الطبخ والجندرة: معقول إنتَ زلمة وبتطبخ!؟

الخميس 7 آذار 201906:40 م

أورثتني أمي الطبخ كما أورثتني عادات كثيرة جعلتني أتيقن أني أشبهها. من طرق عدة استنسختها في حياتي: مسح البلاط بالكلور مع "عصرة حامض"، الجلي بالماء الساخن قبل البارد، غسل الثياب ببرش الصابون البلدي ثم نقعها لساعات أو طريقة إعداد ركوات القهوة "عَ الريحة" وترتيب طاولات السفرة.

كل هذه العادات التي تتحوّل "ميكانيكياً" إلى أسلوب حياة لا تبتعد عنها "وصفات" الطبخ. و"الطبخ نَفَسْ" كما نقول في الدارجة. أي أنه روح الشخص وطريقته في تجرع الهواء والحياة معاً، كنوع من العلاج النفسي أيضاً.

لذا نتعلق جميعاً بطبخ أمهاتنا. نقول بما يشبه التأكيد والإلزام أن "أمي أفضل طبّاخة بالعالم". هذا ما يحيله علم النفس إلى تبرير الأطفال هوياتهم الذوقية إلى المصدر الأول: الأم. فهي تطعم بأشكال عدة، اللذة الأولى والطعام والعاطفة الفطرية التي نحتاجها. فمع الأم نعيش الرغبات بدءاً من مرحلة الإرضاع وصولاً إلى المناغاة. كل هذه اللغة الخاصة بين الأم وأبنائها تدفعنا إلى تمييز طبخات أمهاتنا عن الأمهات الأخريات. حتى لو اقتنعنا بشيء من النضوج والتجربة لاحقاً، أن ما نقوله مجرد مبالغة لا بل مبالغة مفرطة. فالآباء أيضاً يحبون الطبخ. بعضهم ممن استطاع أن يتحرر ويحرر صورته أمام المجتمع الذي يصنّف كل حركة نقوم بها ويقولبها جندرياً وفق معيار: هذا للبنت وهذا للصبي. وبعضهم ممن يهوى الطبخ، وبعضهم ممن يعرف أن لا دور اجتماعياً خلف الطبخ كفعل يومي يمكن أن يجعل العيش بالتساوي بين الشركاء أفضل.

والطبخ في مفهوم نساء منطقتنا، سوريات ولبنانيات وفلسطينيات وعراقيات، متنفس هادىء عن مشاغل اليوميات العادية، لا بل إحدى الحيل الذكية لتحويل الأيام إلى "متع" رغم أن "بعض" الأمهات يتذمرن من فعل الطبخ كنوع من الاحتجاج على وفرة الجهد فيه، خاصة إذا ما كانت الأفواه كثيرة. وهذا ما يذكرني بدور فاتن حمامة في فيلم "يوم مر، يوم حلو"، وهي تتعايش مع الطبخ بمرارة لما فيه من فقر وعوز وإذلال في بعض الأحيان.

الدور الجندري

ورغم أن الطبخ جزء من "منظومة" منزلية تعتمد على تقسيم الأدوار الجندرية، إلا أنه في حقيقته أبعد ما يكون عن هذه الرمزية المكرسة، من "منطق" يذوب يوماً بعد يوم، أن المرأة مكانها المطبخ والرجل يعمل في الخارج. ومن باب تكريس آخر تم وضع تمييز معاكس، جعل من غالبية طهاة المطاعم الكبرى أو الطباخين المشاهير في عالم السوشايل ميديا وفي التلفزة من جنس الرجال. هذا يتعلق بحقيقة جلية هي أن الذكور يسيطرون على مصادر القرار والتعيين. والمساواة لا تزال بعيدة كل البعد في كثير من المجالات والمهن، خصوصاً الطبخ. وكنت قد شاهدت وثائقياً فرنسياً يتحدث عن "عدم المساواة" اللاحقة في هذا المجال. إذ نسبة النساء لا تتعدى الـ15 في المائة، من نسبة الطهاة العاملين أو المشرفين على إدارة مطابخ من طراز نجمات "ماشلان" أو المطاعم البديلة. وهو رقم هزيل أمام وفرة الرجال الطباخين الوسيمين في العادة، مثل البريطاني جيمي أوليفر، الذي ترفع إطلالته في برامج الطبخ عبر التلفزيون نسبة المشاهدة.

صبي وبتطبخ؟

الحقيقة أن الطبخ تجربة فنية ومذاقية تسبق دور أي اجتماعي ملتصق بها. وكم سمعت مراراً من رفاق وزملاء أو حتى معارف، انتقادهم لي لأني أطبخ. والجمل المكررة: "معقول إنت صبي وبتطبخ؟"، أو: "أكيد لأنك gay بتطبخ". وهنا، بات "تأنيث" الطبخ ثم "مثليته" أمراً عادياً لكثيرين حتى ضمن معشر النخبة. وقد وصلتني في إحدى المرات رسالة على فيسبوك من أحد الكتّاب: "انتبه على صورتك الاجتماعية، أنت كاتب اليوم، مش حلوة بحقك تنشر صور أكل". بالنسبة لصديقنا، فالطبخ بعيد عن عالم الأدب، ولصفة كاتب (بحسبه) فمن المعيب إظهار حبه لهذا الفعل اليومي الممتع. والأدب ليس بعيداً عن الطبخ. عالمان يلهم أحدهما الآخر. حين أفرغ من كتابة نص، أتوجه لأعد لنفسي وجبة طعام مع التوابل الآتية من سوق العطارين في طرابلس. تحملني الروائح إلى المدينة فأعود إلى نصي. أكتب بذاكرة انضج. الطبخ يفتح مسارب قلبي وروحي وذكرياتي كلها.

فالآباء أيضاً يحبون الطبخ. بعضهم ممن استطاع أن يتحرر ويحرر صورته أمام المجتمع الذي يصنّف كل حركة نقوم بها ويقولبها جندرياً وفق معيار: هذا للبنت وهذا للصبي.
من باب تكريس آخر تم وضع تمييز معاكس، جعل من غالبية طهاة المطاعم الكبرى أو الطباخين المشاهير في عالم السوشايل ميديا وفي التلفزة من جنس الرجال. هذا يتعلق بحقيقة جلية هي أن الذكور يسيطرون على مصادر القرار والتعيين.
وكم سمعت مراراً من رفاق وزملاء أو حتى معارف، انتقادهم لي لأني أطبخ. والجمل المكررة: "معقول إنت صبي وبتطبخ؟"، أو: "أكيد لأنك gay بتطبخ". وهنا، بات "تأنيث" الطبخ ثم "مثليته" أمراً عادياً لكثيرين حتى ضمن معشر النخبة.

الطبخ فسحتي كرجل أيضاً

نعم أطبخ، لأني ورثت هذه العادة اللطيفة وأشاركها مع أصدقائي وأتذوّق معهم ما حملته معي من طرابلس ومن مطبخ أمي ديبة: الملوخية، الشيش برك، الكبة بالصينية، ورق العنب، المجدرة، وصولاً إلى صحن الفتوش. وما لم أفصح عنه يوماً، أني لم أغيّر في وصفات الطبخات التي أعدتها امي لنا طوال عمرها. حتى لو كانت المقادير خاطئة أو كما "عنّ على رأسها" أن تفعلها. هذه الخطايا الصغيرة لا تزال سراً أتعلق به وأحافظ عليه، كأنه هو الوصفة الأولى والأخيرة لهذا النوع من الطعام وأي مس بها هو إخلال بالنهكة المطلوبة.

تقول لي أمي إن الطبخ فسحتنا كنساء. وكنت أظن بالصدق نفسه، الذي قالت به، أن الطبخ فسحتي أيضاً كرجل. هي الفسحة الوحيدة التي أستعيد فيها كل شيء تقريباً بهدوء وتمعن. أستعيد جاراتنا وروائح بنايتنا الأولى وصراخ الأولاد في الحارة وموائد رمضان وطاولات يوم الجمعة وأسواق طرابلس والمسجد المنصوري الكبير. لماذا أستعيد كل تلك الصور البعيدة، وأنا في مطبخ صغير في باريس؟

لأن الرائحة التي هي أكثر ما يعلق في الذاكرة، ولا يمكن للمنفى مهما كان ضيقاً ورحباً في آن واحد أن يمحوها. رائحة الطعام، هي خيط سحري يجمع بين كل ذاكرتنا، نساءً ورجالاً وأطفالاً. هي الألفة التي لا تميتها الغربة وطبعاً لن تميتها "الجندرة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard