الفساد والحكومة خلال أزمة النفايات. كما وثّق التقرير العديد من حالات التعذيب وبعض الشهادات الصادمة، في وقت قدّم توصيات عديدة كان منها "على لبنان إصلاح نظام المحاكم العسكرية بصورة عاجلة عبر استثناء المدنيين والأطفال من اختصاص المحاكم العسكرية، وضمان أن يرفض القضاة جميع الاعترافات والأدلة المنتَزَعة تحت التعذيب. وعليه ضمان حق وجود محام أثناء الاستجواب وتجريم كل أوجه التعذيب". ولفت التقرير كذلك إلى أنه "على وزارة الدفاع إحالة كل مزاعم التعذيب إلى النيابة العامة، واعتماد سياسة تقضي بعدم التسامح مطلقا مع أي من أوجه التعذيب والمعاملة اللاإنسانية والمهينة. كما عليه ضمان استقلال وحياد جميع القضاة، بما في ذلك ضمان ألا يتبع أي قاض للتسلسل الهرمي للجيش".   بانتظار ما ستؤول إليه قصة آدم شمس الدين، تبقى العبرة في ما حمله الحكم من رسائل. في كل مرة يحاول المعنيون تقديم حالات مماثلة كشأن خاص ذات حضور محدود، في كل مرة يؤكدون أكثر أن الأمور باتت بمثابة سياسة ممنهجة، وأن الدولة البوليسيّة التي تتلطى وراء عناوين الحريّة والديمقراطيّة تُمعن في التمدّد والتجذّر.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard