ذهبت ضحية "جريمة شرف" بسبب "ثوريتها"... قصة دولت فهمي وجمعية "اليد السوداء" المصرية

الأحد 10 مارس 201904:44 م
عام 1919، منعت سلطات الاحتلال الإنكليزي حزب الوفد المصري بقيادة سعد زغلول من السفر إلى مؤتمر الصلح الذي عُقد في باريس، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، لعرض قضية استقلال مصر، ونفتهم إلى مالطا، فاندلعت ثورة عارمة شهدت نشاطاتها تشكيل عدة جماعات وتنظيمات سرية لمناهضة الاحتلال، كتشيكلات ضمن ما عُرف بـ"الجهاز السرّي" للثورة. وكانت "جمعية اليد السوداء" أشهر هذه الجماعات بسبب دورها في حشد المصريين أثناء الثورة، وتهديد كل مَن يتعاون مع سطات الاحتلال بالقتل، وبسبب اشتهار قصة النهاية المأساوية التي لقيتها إحدى عضواتها، عندما قتلها أهلها على خلفية اعترافها بأنها على علاقة غير شرعية بأحد أعضاء الجمعية، للحيلولة دون وصول جهات التحقيق إلى باقي أعضاء الجهاز السري. فما قصة هذه السيدة؟

محاولة اغتيال وزير الأشغال

في أحد أيام عام 1920، ألقى عبد القادر محمد شحاتة قنبلة على وزير الأشغال محمد شفيق باشا، أثناء مرور موكبه في ناحية غمرة بالقاهرة، وفرّ هارباً إلى إحدى الخرابات حيث قام بتغيير ملابسه للتمويه، ومشى في طريقه كأي مواطن عادي، حتى وجد صديقاً كان ينتظره في شارع النزهة. لم يكن هذا العمل بداية مشاركته في الثورة، فقد سبق أن أشعل احتجاجات في المنيا في صعيد مصر بمنشورات وزّعها هناك، وأصدرت سلطات الاحتلال البريطاني بحقه حكماً بالإعدام بالرصاص لم يُنَفَّذ إذ هرب بمساعدة حكمدار المنيا خليل حافظ الذي تحدّى قرار البريطانيين. ويروي مصطفى أمين في كتابه "الكتاب الممنوع/ أسرار ثورة 1919"، أن شحاتة وزميله وجدا مدرسة للفتيات، فدخلا إليها وشعرا بأن البوليس يحيط بها، ولكن ناظرة المدرسة أخذت منه مسدساً كان يحمله وأخفته، وعندما وصل حكمدار العاصمة توماس راسل وقوات الأمن وفتشوه لم يجدوا بحوزته شيئاً. قُبض على الشابين، ووُضعا في السجن، وتعرّف وزير الأشغال الذي نجا من الحادث ومدير مكتبه حسين سري على شحاتة، وفي التحقيق معه قال: "إنني الذي ألقيت القنبلة لقتل محمد شفيق باشا لأنه قبل منصب وزير الأشغال بعد استقالة إسماعيل سري باشا، بعد أن رفض أي مصري أن يقبل هذا المنصب". وبحسب أمين، كانت السلطة العسكرية البريطانية تريد إثبات أن الحادث مؤامرة كبيرة، وتبحث عن شركاء، وتحاول معرفة قادة الجهاز السري، لذا كان المحققون يحاصرون شحاتة، ليعرفوا أين كان يبيت.

دولت فهمي وإنقاذ الجهاز

انضم شحاتة إلى التنظيم السري لثورة 1919 بواسطة شخص كان اسمه الحركي "فهمي"، تبيّن بعد ذلك أنه يُدعى عبد الحي كيرة، وأنه هو مَن أوكل إليه مهمة اغتيال وزير الأشغال محمد شفيق باشا. لو اعترف شحاتة بمكان مبيته قبل تنفيذه هجومه، لعرف الإنكليز الكثير عن بقية أعضاء التنظيم. وبينما كان يفكّر في إجابة لحماية "رفاقه"، تلقى رسالة من خارج السجن تفيد بأن سيدة اسمها دولت فهمي، تعمل ناظرة في مدرسة الهلال الأحمر، ستتقدم للشهادة، وتقول إنه كان يبيت عندها، وإنه يجب أن يدلي بنفس الحكاية، رغم أن هذا يسيء إلى سمعتها وسمعته، حسبما روى أمين. وعندما استدعى النائب العام توفيق رفعت باشا شحاتة مجدداً للتحقيق سأله عن مكان مبيته، وكان يتصور أن هذا السؤال هو الخيط الذي سيؤدي إلى كشف الجهاز كله، فأجاب وهو يُظهر الخجل: "كنت أبيت عند السيدة دولت فهمي، ناظرة مدرسة الهلال الأحمر". وعلى الفور، أصدر النائب العام أمراً بالقبض على دولت فهمي، فجاءت إلى النيابة مكبلة بالحديد، ودخلت إلى غرفة النائب العام، واندفعت باتجاه شحاتة، وقبلته وقالت له: "يا حبيبي! يا حبيبي!"، وأفادت بأنه عشيقها وكان يبيت في بيتها. ذُهل النائب العام والحكمدار ووكيل الحكمدار، وحاول الإنكليز أن يغروا السيدة لتمتنع عن هذه الشهادة وتنكر معرفتها بشحاتة الذي كان يبلغ من العمر 21 سنة، إلا أنها رفضت رفضاً باتاً رغم جميع التهديدات التي وُجهت لها، ففشلت السلطات العسكرية البريطانية في معرفة باقي أعضاء الجماعة السرية. حكمت المحكمة العسكرية البريطانية على شحاتة وعلى صديقه عباس حلمي بالإعدام شنقاً، ولكن بعد ذلك استُبدل الحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة، أمضى أربع سنوات منها في سجن طره إلى أن أفرج عنه سعد زغلول في 11 فبراير 1924. وبحسب أمين، لم يرَ شحاتة السيدة دولت فهمي منذ أن قبّلته في غرفة النائب العام. وعندما خرج، بحث عنها في كل مكان، وسأل عنها "رفاقه" فطلبوا منه ألا يسال عنها مرة أخرى، لكنه أصرّ وتابع بحثه فعلم أن أهلها في المنيا قتلوها عندما سمعوا برواية مبيتها معه، في "جريمة شرف".

"اليد السوداء"

قُتلت "فهمي" دون أن يعلم أهلها وقتئذ أنها أنقذت الجهاز السري للثورة والذي كان بقيادة عبد الرحمن فهمي، الساعد الأيمن لسعد زغلول، وارتبط اسمه بجمعيتين سريتين هما "اليد السوداء" التي كانت تنتمي إليها دولت و"الانتقام".
نهاية مأساوية لشابة قتلها أهلها في "جريمة شرف" عام 1920، بعدما علموا بأنها شهدت في محكمة بأنها على علاقة غير شرعية بشاب، في كذبة كان هدفها حماية "الجهاز السري" لثورة 1919 المصرية... قصة دولت فهمي
صفحات من تاريخ ثورة 1919 المصرية... قصة الشابة دولت فهمي وجمعية "اليد السوداء" التي ضمّت رافضين لوجود الاحتلال الإنكليزي، بينهم طلبة من أبناء كبار الساسة كانوا يضعون رسائل تهديد في مخادع آبائهم
وتذكر الدكتورة سامية محمد عبد الرحمن الشرقاوي في كتابها "الجمعيات السياسية والاجتماعية والدينية ودورها في المجتمع المصري/ 1882-1936"، أن الجهاز السري كان يتكوّن من هيئة رئيسية لها فروع، وكان لكل عضو من أعضاء الهيئة أن يتصل بشخص واحد ليؤسس خلية من شخصين، وكل ذلك بسرية تامة كي لا يعرف أحد، حتى الأعضاء، هيكلية الجهاز. وتضيف أنه في جمعية اليد السوداء، كانت توجد لجنتان (مستعجلة وتنفيذية) تتوليان مهمة كتابة منشورات سريعة بأمر من عبد الرحمن فهمي. وتشير إلى أنه "من أشدّ المنشورات تحدياً ذلك الذي وجهته اللجنة المستعجلة للسلطان أحمد فؤاد وحدد معسكر الثوار بالشعب والأمة، والمعسكر المضاد بالإنكليز والسراي ورجال المعية (الحاشية) الأفاقين". وكان هدف الجمعية التي تكوّنت سنة 1919 "إثارة الرأي العام، وإتلاف الأشياء بحيث تكلف الحكومة نفقات كبيرة، وإرسال خطابات التهديد إلى السياسيين" المتعاونيين مع الإنكليز، وجمع الأموال اللازمة للإضراب، وتعليق منشورات تدعو للانتقام من الجنود البريطانيين. أرسلت الجمعية تهديداً حمل توقيع "اليد السوداء" إلى وزير الأشغال إسماعيل سري باشا حذّرته فيه من الموافقة على مشروعات الري الإنكليزية تحت طائلة الموت. ولهذا شُدّدت الحراسة على الوزير. ووصل إلى المكلّف بتشكيل حكومة، يوسف وهبة باشا، خطاب تهديد مكتوب بالحبر الأحمر وعليه صور مدافع وكلمة فدائيين ورمز اليد السوداء. وتعرّض محمد سعيد باشا لمحاولة اغتيال عندما قبل بتشكيل حكومة. فقد كان الجهاز السري يحاول منع المصريين من قبول هذا المنصب ويصنّف مَن يقبله "خائناً". ولأن ثورة 1919 قامت على الإضراب العام، هددت لجنة الدفاع الوطني في جمعية اليد السوداء الموظفين الذين يذهبون إلى عملهم بالقتل بتهمة الخيانة، كما هددت أصحاب الحوانيت بنفس المصير إنْ لم يُضربوا ويُغلقوا حوانيتهم. ولم تقتصر عضوية "اليد السوداء" على أبناء الشعب الرافضين لوجود الاحتلال الإنكليزي، بحسب الشرقاوي، وإنما تغلغلت داخل أوساط صُناع القرار حتى دخلت بيوتهم. وبحسب الشرقاوي، "تكوّنت فرقة من الطلبة من أبناء كبار الساسة لإصدار المنشورات ووضعها في مخادع آبائهم، وحين تخاذل بعض الساسة أصدر الشباب منشوراً باسم اليد السوداء يهددهم بالموت". تسبّب نشاط "اليد السوداء" بصداع لسلطات الاحتلال والمتعاونين معها، فصدرت أحكام بالسجن ضد مواطنين أغلبهم من الطلبة بسبب تعاونهم مع الجمعية.

جمعية الانتقام

أما في ما خصّ جمعية الانتقام، يذكر عبد الرحمن الرافعي في كتابه "ثورة 1919/ تاريخ مصر القومي 1914-1921" أن السلطة العسكرية البريطانية اتهمت في مايو 1920 عبد الرحمن فهمي و27 شخصاً بأنهم أعضاء في الجمعية كما اتهمتهم بالسعي إلى خلع السلطان وقلب حكومته والتحريض على العصيان والقتل. وحوكم المتهمون أمام محكمة عسكرية بريطانية عليا مؤلفة من خمسة ضباط أصدرت حكماً بالإعدام على فهمي وعدد من رفاقه، قبل أن تُعَدّل الأحكام إلى السجن مع الشغل لمدة 15 سنة، كما حكمت على آخرين بالسجن وبالغرامات. وبعد إلقاء القبض على فهمي، تولى أحمد ماهر باشا قيادة الجهاز السرّي. واستمر العمل العسكري للثوار لسنوات قادمة، ففي عام 1924، اغتالوا سردار الجيش البريطاني في السودان السير لي ستاك، أثناء زيارته للقاهرة. ولكن لاحقاً توقف هذا النشاط بسبب تغيّر الظروف السياسية وبسبب تمكّن الإنكليز من تفكيك جزء كبير من الجهاز. أما المتهمون المحكومون بالسجن، فقد أُفرج عن بعضهم سنة 1923 في عهد وزارة يحيى إبراهيم، بحسب الرافعي، بينما أفرج عن معظم الباقين، ومنهم فهمي، بعفو سنة 1924 في عهد وزارة سعد زغلول.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard