معلّم الأنبياء وناصحهم وساعي بريد الرب: الملاك جبريل في المعتقد الإسلامي

السبت 16 آذار 201903:37 م
يحتلُّ جبريل مكانة بارزة في نفوس المسلمين، ولا عجَبَ في ذلك فهو في المعتقد الإسلامي المَلَك الأعظم، وناقل الوحي ومِرسال تدفّق الأوامر الإلهيّة من السماء إلى نَفْس الرسول في مكة أو المدينة، على يديه بدأت الرسالة في غار حرّاء وعلى يديه انتهت بعدما استأذن منه أن يُدخل عليه مَلَك الموت لحظة وفاته. تُفسح الروايات التاريخيّة مكاناً كبيراً للدور الذي لعبه جبريل في حياة الرسول، ليس من الجانب الديني وحسب، بل تجاوزه لأمور شخصيّة أيضًا فهو إن مَرِضَ تنزّل عليه ليرقيه، وإن رغب في الزواج ببكرٍ نصحه بعائشة، وإن قرّر تطليق امرأته حفصة راجعه في ذلك لأنها "صوّامة قوّامة"، وإن باغته إبليس في بدر ليساند المشركين يظهر فوراً مُعَضِّداً صفوف المؤمنين، وإن تعرّض لسحرٍ أمرضه أرشده لمكانه كي يفكّه ويتعافى. وغيرها من الحكايات التي أظهرت تطوّر العلاقة بين النبي و"صاحبه"، إلا أن هذه البطولة الجبريليّة لم تكُن مقتصرة على الرسول فقط ولا على نصرة دعوة الإسلام وحدها وإنما تشعَّبت لِمَا هو أكثر. [caption id="attachment_188103" align="alignnone" width="1000"] مخطوطة فارسية تعود للنصف الثاني من القرن السادس عشر تُظهر صعود النبي محمد للسماء (وقد غُطي وجهه) وهو راكبٌ على البراق أثناء الإسراء والمعراج ويظهر على الجزء الأيمن جبريل وهو ووفقاً للعقيدة الإسلامية الملاك الذي رافق النبي في رحلته من مكة إلى القدس خلال نفس الحادثة. تظهر المخطوطة بألوان مائية غير نافذة وقد استخدم الذهب في رسمها، المخطوطة موجودة الآن ضمن مجموعة متحف الفنون الجميلة في سان فرانسيسكو[/caption] أفسحت كتب التاريخ الإسلامي بعض جنباتها لأدوارٍ مهمّة ظهر فيها تأثير جبريل حاسماً لمساندة دعوة رُسلٍ آخرين بدأت من آدم وانتهت بعيسى، هذه المحاولات بدأ الحديث عنها مبكّراً جداً حتى أنها تزامنت مع لحظة الوحي ذاتها. فيروي ابن كثير في "البداية والنهاية"، أن خديجة لمَّا أبلغها النبيُّ بظهور جبريل له بغار حرّاء، سألت اثنين، أولهما عبدٌ صالحٌ لعتبة بن ربيعة اسمه عَدَّاس أخبرها أن مَن تجلّى لزوجها "كَانَ مَعَ مُوسَى حِينَ أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، وَكَانَ مَعَهُ حِينَ كَلَّمَهُ اللَّهُ عَلَى الطُّورِ، وَهُوَ صَاحِبُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ الَّذِي أَيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ"، وبعدها لجأت لورقة بن نوفل الذي وصفه بأنه "صاحب الأنبياء" وأضاف "لَئِنْ كَانَ جِبْرِيلُ قَدِ اسْتَقَرَّتْ قَدَمَاهُ عَلَى الْأَرْضِ لَقَدْ نَزَلَ عَلَى خَيْرِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَمَا نَزَلَ إِلَّا عَلَى نَبِيٍّ". العناية بتحقيق وتقديم هذه اللحظات تبدو كمحاولة لتأسيس علاقة طرديّة بين طرفين بُني عليهما الدين، كلما أغدقنا في إطراء أحدهما لمَعَ قَدْر الآخر بدوره؛ لمنح المزيد من التكريم للنبي في الكتابات اللاحقة للرسالة، والمزيد من المصداقيّة لدعوته خلال فترة بدء الجهر بالبعثة، فإن كان جبريل ناصِر الرُسُل وحامل مفاتيح الكَلِم السماوي اختار أن يظهر لمحمدٍ في الغار، فلابدّ وأنه "خير أهل الأرض" كما وصفه ورقة، نبي مُصدَّق من الأعالي، برسالة عظيمة واجبة الاتباع. وكلما تمَّ الإمعان في توثيق جلال العلاقة بينهما، نالت الرسالة حظوة أكبر وسط غيرها من الرسالات السابقة، وبهذا يظهر الطموح في ألا يقتصر دور المرويّات فقط على الجانب الدعوي لمغازلة أتباع الأنبياء الآخرين، أو حتى لاجتذاب المزيد من المُتَّبعين والمُنتمين، وإنما تتمدّد لغرضٍ أسمى يُساعد في تأصيل فكرة تقديم الإسلام خطوة على جميع الأديان السابقة، وأنه وحده "الدين عند الله".
جبريل في المعتقد الإسلامي هو المَلَك الأعظم، وناقل الوحي ومِرسال تدفّق الأوامر الإلهيّة من السماء إلى نَفْس الرسول في مكة أو المدينة، على يديه بدأت الرسالة في غار حرّاء وعلى يديه انتهت بعدما استأذن منه أن يُدخل عليه مَلَك الموت لحظة وفاته.
في المعتقد الإسلامي، لعب جبريل دوراً مؤثراً اللحظة الأخيرة لوجود المسيح على الأرض، حين أشار عليه الروح القُدُس أن يحتمي ببيت رفعه جبريل من داخله إلى السماء ونجّاه من الموت.

يبني الكعبة مع آدم

بعد صدمة الطرد القاسية من الجنة ونزوله الأرض، عَلَت الكآبة آدم وأحاطت به البَلِيّة، يقول ابن عساكر في كتابه "تاريخ دمشق"، إن جبريل ظهر له بينما كان "يبكي واضعاً راحته على جبينه" وما أن رآه حتى شكى له تحوله "من ملكوت السماء إلى هوان الأرض"، فعاد جبريل إلى الله وأخبره بمقالة عبده الأول، فأمره أن يزفَّ له البُشرى "يا آدم قد سبقت رحمتي غضبي قد سمعت صوتك وتضرّعك ورحمت بكاك وأقلتك عثرتك"، وكان هذا الموقف أحد تفسيرات ماهية "الكلمات" التي نالت لآدم الرحمة في قوله "فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ" (سورة البقرة: الآية 37). ينقل محمد النجار في كتابه "القول المبين في سيرة سيّد المرسلين"، عدّة فرضيات بشأن صاحب أول بناء للكعبة، منها أن آدم هو أوّل من قام بهذه المهمّة بمساعدة من جبريل، مستدلّاً بذلك بحديث منسوب للنبي بأن الله بعث جبريل إلى آدم وحواء وأمرهما أن يبنيا له بيتاً خطَّ له حدوده بنفسه، فأطاعاه و"جعل آدم يحفر وحواء تنقل التراب"، وبعدما انتهيا أوحى الله لهما بأن يطوّفا به. بعد ذلك يجمع جبريل وآدم والكعبة موقف آخر أورده النويري بكتابه "نهاية الأرب في فنون الأدب" بأن الأوّل هبط للثاني "وكساه ثوباً أبيض لإحرامه، وطاف به وعرّفه المناسك، وأمره أن يطوّف بالبيت سبعاً". أوّل مرّة ارتدى فيها أبو البشر ثياباً، وأوّل مرّة زرع، وأوّل مرّة أكل خبزاً كانت أيضاً بوحي من أبي الملائكة، يروي ابن الجوزي في كتابه "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" عن ابن عباس أن جبريل أتاه وأمره بـ"جزّ شاة" ولمّا فعل غزلت حواء جلدها عباءتين لها ولزوجها، ويضيف الطبري في "تاريخه" أن آدم لما جاءه الجوع استطعم ربه فتنزّل عليه جبريل بـ7 حبّات حنطة علّمه كيفيّة زراعتها حتى طرحت، فعلّمه كيف يحصدها وكيف يجمعها وكيف يطحنها، ثم أوقد له ناراً أنْبَتَها عليه فكان "أوّل مَن خَبَز". وعندما مات آدم أمَّ جبريل الملائكة في صلاته عليه أربع ركعات، حسبما روى السيوطي بكتابه "الحبائك في أخبار الملائك". 

يصنع «الفُلك» مع نوح

يحكي "النويري" أن أول من بشّر نوح بالنبوّة والرسالة هو جبريل، وأنه شجّعه أن يكون إعلانه الأول وسط أحد أعياد قومه الرسميّة بأحد الأصنام، ليستغلّ فرصة احتشادهم جميعاً، وعلى رأسهم الملك، ليدعوهم لعبادة الله. وفي إطار تعرّضه لتفسير قوله "اصنع الفلُك بأعيننا ووحينا" (هود: آية 37)، يؤكد الشنقيطي في كتابه "العذر النمير في مجالس التفسير" أن المُعلِّم الأوّل لصناعة هذه السفينة التاريخيّة كان جبريل، وأن تلميذه الأوّل كان نوح، ويصدّق مرتضى الزبيدي في كتابه "تاج العروس" على وجهة النظر هذه عبر الاستشهاد بحديث شريف يقول " كان رازَ (رئيس البناء) سَفينةِ نُوحٍ جِبريلُ". وتعطيه الثقافة اليهوديّة الشعبيّة دوراً أكبر من عملية البناء، بأنه كان الصوت العظيم الذي كان يأمر نوح بأن يجمع الحيوانات في سفينة قبل الطوفان العظيم.

يُفجِّر «زمزم» لهاجر

يروي "الطبري"، أنه بينما تجمّع قوم إبراهيم عليه ليقتلوه، فوقفوا يربطونه تمهيداً لإلقائه في النار، جاءه جبريل وسأله "يا إبراهيم ألك حاجة"، فرفض أبو الأنبياء، ولو في شِدّته، أن يتعلّق قلبه باحتياج لغير الله فأجابه "أما إليك فلا"، هذه القصّة جاءت بشكل مشابه في التلمود الذي منح جبريل لقب "أمير النار" لقاء دوره في إنقاذ إبراهيم. وفي تفسير الجلالين لقوله "ونبئهم عن ضيف إبراهيم" (سورة الحجر: الآية 52)، شُرح أن الضيوف هم 12 ملاكاً منهم جبريل وفدوا عليه وبشَّروه بالولد وبهلاك قوم لوط، وهي قصّة يوجد لها أخرى موازية شديدة الشبه في الإصحاح الـ18 من العهد القديم، باختلاف تفاصيل بسيطة. في حديث نقله أبو الحسن الدارقطني في "سننه" وصف النبي به ماء زمزم بأنه "هزمة جبريل، وسقْيا إسماعيل"، وهو ذات المعنى الذي تكلّم عنه الرسول في حديث آخر نقله ابن حبان في صحيحه بأن جبريل "ركض زمزم بعقبه" فتفجّرت المياه وأخذت أم إسماعيل تجمّعها خوفاً من أن تضيع عليها، وهو ما عقّب عليه النبي قائلاً "رحِم اللهُ هاجَرَ لو ترَكَتْها كانت عَيناً مَعيناً". كما يروي الفاكهي بكتابه "أخبار مكة"، أن جبريل أظهر لإبراهيم موضع أنصاب الحرم فنصبها من جديد. ويضيف شعيب الأرناؤط في تخريجه لـ"مسند أحمد"، أن جبريل علّم إبراهيم مناسك الحج وتنقّل به إلى جمرة العقبة ومِنى حتى انتهت بلغوا جبلاً سأله فيها "هل عرفت؟" فأجابه "نعم" فتم تسميته من يومها وحتى الآن بـ"عَرَفة". ويحكي ابن الجوزي في كتابه "مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن" عن الاختبار المريع الذي تعرّض له إبراهيم بعدما رأى أنه يذبح ولده بنفسه، وبينما أقبلت على إبراهيم اللحظة الصعبة وسط نحيبه، و"أمَرَّ السكين على حلق" ولده فانقلبت، ثم نُودي بغتة "يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا.. هذا فداء ابنك"، فنظر جواره ليجد جبريل معه كبش أملح فذبحه، فنشأت عادة الذبح من يومها وإلى اليوم.

يمنع فرعون موسى من التوبة

يحكي التلمود، أنه حين حاولت وصيفات ابنة الفرعون ثنْيها عن إنقاذ موسى بعدما ألقته أمه في النهر تصدّى لهنّ جبريل، كما أنه هو مَن علّمه بعدها حين كبر كيف يصنع الشمعدان السباعي الذي يُعد أحد رموز في الديانة اليهوديّة. ينقل الترمذي في "سُننه" حديثاً عن الرسول ذكر فيه أن جبريل كان "يدسُّ في فِي فرعون الطين خَشْيَةَ أن يقولَ لا إله إلا اللهُ فيَرْحَمَهُ اللهُ" ويضيف له موجز دائرة المعارف الإسلاميّة في مقالة عنه، أن جبريل أعان جبريل موسى على سحرة مصر، وظهر عند خروج بنى إسرائيل من مصر، على "رمكة بيضاء" ليحضّ المصريين على خوض البحر الأحمر كي تطبق عليهم أمواجه ويموتون من خلفه، ويأمن موسى وقومه خطرهم.

هذا ولدك يا يعقوب

بعدما فقد النبي يعقوب ولديه يوسف وبنيامين تقوّس ظهره من الحزن وعميت عيناه من البكاء فجاءه جبريل مبشّراً إيّاه برسالة من الله "أبشرْ وليفرحْ قلبك" حسبما أورد السيوطي في كتابه "جامع الحديث". وبحسب التلمود، فقد تولّى جبرائيل تعليم النبي يوسف اللغات السبعين الموجودة في العالم آنذاك، فيما يحكي محمد الأمين الهرري عن يوم "البُشرى وفرح القلب" في تفسيره للقرآن، بأن يعقوب لما توجَّه بأهله جميعاً إلى مصر بناءً على دعوة يوسف الذي وقف مستقبلاً إيّاه في موكب مهيب مؤلّف من آلاف الجنود والفرسان. ظهر جبريل ليعقوب فسأله "أيُّهم ولدي يوسف؟ "فقال جبريل: "هو ذاك الذي فوق رأسه ظلّة"، فمشى إليه ومشى نحوه يوسف حتى "تعانقا وبكيا سروراً، وماج الفرسان بعضهم في بعض، وصهلت الخيول وسبَّحت الملائكة، وضرب بالطبول والبوقات، فصار كأنه يوم القيامة". كما ينقل مكي ابن أبي طالب في كتابه "الهداية إلى بلوغ النهاية" رواية أنس بن مالك، أنه لمّا عاد يوسف ليعقوب واجتمع شمل الأسرة بكاملها، طالب إخوة يوسف من أبيهم ليصلّي بهم ويدعو لهم الله كي يتجاوز عنهم، وهو الصفح الذي تأخر 20 عاماً كاملة نزل بعدها جبريل بعدها ليقول "الله بعثني إليك أبشِّرك بأنه قد أجاب دعوتك في ولدك، وإنه عفا عما صنعوا".

يُفسّر رؤيا دانيال

ظهر جبريل لـ3 بشر فقط في الكتاب المقدّس، أوّلهم هو النبي دانيال الذي تجلّى له بعد أن حلم برؤيا محيّرة تتعلّق بنبوّته فأتاه مفسِّراً وإن تأخر قليلاً في الوصول إليه بسبب "رئيس مملكة فارس" (دانيال 1: 13) الذي أعاقه عن بلوغ دانيال وتفسير حلمه 21 يوماً كاملة. ودانيال في الثقافة الإسلاميّة هو نبي قليل الشهرة لا ترد عنه الكثير من الأخبار إلا من أن المسلمين لما فتحوا مدينة "تستر" الإيرانية كان قد مات، ودفنه قومه في تابوت وأخذوا يتباركون به، فأمر بن الخطاب بأن يُدفن جسده سرّاً، وأن "يعمّوا على قبره الناس" كي لا يفتتنوا به.

صاحب نفخة عيسى

في محاضرة له شرح الشيخ محمد صالح المنجد تفصيليّاً في محاضرة له، أن جبريل ظهر لمريم وبشّرها بـ"كلمة" من الله، وكيف أنه نفخ نفخة من روح الله في جيب درعها، وهي فتحة الثوب التي تخرج منها الرقبة، وولجت النفخة في فرْجها فحملت بأمر الله. وفي تفسير البغوي للقرآن لقوله "وناداها من تحتها" (مريم: 24) ينقل قول ابن عباس بأن صاحب النداء هو جبريل، وطالبها بألا تخاف ولا تحزن، وطمأنها بأن الله جعل لها "سرياً" (النهر الصغير) يضيف ابن عباس بأنه تفجّر إثر ضربة قدم من جبريل على الأرض، ليتشابه هذا الموقف مع ما لاقته هاجر وابنها إسماعيل حين فجّرت نفس القدم بئر زمزم في وادٍ غير ذي زرع، إنقاذاً لحياة نبيّين وهما لا يزالان في المهد. يروي ابن كثير في "البداية والنهاية"، أن عيسى فرغ يوماً من أداء صلاته في بيت المقدس، وبينما كان في طريقه للانصراف اعترضه إبليس وراح يغويه قائلاً "إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَكُونَ عَبْداً" وأخذ يكرّرها بشكل آذى عيسى فاستغاث بربه الذي أرسل له جبريل وميكائيل وضرب الأوّلُ الشيطان بجناحه فقذفه في بطن الوادي. وحتى اللحظة الأخيرة لوجود المسيح على الأرض لعب بها جبريل دوراً مؤثراً، وفقاً لمرويّة ابن عباس، عن انعقاد نيّة ملك بني إسرائيل على قتل عيسى، أمره الروح القُدُس أن يحتمي ببيت رفعه من داخله إلى السماء ونجّاه من الموت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard