عن الإباحيّة والإيحاءات الجنسيّة في الأغاني العربيّة

السبت 9 مارس 201905:25 م
قلّة على الغالب، وهي تستمع إلى فيروز تغني من كلمات وألحان الأخوين الرحباني "يا إمي ما بعرف كيف"، تقف عند المقطع الآتي وتتمعّن فيه: "يحكي ويحكي وصرت إسمعله، والحكي شو كان طايعله، صاروا الزنابق حدنا يعلوا، ولو ضل كان الورد غطاني". المقطع قد يمرّ مرور الكرام، إذا لم يُترجم بمشهديته التي أراد لها كاتباها أن تكون مشفّرة في غوايتها. فنحن أمام امرأة مأسورة بحديث رجل، سرعان ما يطرحها أرضاً (صاروا الزنابق حدنا يعلوا)، ويمكن للخيال المغطى بالورود أن يكمل المشهد. هذه واحدة من الأغنيات الذكية التي تحمل إيحاءات جنسية "راقية" تختبئ في قلب المعنى، وتطل برأسها بخفر. مثلها لدى فيروز "فايق يا هوى"، حينما "راحوا أهالينا مشوار، تركونا وراحوا وقالوا أولاد صغار"، وما إن فرغ البيت لفيروز وحبيبها، حتى "دارت فينا الدار ونحنا أولاد صغار، والهوى جمعنا، وفرقنا الهوى". قد يبدو هذا الإيحاء ضعيفاً في المقارنة مع ثالث حاكه، بخيط خفيّ، قطبة بقطبة العبقري سعيد عقل في أغنية "مشوار": "وقالوا شلحلي ورد عَ تختي وشباكنا بيعلاه، وشو عرفوا أيا تختي أنا وأيا تخت اختي؟ بيلفقوا أخبار". وإذا كانت هذه قطبة مخفية في المقطع الأول من الأغنية، فإنه يحلها ويفككها عندما يقول في المقطع الثاني: "وقالوا غمرني مرتين وشدّ، شوفوا الكذب لوين، مرة منيح، تنين؟ ولا ردتوا إيدي ولا هو ارتد... شو بيفضحوا أسرار!".
لا نفضح سراً إذا قلنا هنا أن هذه الأغنية تحمل إيحاءات جنسية واضحة، بأسلوب ذكي وأنيق، يتحايل على المتلقّي ويترك له الخيار في تقرير وجهة الأغنية واستقرارها الأخير في ذهنه. ويجب أن لا ننسى "أمي نامت عَ بكير وسكر بيي البوابة" وهروب فيروز من الشباك وذهابها إلى "عيد العزابي"، لتنتهي إلى مخاطبة حبيبها بالتورية: "يا ورد العايق بالطول وبتضل بحالك مشغول، شوكك بثيابي علّق، هلق لأمي شو بقول، شو بقول لأمي هلق... علّق شوكك بثيابي". بيد أن أغنيات أخرى شرقية، تذهب أبعد في الإغراء والإفصاح عن الإيحاء الجنسي. فها هي الآنسة أم كلثوم تعلن في بداياتها (عام 1926): "الخلاعة والدلاعة مذهبي من زمان أهوى صفاها والنبي". والآنسة إياها، وقد صارت سيدة، تغني من ألحان محمد عبد الوهاب "هذه ليلتي"(كلمات جورج جرداق)، ولو أن هذه الأغنية لا يمكن ضبطها متلبّسة بالإيحاء الجنسي المشهود إلا أنه لا يمكن تخيّلها من دون احتكاك جسدي، لكثرة ما هي مشبّعة بالإغراء: "وليكن ليلنا طويلاً طويلًا، فكثير اللقاء كان قليلًا"، و"املأ الكأس بالغرام وهات"، و"تعال أحبك الآن أكثر"، و"هذه ليلتي فقف يا زماني". ومن ليلة أم كلثوم إلى ليلة أحمد منيب مع السمراء في "الليلة يا سمرا" (أعاد غناءها محمد منير) حيث يأخذنا في مركب مع بنت (عارية؟) "قالت فستاني منشور على الشط الثاني".
والحال أن هذه الأغنيات كلها، تتأرجح بين شطيّن، ولا تغرق تماماً في قعر البذاءة، وقد لا تخدش حياءً، ولا تحمل المستمعين على الاستفظاع، كما قد تفعل أغنيتان إباحيتان لـسيد مكاوي، يؤديهما على الغالب تحت تأثير الحشيش، الأولى يشترك فيها مع عمار الشريعي في السخرية من أغنية محمد عبد الوهاب "لما أنت ناوي تغيب على طول"، ويستبدلان كلامها بكلام إباحيّ مفاده أن "أحب أشوفك وإنت وموطي وأحطه فيك عشرين سنتي"، مترافقاً مع اللحن الذي وضعه عبد الوهاب في جلسة على العود. ولا تستقر هذه الأغنية عند الإباحية، بل تنزلق أكثر نحو الاستهزاء بالموسيقار محمد عبد الوهاب، وقد يرى فيها البعض تنمّراً يطال المثليين جنسياً. لكن لا بدّ هنا من الإشارة إلى أن هذه الأغنية سُجلت في جلسة خاصة، وهي لم تكن معدة للنشر، بل انتشرت في السنوات الأخيرة مع تحميلها على موقع يوتيوب من قبل أحدهم. أما الأغنية الثانية فيشتم فيها مكاوي أم أحدهم ببذاءة، في لحن طربيّ جميل على عوده، ويقول عنها "حليوة وفاشخة رجليها"!
المقطع قد يمرّ مرور الكرام، إذا لم يُترجم بمشهديته التي أراد لها كاتباها أن تكون مشفّرة في غوايتها. فنحن أمام امرأة مأسورة بحديث رجل، سرعان ما يطرحها أرضاً (صاروا الزنابق حدنا يعلوا)، ويمكن للخيال المغطى بالورود أن يكمل المشهد.
لا نفضح سراً إذا قلنا هنا أن أغنية "مشوار" لفيروز ومن كلمات سعيد عقل تحمل إيحاءات جنسية واضحة، بأسلوب ذكي وأنيق، يتحايل على المتلقّي ويترك له الخيار في تقرير وجهة الأغنية واستقرارها الأخير في ذهنه.
تغني أم كلثوم من ألحان محمد عبد الوهاب "هذه ليلتي"، ولو أن هذه الأغنية لا يمكن ضبطها متلبّسة بالإيحاء الجنسي المشهود إلا أنه لا يمكن تخيّلها من دون احتكاك جسدي، لكثرة ما هي مشبّعة بالإغراء.حسناً، في زمن "بوس الواوا" لهيفا وهبي، و"واوا أحّ" لدومينيك حوراني، و"هي تصرخلي شيلو شيلو شيلو" لجو أشقر و"غول فوتت الغول" لميريام كلينك وجاد خليفة... وسواها من الأغنيات التي يؤديها "مغنون" في فيديو كليبات إباحية على وقع ألحان رخيصة، لا تعدو هذه الإضاءة على إباحية بعض عظماء الأغنية العربية، سوى تكسّر للنصال على النصال. ودائماً مع المتنبي، عزيزي القارئ، بقليل من التصرف: "أنتَ الغريق... فما خوفك من البلل؟".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard