متسلّط، عنيد، مرتشٍ، مقامر وسكير... سعد زغلول بعيون إنكليزية

السبت 9 مارس 201909:15 م
"هذا الرجل أخطر من جميع مَن اعتقلتهم الإمبراطورية في مالطا منذ بداية الحرب، وأوصي بالقبض عليه فوراً ونفيه". جاءت هذه الجملة في رسالة أرسلها السير جوشوا مِلْن تيشتهام، نائب المندوب السامي البريطاني في القاهرة، إلى الحكومة البريطانية وطالب فيها بالإسراع في القبض على السياسي المصري سعد زغلول.

مَن هو سعد زغلول؟

سعد زغلول (1858 – 1927) هو زعيم مصري، ويُعَدّ أيقونة ثورة 1919 المصرية. ارتبط اسمه باستقلال مصر عن الإمبراطورية البريطانية التي احتلت البلاد لمدة 74 عاماً (1882 – 1956). نشأ زغلول في عائلة ثرية في قرية إبيانة، في محافظة كفر الشيخ حالياً، وكان والده عمدتها. تعلّم في الكتّاب ثم التحق بالأزهر عام 1873 وتتلمذ على يد الشيخ محمد عبده. يذكر المؤرخ والمستعرب ريتشارد لونغ أن زغلول استمدّ رؤاه السياسية من الجناح العلماني لا الديني في حزب الأمة الذي أسسه محمد عبده، وكانت نزعته القومية مبنية على مزيج من الفرعونية والعروبة وتضم الأقباط والمسلمين. اعتُقل زغلول عقب فشل الثورة العرابية (1879 – 1882) بتهمة الانتماء إلى رابطة قومية مصرية سرية تُدعى "جمعية الانتقام" وتسعى إلى إنهاء الاحتلال البريطاني. وبعد الإفراج عنه عمل لقرابة عقد في المحاماة، وعُيّن قاضياً لمدة 14 عاماً في محكمة الاستئناف. وكان يسعى إلى تحديث القانون العلماني والقضاء الشرعي. وبتوصية من الملكة نازلي صبري، وكان محاميها الشخصي، تعلّم زغلول الفرنسية ودرس في مدرسة الحقوق الفرنسية في القاهرة، وتعرّف في صالونها على الساسة الإنكليز. وعام 1896، تزوّج من صفية، ابنة رئيس الوزراء الموالي للإنكليز مصطفى باشا فهمي، فعيّنه الأخير عام 1906، بإيعاز من القنصل البريطاني العام حينذاك اللورد كرومر، ناظراً للمعارف (وزير تعليم)، ثم عُيّن ناظراً للحقانية (وزير عدل) عام 1910، ثم استقال من منصبه بعد صدام مع الخديوي عباس حلمي الثاني (1874 -1944) واتهامه بقضية فساد، وفقاً لريتشارد لونغ. بعد ذلك، انتُخب زغلول في الجمعية التشريعية عام 1913، لكن سرعان ما جرى حلها بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى. وبعد انتهاء الحرب، ذهب سعد زغلول برفقة صديقيه، العضوين السابقين في الجمعية التشريعية، وهما علي شعراوي وعبد العزيز فهمي، لمقابلة السير وينغايت، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، ليعرضوا عليه فكرة تشكيل وفد للذهاب إلى مؤتمر الصلح في باريس، لعرض المسألة المصرية. قابلهم وينغايت باستهانة، واعتبر أنه لا يحق لهم الحديث باسم الأمة المصرية، فكان ذلك سبباً لقيام حركة شعبية واسعة لجمع توكيلات من جميع أنحاء المملكة المصرية لسعد زغلول ورفاقه للتحدث باسم الأمة المصرية والمطالبة بحق مصر في الاستقلال. نتيجةً لذلك، اعتُقل زغلول ورفاقه ونُفيوا إلى مالطا في التاسع من مارس 1919، فنشبت إثر ذلك واحدة من أكبر وأعنف ثورات مصر في العصر الحديث، وهي ثورة 1919، التي استلهمها العراق في ثورته عام 1920 ضد الاحتلال البريطاني. [caption id="attachment_187411" align="alignnone" width="700"] سعد زغلول مع طلعت حرب[/caption]

"صديق الإنكليز"

يذكر المؤرخ ريتشارد لونغ أن سعد زغلول تأثر بأفكار المصلح أحمد لطفي السيد (1872 – 1963) وكان مثله يؤمن بالإصلاح بدلاً من الثورة، وبأن المطالبة بالحكم الذاتي هو السبيل للاستقلال في نهاية المطاف، من خلال التفاوض مع بريطانيا. وعندما انخرط زغلول في السياسة بانضمامه لأول صالون سياسي في الشرق الأوسط، تحت رعاية الملكة نازلي، تعرّف على الساسة والمسؤولين الإنكليز، وربطته بهم علاقات شخصية، ووصفه رولاند ستورس، السكرتير الشرقي لبريطانيا في القاهرة، بأنه "متوازن وغير فاسد"، وقال عنه: "لقد غضب على حاكمه، ودعم اللورد كرومر بكل قلبه" ويقصد بالحاكم الخديوي عباس حلمي الثاني. وبعدما عيّنه كرومر، المندوب السامي البريطاني، وزيراً للمعارف عام 1906، يذكر لونغ أنه حافظ على اللغة العربية في التعليم المصري، وأخضع التعليم الأزهري لرقابة علمانية صارمة، وأن همفري براون الذي عمل في الوزارة وصفه قائلاً: "إنه ليس بالوزير الدمية كما كان الحال سابقاً... بل إننا بصدد أول وزير مستقل برأيه في تاريخ مصر الحديث". توطّدت علاقة زغلول بالإنكليز حتى وصفه وقتذاك الصحافي البريطاني هولمي بيمان بأنه "ربما أفضل متعاون حصل عليه كل من كرومر وغورست"، وهما مندوبان ساميان بريطانيان. وبلغت صداقة زغلول بالإنكليز حداً جعله يدافع في الجمعية التشريعية عن تمديد امتياز قناة السويس الذي رفضه زملاؤه النواب، وكان في الأساس معارضاً له، حتى قال فيه لونغ: "كانت علاقات السياسي سعد زغلول الشخصية مع البريطانيين، باستثناء المندوبيْن الساميين كتشنر وأللنبي، دائماً ودّية، حتى وإنْ كان لا يتحدث الإنكليزية". وبدأ زغلول يكيل النقد لكتشنر، المندوب السامي الجديد، لأنه أراد الاستحواذ المطلق على السلطة، وهو ما يؤكده المؤرخ البريطاني جون داروين الذي يقول إن زغلول عارض الحكومة الموالية لبريطانيا ووقف في صف الإقطاعيين الموالين للقصر بعد "اقتراح كتشنر إنشاء وزارة الأوقاف" ليحرم الخديوي عباس من أموال الأوقاف التي كان يتحكم فيها، وليُخضعها لوزارة تسيطر عليها بريطانيا، وبسبب سياسة كتشنر في "سعيه الدؤوب للاستحواذ على كامل النفوذ في الأقاليم".

"فلاح برجوازي"

يذكر المؤرخ البريطاني جيمس ويدن، المختص بتاريخ مصر وشمال إفريقيا، أن اللورد ألفرد ميلنر الذي ترأس لجنة شُكّلت لبحث أسباب التظاهرات عام 1919، نصح لندن "بإعادة إحياء الحكم الذاتي للحكومة المصرية، مدعياً أن القوميين المتطرفين من الوفد كسبوا تأييد أغلبية السكان. وقد أيد المندوب السامي أللنبي وممثلو الحكومة البريطانية الآخرين في القاهرة تحليلات ميلنر للوضع السياسي. وقال ريجينلد باترسون، مستشار وزارة المعارف، إن سياسة تعليم الفلاحين في فترة ما قبل الحرب (المصريين من أصول ريفية) قوّضت من سلطة ‘الباشاوات’ (الورثة من السياسيين من ذوي الأصول العثمانية)، وعن إشارته إلى الفلاحين كان يقصد الجيل الثاني والثالث، من أمثال سعد زغلول الذي كان قد اندمج في مجموعة من العائلات الحاكمة من الجيل الأول. وبالمثل وصف مستشار وزارة العدل، موريس أموس، سعد زغلول بأنه ممثل لطبقة متوسطة جديدة".

"أخطر القوميين"

ذكر المؤرخ البريطاني جون داروين أن جوشوا مِلْن تيشتهام، نائب المندوب السامي البريطاني، أرسل إلى لندن، بعد زيارة سعد زغلول ورفيقيه المندوب السامي البريطاني في نوفمبر 1918 لعرض استقلال مصر، برقية تحدث فيها عن الشقاق المتزايد بين سعد زغلول، ومَن سمّاهم "القوميين القدامى". وبعد ثلاثة أسابيع، ذكر أن زغلول يتعرّض للتشويه منهم وأنه "يسقط في أعين الناس". واستنتج أن حركة سعد زغلول، لا يمكن مقارنتها بحركة الزعيم المصري مصطفى كامل (1874 – 1908) الذي ناضل ضد الاحتلال البريطاني وشهر به في أوروبا والعالم. وطمأن تشيتهام لندن قائلاً إنه لا داعي للقلق من الحركة الحالية. لكنه كان مخطئاً في تقديره كما أثبتت الأيام. فبعد أقل من ثلاثة أسابيع فقط من هذا التقييم، كما يذكر داروين، اندلعت اضطرابات عنيفة في جميع أنحاء مصر، وأبرق تشيتهام إلى لندن قائلاً: "سعد زغلول أخطر من جميع أولئك الذين اعتقلتهم الإمبراطورية في مالطا منذ بداية الحرب. وأُوصي بالقبض عليه فوراً ونفيه... أتوسل إليكم باتخاذ قرار مبكر". وفي التاسع من مارس 1919، قُبض على سعد زغلول وثلاثة من رفاقه ونفوا إلى مالطا. وفي العاشر منه ذكر تشيتهام وقوع أعمال شغب في القاهرة. وبحلول الـ15 من الشهر، كان البريطانيون يكافحون للسيطرة على الاضطرابات التي عمّت جميع أنحاء الدلتا. وفي 17 مارس أرسل تشيتهام تلغرافاً إلى لندن يذكر فيه حقيقة مذهلة: "ليست لدينا أيّة وسيلة لاستعادة السيطرة على صعيد مصر، وليست لدينا أيّة أخبار فعلياً من هناك".

"ملك الحثالة"

يذكر المؤرخ جيمس ويدن أن بعض تقارير المخابرات البريطانية ادّعت أن سعد زغلول كان يصف المعارضة البرلمانية له بعد توليه منصب رئيس الوزراء سنة 1924 بأنها "حمراء جداً"، أي ذات ميول ثورية يسارية، وكان يشكو من أن الثوريين "كبّلوا يديه" في أي تفاوض على معاهدة لاستقلال مصر مستقبلاً. [caption id="attachment_187409" align="alignnone" width="700"] أعضاء الوفد في جزيرة سيشل عام 1922[/caption] وأبلغ المندوب السامي إدموند أللنبي وزارة خارجية بلاده بأنه "من الممكن أن يتغلب سعد زغلول على المتطرفين الخبثاء في البرلمان إذا ما سحبت الحكومة البريطانية القوات البريطانية من مصر ومنحتها السيادة على السودان"، بيد أن لندن لم تقدّم أيّة تنازلات ذات مغزى وهو ما أدى إلى دفاع زغلول عن موقفه السياسي كزعيم وطني، و"ذلك بتطرفه في موقفه". كان أبرز دليل على اتجاه زغلول نحو التطرف، وفقاً لويدن، الأحداث التي وقعت في صيف 1924. فقبل مغادرة سعد زغلول إلى لندن لإجراء مفاوضات المعاهدة في يوليو من عام 1924، ألقى خطاباً لتكريم قادة نقابة العاملين في النقل، وعلى الأخص عبد الرحمن فهمي، الذي منح مسؤولية تنظيم المنظمات العمالية. ويذكر ويدن أنه "بظهور سعد زغلول في هذا الاحتفال ووضع حزبه مع الطبقات العاملة، عرّف نفسه مع ‘الحمر’"، مشيراً إلى أن هذا اللقاء تضمن الثناء على الطبقة العاملة. ويضيف: "كان الهدف إعادة توطيد مكانة سعد زغلول قائداً لحزب ثوري الغرض منه القضاء على الاستعمار في مصر"، ويتابع: "في تصريحاته المنمقة التي قال فيها: ‘أنا واحد منكم’ حدد هوية حزبه بأنه مع التغيير الثوري، والالتزام الثابت بالاستقلال الوطني". وفي صحف المعارضة، كان يُطلق على سعد زغلول وصف "ملك حثالة القوم" وصوّرت جريدة السياسة خطاب سعد زغلول على أنه "تحريض مباشر على البلشفية يهدف إلى تحفيز الحقد الطبقي"، وبعد ذلك بوقت قصير حاول شخص مجهول الهوية اغتياله.

"عدو المرأة"

رغم أن سعد زغلول تأثر بأفكار المحامي قاسم أمين (1863 – 1908)، "محرر المرأة" الذي دعا إلى السفور وإلغاء قسم الحرملك في المنازل (قسم النساء) كما يقول ريتشارد لونغ، ما جعله مؤمناً بحقوق المرأة، يذكر المؤرخ جيمس ويدن صراعاً نشب بين زغلول وهدى شعراوي (1879 – 1947) أول نسوية مصرية، نتيجة عدم مجاهرته بدعم حقوق المرأة السياسية خوفاً من رد فعل الجماهير.
"هذا الرجل أخطر من جميع مَن اعتقلتهم الإمبراطورية في مالطا منذ بداية الحرب، وأوصي بالقبض عليه فوراً ونفيه"، قال نائب المندوب السامي البريطاني في القاهرة السير تيشتهام عن سعد زغلول... فمَن هو زغلول وكيف نظر البريطانيون إليه؟
كان المندوب السامي البريطاني في القاهرة وينغايت مقتنعاً بأن سعد زغلول "مجرد سياسي فاسد مرتشٍ يبحث لنفسه عن موقع"، ووصفه بـ"الديماغوجي" وقال: "حتى أنصاره يعترفون بأنه يمكن لمَن يدفع أكثر شراؤه"
يقول ويدن إن التنازلات التي قدّمها سعد زغلول وحزب الوفد من أجل حشد الإجماع داخل الحزب السياسي أثارت حنق هدى شعراوي. "أبعدت سياسة سعد زغلول هدى شعراوي عنه"، يقول، حتى صارت خصماً لدوداً له، وكانت معارضة شرسة له في البرلمان المصري.

"عدو الصحافة"

يشير المؤرخ جيمس ويدن إلى ملمح من ملامح عداء سعد زغلول لحرية الصحافة، ظهر بعدما صوّرت مجلة "الكشكول" الصراع بينه وبين هدى شعراوي برسم كاريكاتيري يُظهره كشخص عجوز متعب ومقهور يطوف في الشارع، في حين تتكئ هدى شعراوي على نافذة منزلها لإفراغ دلو من الماء على رأسه. يقول: "أغضبت هذه الصورة سعد زغلول، فأمر بالقبض على رئيس تحرير المجلة وسجنه". وتكتنف موقف زغلول المتشدد تجاه الصحافة المعارضة مفارقة كبيرة، إذ إنّ أوّل وظيفة شغلها في حياته كانت في الصحافة. يذكر ريتشارد لونغ أنه عمل صحافياً في أول مسيرته، عام 1880، وأصبح مساعد محمد عبده في تحرير صحيفة "الوقائع المصرية"، وهي الصحيفة الرسمية حينذاك، وبعدها عُيّن رئيس محرري الأدب ومن ثم رئيس التحرير.

"متسلط سكير"

يصف المؤرخ ريتشارد لونغ سعد زغلول بأنه "كان طويل القامة، ذو مظهر متميّز، مصاب بالسكري، ومدمن على الكونياك، وقد كان خطيباً مفوهاً. ولأنه كان برلمانياً ملتزماً، فقد كان شخصية ماكرة، ورغم أنه عاطفي، فقد كان محنكاً. وأصبح بعد منفاه الأول شخصاً متسلطاً، واستخدم المحسوبية وأحياناً تظاهرات حاشدة عنيفة لإخضاع خصومه ولم يكن قادراً لا على تقاسم السلطة ولا، برأي أحد المراقبين، على التعامل مع خصومه بمروءة، فقد بدا وكأنه يفتقد إلى شجاعة الاعتراف بأخطائه". وكان غرافتي سميث، عضو الخدمات القنصلية البريطانية في الشام، يؤمن بأن زغلول مسؤول غير مناسب "لأنه يفضّل، سواء في المنصب أو خارجه، أن يحمل شعار السياسي على أن يغتنم فرصة أن يكون رجل دولة، فضلاً عن أنه يحارب بكل قواه أي منافس يبدو وكأنه يقبل بأي أحد غيره... وكان ذلك خيانة لآمال بلده". ويذكر المؤرخ جون داروين: "سواء كبرلماني أو محرّض سياسي أو في الندوات الخاصة التي جرت فيها السياسة في غياب عن المؤسسات التمثيلية، أظهر زغلول شخصيته العنيدة، بل وحتى المخيفة. ولاحقاً ظهر وكأنه واثق باستهتار من قدرته على تلقي الدعم". وبالنسبة إلى مجلس الوزراء البريطاني في لندن، أصبح سعد زغلول في نهاية المطاف "وحشاً غير عقلاني" سرعان ما "تحوّل إلى غول".

"فلاح الفلاحين"

يذكر داروين أن حزب الوفد الذي تأسس كممثل لكامل الأمة المصرية، خضع بين عامي 1918 و1922 لسيطرة سعد زغلول الشخصية. كتب: "بالفعل خلال هذه السنوات الأربع، وحتى وفاته سنة 1927، طغى زغلول على كامل السياسة تماماً. وعلى غرار غاندي ودي فاليرا كانت رؤية زغلول السياسية وسلوكه محيّرين ومزعجين للبريطانيين. فقد كان وبقي أحجية بالنسبة إليهم". ويشير داروين إلى انطباعات أخرى خلّفها زغلول لدى المسؤولين في لندن ويقول: "قال عنه جورج لويد، رئيس الحكومة البريطانية، إنه ‘فلاح الفلاحين’... وترك زغلول لدى بعض البريطانيين الذين قابلوه انطباعاً ساحراً دمثاً"، حتى إن أحد المسؤولين البريطانيين قال عنه عندما زار لندن سنة 1920 إنه: "نبيل عجوز ومحبّ للخير ذو عينين متلألئتين".

"ديماغوجي عنيد"

يروي داروين أنه في كثير من الأحيان كانت الأحكام التقديريه حول شخصية سعد زغلول نقدية لاذعة وغير متسقة بشكل غريب. "ذكر السير رونالد غراهام سنة 1914 أن سعد زغلول لديه 'جميع عوامل الديماغوجي الناجح... ونقاط ضعفه تتمثل في الأنانية المفرطة والمزاج الحرون والسلوك المتسلط’. وعندما سعى زغلول للحصول على منصب سنة 1917 فإن المندوب السامي كان أقل إعجاباً به حيث قال: ‘لقد أصبح الآن متقدّماً في العمر وربما يرغب في الحصول على دخل’. وبعد مرور عام، مع بداية التحريض الذي قاده زغلول، نُسب إلى برونيات، القائم بأعمال المستشار المالي الذي كان رأيه في الساسة المصريين نادراً ما يكون جيداً قوله عن زغلول إنه: ‘شخصية عنيدة بشكل عجيب’". بيد أن المندوب السامي وينغايت ظل مقتنعاً بأن "زغلول صار الآن مجرد سياسي فاسد مرتشٍ يبحث لنفسه عن موقع"، ووصفه بـ"الديماغوجي" مضيفاً: "حتى أنصاره يعترفون بأنه يمكن لمَن يدفع أكثر شراؤه". وأكد وينغايت لبلفور، رئيس الحكومة البريطانية، أن زغلول سياسي محبط وربما سيقبل بمنصب وفق شروط لندن. وبرأي داروين، بعد أن كان يدّعي "تمثيل الشعور الوطني المصري"، راح الزعيم المصري يقوّض سمعته بما كان يتسم به من انتهازية إذ "كان ولاؤه الأول ليس لمصر بل لمائدة البوكر"، في إشارة إلى عادة القمار التي كان يدمنها، واعترف بها في مذكراته.  

المصادر والمراجع

1ـ C. W. R. Long, British Pro-Consuls in Egypt, 1914-1929: The Challenge of nationalism, New York: RoutledgeCurzon, 2005. 2ـ John Darwin, Britain and Egypt and the Middle East Imperial policy in the aftermath of war 1918-1922, London: the Macmilian Press LTD, 1981. 3ـ "جيل 1919" بقلم جيمس ويدن، دراسة منشورة ضمن مجموعة دراسات بعنوان "رؤية جديدة لمصر"، تحرير آرثر غولد شميدت، إيمي ج. جونسن، باراك أ. سالموني، ترجمة عايدة الباجوري، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard