نساءٌ عرب تمرّدن على الأنظمة بحبر أقلامهن

الأربعاء 13 آذار 201906:57 م
كان محقاً المفكر اللبناني جبران خليل جبران حين قال: "ليس من يكتب بالحبر كمن يكتب بدم القلب"، ولعلّ الإبداعات "النسوية" في وطننا العربي خير دليلٍ على ذلك. ففي مجتمعاتنا التي تسودها الذهنية الذكورية وتحاصرها القوالب النمطية، خاصةً في ظل وجود جدار فاصل بين النساء والرجال، تحاول المرأة العربية جاهدةً إثبات نفسها وشق طريقها نحو الاستقلالية والهروب من واقعها الأليم نحو عالمٍ لا يحاكمها على أساس جنسها. وفي حين أن المرأة لا تملك السلاح المادي المتعارف عليه لفرض قوتها على الساحة الإجتماعية، إلا أنها تملك سلاحاً من نوع آخر: القلم الذي بواسطته تحرك الثورات وتقلب الأمور رأساً على عقب.

حبر الأوجاع

معلوم أن الكتابة حالة إنسانية تولد من الأوجاع والمعاناة، فمن عائشة تيمور وهدى شعراوي وصولاً إلى منى الطحاوي وجمانة حداد ونوال السعداوي، نساء كثيرات انخرطن في الفكر النسوي ولجأن إلى الكتابة علاجٍاً للشفاء، ومدخٍلاً للأحلام الكثيرة وللطموحات التي لا تعرف المستحيل، فتحولت أقلامهنّ إلى أداة مواجهة في "شريعة الغاب" وإلى صرخةٍ بوجه الظلم. وبمناسبة اليوم العالمي للمرأة، في ما يلي أبرز النسويات العربيات اللواتي كسرن الحواجز بأعمالهنّ المميزة وتحولن إلى مصدر إلهام للكثير من السيدات في مجتمعاتنا.

عائشة التيمور

تعتبر عائشة التيمور رمزاً للحركة النسوية وعنواناً لتمرد المرأة منذ الحقبة العثمانية. فقد كانت "عائشة" ناشطة اجتماعية، وشاعرة، وروائية رائدة للنهضة النسائية في الشرق، وقد أبصرت كتاباتها النور في الفترة التي كانت فيها العديد من النساء يُسلبن من حقوقهنّ الأساسية. ولعلّ أبرز أعمالها، كتاب: "مرأة التأمل في الأمور"، الذي صدر في العام 1892. فمن خلال بضع صفحات فقط، تعيد "التيمور" تفسير وشرح القرآن الكريم لمناقشة حقوق الرجال والنساء، وهي محاولة جريئة وتعتبر الأولى من نوعها من جانب امرأٍة مسلمةٍ، هذا بالإضافة إلى تناول موضوع العلاقات المتوترة بين الأزواج في العائلات المصرية ومحاولة تشخيص أسباب هذا التوتر.
تقارن "التيمور" بين المكتوب في القرآن والواقع، فتعتبر أن الذكور في عصرها لا يمتلكون من الرجولة إلا صورتها، كما أن الجهل قد أعمى بصائرهم بعد أن أعرضوا عن تلاوة هذه الآيات فضلاً عن تغيير معانيها.
"لماذا يخشى على الرجال من سلطة جاذبية النساء، أهناك افتراض يعجز الرجل عن إرضاء المرأة جنسياً، وبأنها نتيجة ذلك ستبحث عن رجال آخرين وتتسبب في الفوضى إذا ما توفرت لها الحرية؟". فاطمة مرنيسي
ومن أبرز الآيات التي تستند إليها "عائشة" في معرض دفاعها عن حقوق المرأة: "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم"، وعليه تعتبر الكاتبة أن قوامة الرجل تكمن في الحفاظ على المرأة وصونها. من هنا تقارن "التيمور" بين المكتوب في القرآن والواقع، فتعتبر أن الذكور في عصرها لا يمتلكون من الرجولة إلا صورتها، كما أن الجهل قد أعمى بصائرهم بعد أن أعرضوا عن تلاوة هذه الآيات فضلاً عن تغيير معانيها، مشددةً على أن القوامة ليست حقاً ثابتاً ومطلقاً للرجل، بل هي مشروطة بقيامه بالإنفاق وأداء المسؤولية المنوطة به، وبالتالي يمكن أن تنتقل القوامة إلى النساء في حال تقاعس الرجال عن القيام بمسؤولياتهم.

هدى الشعراوي

ولدت هدى الشعراوي في مصر، تحديداً في كنف "نظام الحريم" الذي كان يمنع النساء من حق التعلم. بالرغم من أن "الشعراوي" تلقت تعليمها في المنزل، استاءت من فكرة عدم السماح لها بالذهاب إلى المدرسة مثل أخيها، مما جعلها تُصاب بالإحباط وتكره حقيقة كونها أنثى مسلوبة الحريات.
أقدمت الشعراوي على نزع البرقع خارج محطة قطارات في القاهرة، أمرٌ شجع الكثير من السيدات على فعل الأمر نفسه
في عمر الـ13، أُجبرت على الزواج من قريبها الذي كان يكبرها بـ40 عاماً، إلا أنها لم تستسلم لقدرها، فالظلم الذي كان يلحق بالسيدات حثها على تنظيم محاضراتٍ تشارك فيها النساء لأول مرةٍ في الأماكن العامة. في العام 1923، أقدمت هذه السيدة المتمردة على نزع البرقع خارج محطة قطارات في القاهرة، وهو أمرٌ شجع الكثير من السيدات على فعل الأمر نفسه، ثم فتحت مدرسة مخصصة للبنات وأسست الإتحاد النسائي المصري. من أهم ما قامت به "هدى الشعراوي" في نضالها لإبراز دور المرأة في الحياة الاجتماعية هو إصدارها في العام 1925 مجلة "المصرية" بالفرنسية وباللغة العربية في العام 1937.

لطيفة الزيات

من خلال أعمالها الأدبية، اهتمت الروائية المصرية "لطيفة الزيات" بشؤون المرأة وقضاياها. تعتبر روايتها "الباب المفتوح" (1960)، التي فازت بأول دورةٍ عن جائزة نجيب محفوظ للأدب في العام 1996، وتحولت إلى فيلمٍ من بطولة فاتن حمامة وصالح سليم، الإنطلاقة الفعلية التي فتحت الطريق أمام الرواية الواقعية للكاتبات المصريات. فمن خلال هذه الرواية الشيّقة، اقدمت "الزيات" على تحرير المرأة واخراجها من الحياة الهامشية وجعلها لاعبة أساسية في الحياة السياسية والاجتماعية، من هنا اعتبرت الرواية من أهم الأعمال الأدبية النسوية، واختيرت ضمن أفضل مئة روايةٍ عربيةٍ. وقد حاولت "لطيفة" فضح ازدواجية المجتمع ونظرته الدونية إلى المرأة، من خلال بطلة روايتها "ليلى" التي تعيش وسط مجتمعٍ ذكوري يحمّلها الخطيئة لكونها أنثى: فالأب يطبق قواعد المجتمع الظالمة، والخطيب يعتبر نفسه وصيّاً على المرأة التي هي بالنسبة إليه مجرد مظهر اجتماعي، والأخ يتغنى بالمساواة ومع ذلك ينظر إلى أخته على أنها كائن أقل منه، أما حبيبها الأول فيعتبر المرأة جسداً فقط. وبالرغم من كل الصعوبات التي تواجهها، تتمكن البطلة في نهاية المطاف من أن تثور على واقعها وعلى أوجه "البطريركية" المختلفة، وينتصر بذلك الجزء المتمرد داخلها على الجزء الخاضع.

فاطمة مرنيسي

"ألا يمكن تصور كوكبٍ يكون فيه قوام الرجولة حناناً متدفقاً؟ رجال ينتحبون حين نفارقهم في الصباح، ويدندنون لنا قصيدة لنزار قباني عند المساء".
ألا يمكن تصور كوكبٍ يكون فيه قوام الرجولة حناناً متدفقاً؟ رجال ينتحبون حين نفارقهم في الصباح، ويدندنون لنا قصيدة لنزار قباني عند المساء
اهتمت عالمة الاجتماع المغربية "فاطمة مرنيسي" بالقضايا النسوية وبالمفاهيم الخاصة بالمرأة والتي سيطرت على أغلب كتاباتها. فقد ناقشت "مرنيسي" النظام "البطريركي" الذي يسيطر على حياة المرأة وإشكالية الجنسانية الأنثوية في المجتمعات الاسلامية الحديثة. ومن أبرز الكتب التي تناولت من خلالها مسألة تحرر المرأة: "تمرد المرأة والذاكرة الإسلامية"، إذ أكدت فيه أن التحرر هو في المقام الأول مسألة مادية وغير روحانية، وكتاب "ما وراء الحجاب الجنس كهندسة اجتماعية"، الصادر في العام 1975 والذي بحثت في الجزء الأوّل منه عن "هندسة" العلاقات الاجتماعية التي ساهمت في بناء الأسرة في المجتمع الإسلامي واستفراد الرجل بدور القيادة. بالاضافة إلى ذلك، ناقشت المفكرة المغربية الأدوار الجنسية للرجل والمرأة، مشيرةً إلى أن الخوف من المرأة وسجنها في صورة الفتنة والغواية ليس إلا خوفاً من جنسانيتها الفاعلة، وتساءلت:"لماذا يخشى على الرجال من سلطة جاذبية النساء، أهناك افتراض يعجز الرجل عن إرضاء المرأة جنسياً، وبأنها نتيجة ذلك ستبحث عن رجال آخرين وتتسبب في الفوضى إذا ما توفرت لها الحرية؟".

نوال السعداوي

"لا تحدث الثورات في الخفاء، الثورة والكتابة كلتاهما لا تعرف السرية... حطمي قفل الدرج وأكتبي في النور، إغضبي وثوري ولا تستكيني". تعتبر "نوال السعداوي"، المعروفة بلقب"سيمون دي بوفوار العرب"، من أكثر الكاتبات العربيات جرأةً في القضايا الجدلية التي تطرحها بخصوص المرأة، وفي طليعة الكاتبات النسويات في العالم العربي.
لماذا تتحجب المرأة ولا يتحجب الرجل؟ بالرغم من وجود شهوة لكل منهما؟
فبالرغم من كل التهديدات التي طالتها، بقيت "السعداوي" متمسكة بآرائها الرافضة للذهنية الذكورية وللأعراف التقليدية، واشتهرت بمحاربتها لظاهرة الختان، التي اعتبرت أنها "نتاج نظام أبوي". في العام 1972، نشرت كتاب "المرأة والجنس" كاشفةً عن الاعتداءات المختلفة التي تمارس على أجساد النساء، بما في ذلك الختان، واللافت أن هذا الكتاب كان من أسباب فصلها من وزارة الصحة. في سياق الدفاع عن المرأة وحقوقها، اشتهرت "السعداوي" بمواقفها المثيرة للجدل تجاه الدين، ورأيها المناهض للحجاب، واعتباره شكلاً من أشكال العبودية، متسائلةً: "لماذا تتحجب المرأة ولا يتحجب الرجل؟ بالرغم من وجود شهوة لكل منهما؟".

أحلام مستغانمي

لتكتب، لا يكفي أن يهديك احد دفتراً واقلاماً، بل لا بد أن يؤذيك أحد إلى حدّ الكتابة
"لتكتب، لا يكفي أن يهديك احد دفتراً واقلاماً، بل لا بد أن يؤذيك أحد إلى حدّ الكتابة". تعتبر "احلام مستغانمي" صاحبة أكثر الكتب مبيعاً في الوطن العربي. بدأت تجربتها مع كتاب "ذاكرة الجسد"، وهو الكتاب الذي تناولت فيه قضايا سياسية وطروحات جريئة، تعبر عن واقع المرأة الجزائرية. اشتهرت "مستغانمي" بكتبها التي تتجاوز الخطوط الحمراء، وبأفكارها الجريئة التي تجسد بشكل خاص المرأة المتمردة والساعية إلى كسر القيود المفروضة عليها.

جمانة حداد

"أوليست الكتابة موتاً قبل الموت؟ أو ليست قبل الانتحار، انتحار؟". لأكثر من مرة، اختيرت الصحافية اللبنانية "جمانة حداد"، واحدة من المئة امرأة عربية الأكثر نفوذاً في العالم. تعتبر "حداد" ناشطة في مجال حقوق المرأة ومؤسسة مجلة "جسد" المتخصصة في آداب الجسد وفنونه، ومن أبرز أعمالها: "عودة ليليت"، "سيجيء الموت وستكون له عيناك"، "هكذا قتلت شهرزاد"، "سوبرمان عربي"، "قفص" و"بنت الخياطة" التي، بحسب الناشر، تعد "ملحمة عائلية عن نساء ولدن قبل شعارات النسوية، وكن بطلاتها حتى وهنّ منكسرات: نساء لم يجدن في أثدائهن حليباً لإرضاع أطفالهن في شتات رحلة الآلام الأرمنية الفظيعة، نساء اغتصبن لافتداء بناتهن، نساء اجتهدن في الالتفاف على الحرب والجوع والفقر والذل، في حلب، وفي عنتاب، وفي القدس والشام وبيروت".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard