"نطالب بتقنين القنب الهندي"..حركة تونسية تسعى إلى تشريع الحشيش

الاثنين 11 مارس 201901:52 م
"نطالب منذ عام 2017 برفع العقوبة السجنية عن مُستهلكي القنب الهندي (الحشيش)، واليوم نُطالب بعدم تجريمه وتقنين إنتاجه وترويجه واستهلاكه في الطب والصناعة والمُتعة أيضاً"، هذا ما أعلن عنه الباحث في القانون والناشط الحقوقي التونسي قيس بن حليمة مؤكداً أن السياسة الجزائية الردعية ضد استهلاك الحشيش "أثبتت فشلها على مدى عقود" على حد تعبيره. وقال قيس بن حليمة في حديث مع رصيف22 إن تجمع "الحبس لا" المؤلف من 13 ناشطاً في المجتمع المدني تقّدم بمشروع قانون من أجل تقنين زراعة القنب الهندي واستهلاكه في تونس. وأكد أن تونس سجّلت 3 ملايين و400 ألف مستهلك حشيش من بينهم 100 ألف مدمن "تعجز الدولة عن علاجهم"، على حد تعبيره. ويُطالب تجمع "الحبس لا" وشعاره "بدّل القانون 52" (غيِّر القانون) بإلغاء تجريم استهلاك الحشيش. وأضاف بن حليمة "المُستهلك ضحية مجتمعه وضحية قانون ظالم يعتبره مُجرماً وهو ليس كذلك لكن رغم ذلك يُزج به في السجن"، لافتاً إلى أنه "يتعلّم الإجرام الحقيقي هُناك" وقد يتّجه بعد إطلاق سراحه إلى ما هو "أخطر" مُقدماً مُغني الراب التونسي مروان الدويري المعروف بـ Emino كمثال والذي انضم أخيراً إلى تنظيم داعش مُعتبراً أنه ضحية القانون. وأكّد محدثنا أن السجون في تونس "بعيدة كُل البعد عن الإصلاح"، على حد تعبيره، لافتاً إلى أن "ترويج المُخدرات داخلها أكثر من خارجها" وأن "المُستهلك يُسجن من أجل سيجارة حشيش ولكنه يُدمنها خلف القضبان". وشبّه بن حليمة "المُستهلك" بالذي "يُحاول الانتحار" مُتسائلاً: "هل نعدمه لأنه حاول الانتحار؟ يُفترض أن تكون المُعالجة صحية ونفسية ونسأله ماذا بك؟ ما مُشكلتك؟ هل هُناك مشاكل عائلية؟ اجتماعية؟"، مؤكداً أن "التجريم باطل"، وأن "المدمن مريض وليس مجرماً ومكانه مصحة استشفائية وليس السجن". وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد نشرت تقريراً بعنوان "كل هذا بسبب سيجارة حشيش" وقابلت أشخاصاً تحدثوا عن الضرب والإهانات أثناء الاعتقال بتهمة تدخين الحشيش والاستجواب إلى جانب سوء المعاملة خلال اختبارات البول وتفتيش منازلهم بدون مذكرات قضائية، لافتةً إلى أن المُستهلك بعد أن كانت "جريمته" تدخين سيجارة حشيش، يجد نفسه في ما بعد مسجوناً مع "مجرمين خطيرين في زنازين مكتظة".

حزب الورقة

أطلق بن حليمة قبل نحو سنتين "حزب الورقة" وهو مُبادرة "هزلية تسخر من الأحزاب والسياسيين"، على حد تعبيره، لافتاً إلى أنه اعتمد هذا الحراك "بعد أن ضاقت به السبل" ليُشارك به في الانتخابات البرلمانية مؤكداً بشيء من السُخرية أنه سيفوز بـ217 مقعداً في البرلمان في حال ترشحه لاقتناعه بأن تقنين الحشيش سيُساعد في مقاومة التهريب وتقليص استهلاك القنب الهندي على غرار تجربة عدّة بلدان أوروبية، لافتاً إلى أنّ 25% من موازنة هولندا تأتي من بيع القنب الهندي. حزب الورقة ليس حزباً سياسياً يملك تأشيرة من الداخلية بل هو حركة تضم ناشطين ويأتي "اعتماد كلمة حزب" في تسميته بعد أن دعا الائتلاف النواب والأحزاب بكل توجّهاتهم الفكرية إلى تقديم مقترحاتهم بشأن الموضوع، ولكن "لا أحد تبنى الفكرة وهُناك من رفض حتى الجلوس معنا" لنقاش تقنين الحشيش يقول قيس. وأوضح لرصيف22 "لم يكن هناك إشكال في إقناعهم (النواب) بالجدوى ولكن في نهاية المطاف لم تكن لأي منهم الجرأة لتبني الفكرة وعرض مشروع قانون في الغرض خشية خسارة وتنفير نوابهم". وأضاف: لم يبقَ لي سبيل آخر إلا أن أتقدم شخصياً وعبر حزب الورقة للانتخابات التشريعية المقبلة لإنجاح المشروع. وبيّن أن اسم الحزب "حزب الورقة" يعود إلى عدّة معانٍ، مُقدماً بعضها "على سبيل الذكر وليس الحصر" منها: "الورقة الحمراء التي نرفعها في وجه الأحزاب التي منذ الثورة فشلت في إنجاحها وقادت البلاد الى الهاوية" و"الورقة المالية التي لم يعد لها أي قيمة حالياً بسبب الفشل الذريع الذي تعرفه الحكومة الحالية وخاصة على المستوى الاقتصادي" و"الورقة البيضاء التي سيُدوّن عليها العقد الاجتماعي الجديد" و"الورقة التي سيضعها الناخب في الصندوق ليقرر مصير الوطن". ورأى أن تقنين إنتاج القنب الهندي سيُقلل من نسبة استهلاك التونسيين تلقائياً لأن "كُل ممنوع مرغوب والعكس صحيح" وسيُراقبها كما سيُغير التعامل مع الظاهرة، مُشيراً إلى أن تقنين إنتاج الزطلة "لن يُدمّر الشباب" بل "تعامل الدولة مع الظاهرة والسياسة الجزائية الردعية التي ساقها الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي مُنذ عام 1992" هي التي دمّرتهم . وأكد أنه من ناحية أُخرى سيُحارب تقنين إنتاجه جدياً الاتجارَ غير المشروع، "دون نسيان العائدات المالية الضخمة التي ستُحقق نقلة نوعية لتونس"، على حد تعبيره. وتابع "تقنين استهلاك الحشيش لا يؤدي فقط إلى تقليص الاستهلاك" بل أن أرباح مشروع تقنين بيعه ستُخصص للقيام بحملات توعوية في المعاهد والمدارس الإعدادية لمُلاحظة الائتلاف أن الاستهلاك في تونس يبدأ من سن الـ 11 عاماً أحياناً. من بين أهداف المشروع أيضاً إطلاق نشاطات رياضية وثقافية وترفيهية، إذ بحسب الدراسة التي أعدّها الفريق، يُعدّ الفراغ والغياب التام والكلي لوسائل الترفيه من أبرز الأسباب التي تدفع نحو الاستهلاك، مُضيفاً: بشكل مُختصر، سنعمل على إنهاء الأسباب التي تدفع نحو الاستهلاك.
"نطالب منذ عام 2017 برفع العقوبة السجنية عن مُستهلكي القنب الهندي، واليوم نُطالب بعدم تجريمه وتقنين إنتاجه وترويجه واستهلاكه"..حركة تونسية تسعى إلى تشريع الحشيش
"حين تناولت رفقة طلبتي قانون المخدرات، استنتجت بعد ما يقارب السنة ونصف السنة من البحوث والدراسات أن الشرعنة أفضل استراتيجية للتقليل من استهلاك المخدرات والقضاء على الاتجار غير المشروع"

كُنت رافضاً شرعنة القنب الهندي

قال بن حليمة إن فكرة تقنين إنتاج القنب الهندي لم تكن فكرته بل جاء بها أحد الناشطين في ائتلاف "الحبس لا"، لافتاً إلى أنه كان رافضاً شرعنته. وأوضح أنه حين تناول رفقة طلبته قانون المخدرات في مصحة القانون الجزائي والعلوم القانونية التي يديرها، استنتج بعد ما يقارب السنة ونصف السنة من البحوث والدراسات أن الشرعنة أفضل استراتيجية للتقليل من استهلاك المخدرات والقضاء على الاتجار غير المشروع، مُشدداً على أن ذلك هو "الهدف الأسمى"، مُضيفاً: وإن كانت ستُحقق ثورة اقتصادية أيضاً، فلمَ لا. ويذكر بن حليمة بأن مكتب الأمم المتحدة حثّ الممضين على اتفاقية 88 على مراجعة تجريم استهلاك القنب الهندي وصنّفه كمشكلة صحّة يجب التعامل معها على هذا الأساس.

من واجبنا مُساعدة الحكومة لإيجاد الحل الأنسب

"إن عجزت الحكومة عن إيجاد حلول للحد من ظاهرة الاستهلاك، فمن واجبنا نحن كمُجتمع مدني أن نُساعدها لإيجاد الحل الأنسب"، يقول قيس، موضحاً لرصيف22 أن مشروع Siliana Bis الذي تقدّم به الائتلاف يتمثّل في خلق إطار تشريعي استثنائي لإنتاج القنب الهندي بكُل مراحله بدءًا بزراعته مروراً بالحصاد والتحويل والبيع وصولاً إلى الاستهلاك المحلي أو التصدير من ولاية سليانة التونسية (شمال غربي البلاد) كمثال نموذجي من أجل "استخدامه في الطب والصناعة والمُتعة أيضاً"، مُشيراً إلى أن بلداناً متقدمة مثل أمريكا وكندا تستخدم القنب الهندي لتخفيف الآلام ومقاومة الاكتئاب والقضاء على عدد من الخلايا السرطانية. ولفت إلى أن الخيار وقع على ولاية سليانة لزراعة القنب الهندي لأنها "ولاية مُهمشة ومعزولة ومواردها قليلة"، مُضيفاً أن التجربة في حال نجاحها ستُعمم على "كامل تراب الجمهورية"، على حد تعبيره. ولمن يتّهم الائتلاف بـ "الجنون"، يقول بن حليمة إن "العقلانية والجنون من بين مسائل نسبية مرتبطة بوعي الشعوب وبالزمن" لافتاً إلى أنه لو اقترح أحدهم في العصر الحجري فكرة الطيران لاتُهم بـ "الجنون" ولكنه اليوم "أعقلهم"، على حد تعبيره. وأضاف أن هناك أشخاصاً سابقين عصرهم، وأفكارهم "الجنونية" هي التي تقود أوطانهم وشعوبهم نحو التقدم والازدهار، مؤكداً أن فكرة تقنين إنتاج القنب الهندي "فكرة معقولة" ستُقلص من تأخرنا عن الشعوب "المتقدمة". بلغ عدد المحكومين بجرائم تتعلق بالمُخدرات في السجون التونسية حتى ديسمبر 2015، 7451 شخصاً، منهم 7306 رجلاً و 145 امرأة، وفقاً للإدارة العامة للسجون والإصلاح التابعة لوزارة العدل . أُدين نحو 70% منهم أي 5200 شخص تقريباً باستهلاك أو حيازة مادة القنب الهندي أو الحشيش. وتُشير الإحصاءات إلى أن 28% من مجموع عدد السجناء في تونس مدانون في جرائم مخدرات. ويفرض القانون 52 الصادر عام 1992 عقوبة إلزامية لا تقل عن سنة سجن لمن يتعاطى أو يمتلك أي كمية من المخدرات غير القانونية، بما فيها القنب الهندي. وتؤدي جريمة العود إلى استهلاك المخدرات إلى عقوبة لا تقل عن 5 سنوات سجن، حتى في حالات حيازة سيجارة حشيش واحدة، ولا يتمتع القضاة بسلطة فرض بدائل عن السجن، مثل العقوبات المجتمعية أو العقوبات الإدارية الأخرى. وبعد مُطالبات قادها المجتمع المدني وحقوقيون لإسقاط القانون 52 لما يتسبب به من أضرار نفسية ومادية واجتماعية، وافقت الحكومة التونسية على مشروع تعديل القانون وأرسلته إلى البرلمان في 30 ديسمبر 2015 وصادقت عليه في أبريل 2017، وذلك عبر إلغاء الفصل الـ12 واعتماد فصل جديد يعطي القاضي سلطة تقديرية لتكون الأحكام أقل خطورة خاصةً بالنسبة للمُستهلكين المبتدئين ولكن جهات عدّة تعتبر التعديل غير كافٍ وتُطالب بإلغاء القانون بشكل نهائي. يقول بن حليمة إنه كان شخصياً وراء تنقيح القانون عام 2017، موضحاً أنه ساهم مع طلبته ومجموعة من القضاة والمحامين في تقديم مشروع قانون تبنته إحدى الكتل النيابية، مُضيفاً "لم يكن بالإمكان بلوغ السقف الأعلى لمطالبنا"، لافتاً إلى أن أفضل حل آنذاك كان تكريس ظروف التخفيف، وقد ساهم التنقيح بدرجة كبيرة في تغيير العقليات، وخاصة التعامل القضائي مع الظاهرة وتخفيف العقوبة السجنية أو عدم اعتمادها في العديد من الحالات.

استهلاك الزطلة "أمر عادي"

قدّمت منيرة قربوج، مديرة إدارة الطب المدرسي والجامعي، عام 2013 دراسة حول المخدرات بـ "الوسط المدرسي" أُجريت على عينة من تلاميذ تراوحت أعمارهم بين 15 و17 سنة، وبيّنت أنّ 50 إلى 75%  منهم كانت لهم بطريقة أو بأخرى علاقة بالمخدرات، وما بين 75% و80% منهم يعتبرون استهلاك الزطلة "أمراً عادياً" ولا يرفضونه. تقول منظمة هيومن رايتس ووتش إن قرار تعاطي المخدرات "مسألة اختيار شخصي وممارسة لجانب من جوانب الحق في الخصوصية المكفول في القانون الدولي، وهو جزء لا يتجزأ من احترام الاستقلالية الشخصية" تماماً مثل قرار استهلاك الكحول أو الدخان. وتعتبر أن الاعتقال والسجن والسجل الجنائي، "مع احتمال وجود نتائج ربما تصاحب الشخص مدى الحياة"، على حد قولها، هي ردود فعل غير مناسبة من قبل الحكومة تجاه شخص لم يفعل أي شيء سوى أنه استهلك مخدرات بغرض الترفيه. وأكّدت مديرة مكتب المنظمة في تونس آمنة القلالي أن "قانون المخدرات القاسي" في تونس أدّى إلى عواقب كارثية على حياة آلاف المواطنين، لافتةً إلى أن "هذه السياسة القمعية" لا تتماشى مع التوجه الديمقراطي الذي اتخذته تونس، "البلد العربي الحر الوحيد"، وفقاً لمؤشر الحرية العالمي لعام 2018 الذي أصدرته منظمة "فريدوم هاوس".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard