الحكيم وبدرخان و "أبو ضحكة جنان".. ثورة 19، كما يتذكّرها أدباء مصر وفنّانوها

السبت 9 مارس 201904:40 م
100 عام على ثورة 19.. انتفاضة فنية لِـ"عودة الروح" في التّاسع من مارس عام 1919، نزل الطلّاب والعمال إلى الشوارع المصرية اعتراضاً على أوضاع اقتصادية واجتماعية سيئة فرضها الاحتلالُ البريطانى، ليبدأ من هذا اليوم عهدٌ جديد عرفتْه مصر بفضلِ الثورة التي أشعلها أبناؤها بحثاً عن مستقبل أعظم مَجداً وأكثر إنسانية. ثورة حقيقية انسحبت آثارها على شتّى مناحي الحياة في مصر، وفي القلب منها الأعمالُ الفنية والأدبية التي ارتكنت ـ على قلّتهاـ إلى كشف فساد المحتلّ، وعظمة أبناء مصر في ملحمتهم التي يمرّ عليها اليوم 100 عاماً.

"برسوم" أوّل فيلم مصريّ خالص و"ثورة 19"

في زمن السينما الصامتة، وتحديداً في عام 1923، تمّ إنتاج فيلم "برسوم يبحث عن وظيفة"، ويعتبر أول فيلم مصريّ خالص، تصويراً وإخراجاً. وهو أوّل إخراج لفيلمٍ صامت على المتسويين العربيّ والأفريقيّ، وكان من بطولة: بشارة واكيم، عادل حميد، فيكتوريا كوهين، وفردوس حسن. تدور أحداث الفيلم، في قالب كوميديّ حول "برسوم"، المسيحيّ الذى تربطه علاقة صداقة قويّة بالشيخ متولّي. ولأنّ الثنائيَّ كليهما عاطلان، فيبدأ كلٌّ منهما رحلة بحثٍ شاقّة عن العمل، تتخلّلها مواقفُ طريفة، وبين مشهدٍ وآخر، نجد المخرج محمد بيومي، وهو يركّز الكاميرا على شعارات "ثورة 19"، كما يسمّيها المصريون اختصاراً، والمكتوبة على الجدران، وفي المظاهرات الحاشدة، وعند خروج طلّاب المدارس، وخطب الشيوخ والقساوسة في المساجد والكنائس. فالاحتلال الإنكليزى الذي أطلق النّار دون رحمة على المتظاهرين السِّلميين، ترجم لنا صراحة، ودون لجوء إلى الرمز، أنّ الثورة قد تركتْ أثراً كبيراً على الشعب المصري. والواقع أن إصرار بيومي على نقل مشاهد "ثورة 19" إلى فيلم، رغم أنها عرّضتْه لمضايقات من قبل المحتلّ البريطاني، كان نتاجاً طبيعياً لتأثّره بالغضب الشعبي آنذاك، لدرجة أنه في نفس العام الذى اشتعلت فيه الثورة أصدر مجلة "المقص" للتّحريض على الثورة.

مصطفى كامل، أوّل فيلم لزعيم سياسيّ في مصر

بعد "برسوم.." كانت هناك بعض المحاولاتِ لتقديم الثورة في عمل فنيٍّ جديد، غير أن تلك المحاولات كانت دائماً ما تُصدم بحائط معارضة الاحتلال الإنكليزي، حيث إنه لم يكن ليسمحوا بأن تكشف السينما المصريةُ جرائمها التى ارتكتبها على مدار عقودٍ من الاحتلال. ثمّ أخرج لنا أحمد بدرخان أوّل فيلم لزعيم سياسي في مصر، بحسب الناقد الفنّي محمود قاسم، وهو فيلم "مصطفى كامل"، الذي كتب قصّتَه الكاتب المعادي للقصر والإنكليز، فتحي رضوان، وكان إنتاجه لشركة "المصري" المملوكة لبدرخان نفسه. يبدأ الفيلم باشتعال الثورة، وعلى مدار 7 دقائق، نرى مشاهدَ متعاقبة تُفسّر الحالَ التي كان عليها الشّارع المصريّ آنذاك، وبحساسية شديدة ترصد الكاميرا، حركة الشبابِ الثائر في مواجهة المحتلّ الإنكليزي، يتقدّمهم قسٌّ وشيخٌ في إشارة إلى الوحدة الوطنية التي باتت أيقونةً لتلك الثورة، فيما ركّز المخرج على فكرة مشاركة المرأة، ولأوّل مرّة في الثورة؛ فقدّم سيدةً مصرية تعتلي "حنطور"، وتحمل بيدها علمض مصر داعية الجموعَ إلى الخروج انتقاماً من الاحتلال، وتهتف "عاشت مصر حرّة مستقلة". ووسط كرٍّ وفرّ، وطلقات تعرف الطّريقَ إلى الصدور، وقلوبٍ لا تهاب الموت، تمضي الأحداث، فنتعرف إلى "الأستاذ مجاهد"، الذي كان في الفيلم معلّماً لمصطفى كامل. ويربط المؤلّف بين "الأستاذ مجاهد" وبين "المجاهد" مصطفى كامل، فنرى مجاهد المتمرّد الثائر على الوضع في الشارع، يمزّق لافتاتِ الاحتلال التي تُشدّد على أنّ التظاهر ممنوعٌ بأمر الحاكم العسكريّ، الأمر الذى يدفع جنود الاحتلال لمنعه، فيتدخّل جمعٌ من الشباب لتخليصه من بين أيديهم.
تردّد أن توفيق الحكيم كان من أكثر الأدباء الذين تأثّر بهم الرئيس جمال عبد الناصر، خاصة بعد قراءته رواية "عودة الروح" في شبابه، حيث تأثّر عبد الناصر بفكرة البطل المخلص، وهكذا اعتُبر توفيق الحكيم من الأدباء الذين أثّروا في السلطة.
اختارت ليلى سليمان اسمَ "زج زج"، عنواناً للمسرحية، كونها الكلمةَ التي كان الجنود البريطانيون يستخدمونها فيما بينهم حين الكشف عن رغبتهم في ممارسة الجنس، فيما اعتمدت في العرض على النساء فقط، في تقديم كلّ الأدوار.
بعد ذلك يعود "الأستاذ مجاهد" إلى المدرسة ليجد أحد تلاميذه، وهو يحاول أن يشعل جذوة النّضال في نفس زملائه. وهنا يبدأ الأستاذ مجاهد في سرد قصّة الزعيم الوطني، مصطفى كامل، على طلّابه على طريقة الفلاش باك. عانى بدرخان كثيراً ليُخرج هذا الفيلم إلى النور، حيث اصطدم في البداية برفضِ أغلب المنتجين فكرةَ إنتاج الفيلم، ما دعاه في النهاية إلى خوض المغامرة، وإنتاج الفيلم بنفسِه. وحتى عندما تراكمتْ عليه الديون بسببه، أكّد أنه غير نادم على ما قدّم كونه واجباً وطنياً، وأن الفيلم سيكون سجلّاً تاريخياً يقدّم للناس صفحاتٍ مضيئةً من التاريخ الوطني، خصوصاً وأنّه يركّز على مرحلتين مفصليتين في التاريخ المصري: ثورة 19، وفترة نضال مصطفى كامل، في إشارة إلى أنّ النضال متّصلٌ في مراحله التاريخية.  

"عودة الروح" أو بداية فكرة "المخلّص" في الرواية المصرية

كتب توفيق الحكيم تلك الرواية في 1927، ونشرها في 1933، وجسّد فيها الشعبَ المصريَّ باختلاف تياراته وتوجّهاتِه وهواجسه وأحلامه، في عائلةٍ واحدة. نتعرّف من خلال الرواية على محسن، الذي هجر عائلته الثرية في دمنهور، غرب القاهرة، ليلتحقَ بمدرسة بسيطة بحيّ السيدة زينب بالقاهرة. ورغم أنه خلّف وراءه كلَّ مظاهر العزّ والترف، وعاش حياة عادية أو أقلّ مع أعمامه وعمّته التي فاتها قطار الزواج، إلا أنه يجد الراحة والسعادة في اختياره. وبينما يتنقل بنا الحكيم بين محسن وأعمامه الذين يقعون جميعاً في حبِّ جارتِهم، فيما تُخيّب هي آمالَ الجميع، وتكشف عن حبِّها لجارها مصطفى، تشتعل الثورة، فيهبّ الجميع لنجدةِ البلاد. وهنا نتوقف مع الكاتب أمام حكاية شعب اجتمع على هدفٍ واحد، التفّ حوله وانصهرت الفردية في قالب الجماعة، فبات الكلُّ جسداً واحداً، عادت إليه الرّوح بنفض غبار الاستسلام أمام قسوة وجبروت المحتلّ. وقد قيل عن "عودة الروح" إنها تنبأت بما قام به "الضبّاط الأحرار" في 1952، أو ما عُرف بـ"ثورة يوليو"، قبل ثلاثين عاماً من حدوثها، خصوصاً وأنّها ركّزت على فكرة القائد أو الثوريّ الذي يجمع الشعب حوله، ليغيّر ما طرأ على مصر من أوضاع متردية. كما تردّد أن الحكيم كان من أكثر الأدباء الذين تأثّر بهم الرئيس جمال عبد الناصر، خاصة بعد قراءته رواية "عودة الروح" في شبابه، حيث تأثّر عبد الناصر بفكرة البطل المخلص، وهكذا اعتُبر توفيق الحكيم من الأدباء الذين أثّروا في السلطة.

"أبو ضحكة جنان"، يثير حماسة الشعب بمنولوجات فكاهية

كان حسن فايق (1898 - 1980)، الممثل الكوميديّ الذي استمتع المصريون بطلّتِه السينمائية خفيفةِ الظلِّ في أفلام "سكر هانم"، و"العيش والملح"، ولقّبوه بـ"أبو ضحكة جنان"، واحداً من أبرز النجوم الذين لعبوا دوراً سياسياً لا ينسى في مقاومة الاحتلال البريطانيّ إلى جانب مكافحة خطر الفتنة الطائفية في مصر، بمنولوجاته السياسية الساخرة على المسرح. كما استغلّ موهبته أيضاً في بثّ الحماس في المسيرات المناهضة للإنكليز والمؤيّدة للثورة.

مسرحية "أحمد وحنّا"

من واقع هذا الدّور، وعلاقته الوطيدة وصداقته للزعيم الرّاحل سعد زغلول، قائد ثورة 1919، قدّم فايق واحدة من أهمّ التجارب التي تؤرّخ لتلك المرحلة، وهي مسرحية "أحمد وحنا"، والتي اعتبرها النقّادُ أوّل عملٍ فنيٍّ تمثيليّ عن الوحدة الوطنية قُدّم للجمهور أثناء الثورة. وتضمّنت المسرحيةُ الكثير من المنولوجات التي قدّمها فايق بشكلٍ فرديّ ليحثّ جموع الشعب على عدم الاستسلام ومقاومة المحتل. كما ركّز في تلك المونولوجات على أنه لا يوجد أيُّ فرق بين مسلم ومسيحى في مصر، وأنّ الكلَّ شركاء في الهمّ، وعليهم قيادة الدفّة معاً ليعبر الوطن فوق كلِّ جروحه إلى برّ الأمان. كذلك طلب فايق خلال "أحمد وحنّا" من سعد زغلول بأن يواصل نضالَه، وألّا يتخلّى عن "ثورة الشعب"، بينما جاءت أغاني العمل كلِّه بإيقاع حماسيٍّ، لإشعال روح الغيرة في نفوس الجمهور ودفعه إلى المشاركة في الثورة. واعتمد حسن فايق في سبيله لذلك على أزجاله الوطنية التي طالما عُرف ببراعته في كتابتها.

زج زج

عرضٌ مسرحيٌّ آخر قُدّم بعد "ثورة 19" بنحوِ 90 عاماً، أو يزيد بقليل، وكان اسمه: "زج زج". يروي العرضُ واقعةً تاريخية حول نساء نزلة الشوبك المغتصبات من قبل جنود الاحتلال الإنكليزي عام 1919، بالاعتماد على وثائق وُجدت في أرشيف الخارجية البريطانية، تتناول تفاصيل ثورة 1919؛ وكذلك تحقيقات مديرية الجيزة التي تمّت في مصر، وأجزاء من الكتاب الأبيض "ملف المطالبة بالاستقلال"، الذي قدّمه سعد زغلول وزعماء الأمّة في باريس. لعب بطولة المسرحية نادية أمين، منى هلا، ريم حجاب، زينب مجدي، نانسي منير، وكانت من إخراج ليلى سليمان، والتي بدأتْ أحداث مسرحيتها من ھجوم لجنودِ الجیش الإنكلیزي على قریة صغیرة قرب الجیزة، فيما تقيم قواتُ الاحتلال محكمة عسكریة هزلية للتحقیق في ادّعاءات سكان القریة بأنّ الجنود نھبوا وأحرقوا قریتھم، بالإضافة إلى ترویعھم وإعدام خمسة من الشهود العیان، لنسمع من بين الشهود نساءً قرّرن التخلّي عن خجلهنّ وخوفهنّ لفضح ممارسات جنود الاحتلال في اغتصابهن. اختارت ليلى سليمان اسم "زج زج"، عنواناً للمسرحية، كونها الكلمةَ التي كان الجنود البريطانيون يستخدمونها فيما بينهم حين الكشف عن رغبتهم في ممارسة الجنس، فيما اعتمدت في العرض على النساء فقط، في تقديم كلّ الأدوار: جنود، وضحايا، وشهود، وأهالي، ومحقّق، لتعكس ميزان القوى بشكلس بصريٍّ من خلال تبادل الأدوار.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard