"أيها الأمير، إلى من تأتي؟ وماذا تطلب؟"... قصة سعي السعوديّة للانضمام إلى دار الأوبرا الأشهر في ميلانو

الأربعاء 6 مارس 201911:30 ص
"بينما تنتظر شارة البداية، تسمع صوت الرعد ثم يلمع البرق، فتُدرك أن العرض قد بدأ. في اللحظة التي ترتفع فيها الستارة، ترى البحر الهائج، ثم البرق مجدداً وتظهر النباتات التي تهتز بقوة تحت وطأة الريح. ترى السفن المنكوبة... تسمع صرير الريح وهدير الأمواج، ويصل إلى مسامعك صراخ الغرقى. شيئاً فشيئاً يعمّ الهدوء، تنجلي السماء، وينزل الممثلون من السفينة وتتعالى بعض الأصوات. لاحقاً، ترى الانتصارات. مُسلّحون يمتطون 36 حصاناً يتحركون بانتظام، وتبدأ المعارك ثم الحرائق والمقاومة… فانوس سحري من العناصر المُركّبة بشكل مربك، والتي تُلزم المرء بتوخي الحذر". كان هذا ما رآه بييترو فيري ثم وصفه في رسالة بعثها لأخيه بعد مشاركته في العرض الأول لأوبرا "أوروبا المُكتشفة" (Europa riconosciuta) في أغسطس من عام 1778. الكاتب والمؤرخ، الذي يُعدّ من أشهر الشخصيات الإيطاليّة الثقافية في القرن الثامن عشر، كان ممن حظوا بفرصة حضور العرض الأوبرالي الشهير لصاحبه أنطونيو سالييري، المعروف كأحد أشهر موسيقيي عصره. المناسبة كانت افتتاح "تياترو غراندي آلا سكالا" (teatro grande alla scala) الذي سيتحوّل إلى دار الأوبرا الأشهر في إيطاليا وواحد من أكثرها شهرة حول العالم، وسيتحوّل إلى ملعب لروسيني وبيليني ودونيزتي وفيردي وآخرين قدّموا أعمالهم هناك أول مرة.   اليوم، يعيش "لا سكالا" دراما من نوع آخر. أعلنت إدارة المسرح عن عرض سعودي من وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود، يُقدّر بمبلغ 15 مليون يورو ستُصرف على مدار خمس سنوات، ويُتيح دخول السعودية إلى مجلس إدارته. وقد أثار السعي لتدويل هذا المعلم الثقافي الشهير في ميلانو، عبر السعودية، جدلاً حاداً بين من يعتبرها "فرصة فريدة" وبين من يعتبرها "صفعة في ميلانو لحقوق الإنسان".  

"أيها الأمير، إلى من تأتي؟ وماذا تطلب؟"

تبدو قصة لا سكالا شبيهة بقصة أوروبا، والأخيرة تحمل في طياتها الكثير من العِبَر التي قدمتها أوبرا سالييري عند افتتاح المسرح في القرن الثامن عشر على آثار كنيسة "سانتا ماريا آلا سكالا" بأمر من امبراطورة النمسا ماريا تيريزا، والتي عاد القائمون عليه لنبشها بعد مئات السنين، وتقديمها مرة ثانية وتحديداً عند إعادة افتتاحه عام 2004 إثر ورشة تجديد ضخمة. "أوروبا المُكتشفة" هي قصة صراع بين الخير والشر، بين القدر والرغبات. هي قصة فتاة فائقة الجمال تُدعى أوروبا كانت تعيش في آسيا قبل أن تُختطف على يد ملك جزيرة كريت آستيريو (وليس على يد زيوس كما في الأسطورة الشهيرة) الذي تزوجها وأنجب منها طفلاً. تترك أوروبا وراءها حبيباً مُعذباً هو إيسيو، بينما يُسلّم والدها المُلك قبل وفاته لقريبتها سيميل التي تحب إيسيو بدورها. تعود أوروبا مع زوجها وولدها، فيتم سجنهم، بينما يُطالبها إيسيو بأن تتخلى عن زوجها لمصيره وتعود إليه لتتولى حكم المملكة وفق رغبة والدها.
يعيش المسرح الأشهر في إيطاليا دراما من نوع آخر. أعلنت إدارته عن عرض سعودي يُقدّر بـ15 مليون يورو ستُصرف على مدار خمس سنوات، ويُتيح دخول السعودية إلى مجلس إدارته
آخر ما قالته البطلة في عرض "أوروبا المكتشفة" لسالييري كان: "في خضم الرضى الذي أعيشه بما كتبه لي القدر، نسيت ما رأيته من قسوة". فهل تتنكّر أوروبا لكلّ تلك القسوة الآتية من الجهة نفسها التي يأتي منها المال وتزدهر من خلالها المصالح؟
"وسط كل هذه الأهوال، أيها الأمير، إلى من تأتي؟ وماذا تطلب؟"، تردّ أوروبا على إيسيو رافضة أن تسمح لـ"شرفها وولائها" بخيانة زوجها وأب طفلها، حتى لو كان أجبرها القدر على أن تكون معه. على هامش ذلك تحصل أحداث كثيرة، تنتهي بأن تُزوّج أوروبا كل من سيميل وإيسيو وتمنحهما الحكم. "وسط كل هذه الأهوال، أيها الأمير، إلى من تأتي؟ وماذا تطلب؟". تُشبه هذه الجملة ما يردّ به كثر اليوم على العرض السعودي باعتباره "انتهاكاً" لكل القيم التي تؤمن بها أوروبا من دولة يظهر "عدم تألقها مؤخراً في مجال حقوق الانسان وموازين الديمقراطية"، حسب بعض الأعضاء المؤسسين للمسرح. لكن العرض بتفاصيله يُغري كثراً ومنهم مدير المسرح ألكسندر بيريرا.

تفاصيل العرض السعودي

في مقابلة أجراها بيريرا مع "لا ريبوبليكا"(la repubblica) الإيطالية، قال إن "لا سكالا" يتفاوض مع الرياض حول التمويل، الذي يسعى إلى شراكة مدتها خمس سنوات على الأقل، وتُتيح ثلاثة ملايين يورو في السنة. بدأت المفاوضات، حسب بيريرا، بعد اتصالات مع الحكومة السعودية وشركة "آرامكو" للنفط، إثر اقتراح قدمه أشخاص مقربون من آتيليو فونتانا، رئيس إقليم لومباردي وعضو في حزب "الرابطة" اليميني بقيادة وزير الداخلية ماتيو سالفيني. في ديسمبر الماضي، وتزامناً مع بدء الموسم الجديد في المسرح، جرى لقاء بين وزير الثقافة الإيطالي آلبرتو بونيسولي ونظيره السعودي، واستمرت الاتصالات لاحقاً بشكل منتظم. لا يُبدي بيريرا قلقاً من المسألة، على عكس بعض أعضاء مجلس الإدارة الذين قالوا إن المفاوضات تُخالف كل القيم الأخلاقيّة. من بين هؤلاء، ماوريسيو غاسباري، العضو في حزب سيلفيو بيرلوسكوني (فورزا إيطاليا)، والذي طرح القضيّة أمام البرلمان مُشدداً على انتقاد بيريرا الذي يسعى للحصول على أموال من بلد كالسعودية. في 18 مارس، يُفترض أن يجتمع مجلس الإدارة بشكل استثنائي ليُناقش القضية، بينما لم يفت بيريرا أن يُطمئن بأن الأعضاء جميعاً موافقون ما عدا واحد، مؤكداً أنه ناقش الأمر مع جوزيبيه سالا (رئيس بلدية ميلانو) ومع بونيسولو، وأكد لهما أن "هذه الفرصة لا تتكرّر كل يوم". الأمر الوحيد، الذي قال بيريرا إن سالا طلب منه توضيحه هو صفة من سيدخل في مجلس الأمناء، هل هو وزير الثقافة بشكل شخصي، أم شركة خاصة، مصرف أو عبر الشركة النفطية الشهيرة؟ ولكن السؤال المطروح بين عدد من الرافضين للمشروع: في مملكة كالسعودية، أليس كل هؤلاء واحداً، ويمثلون البلد الذي ينتهك حقوق الإنسان؟ وحين يؤكد بيريرا أن مجلس الأمناء موافق بأكمله ما عدا واحد، ألا يعني ذلك أن العائلة المالكة السعودية هي المسؤول المباشر عن صفقة مماثلة؟

عرض إكسترا

بيريرا، الذي يُصوّب نظره على ولاية ثانية بعدما تنتهي الحالية في فبراير من عام 2020، يتحدث عن عرض إكسترا مواز للعرض المثير الجدل. بحسب صحيفة "كورييريه ديلا سيرا" (corriere della sera)، هناك فصل ثان من العرض السعودي، بموجبه يتم إنشاء معهد موسيقي في الرياض، تُريده العائلة المالكة أن يكون تحت إشراف أكاديمية "لا سكالا". يقول بيريرا: "ستكون هناك مدفوعات إضافية"، حيث نقوم بتدريب جوقة من الأصوات الصغيرة وفرقة من الراقصين تتراوح أعمارهم من 6 إلى 10 سنوات، بالإضافة إلى دورات لعزف البيانو والكمان. وفي خضم تسويقه للعرض، يستغلّ بيريرا الخلاف المحتدم بين فرنسا وإيطاليا اليوم، على محاور مختلفة منها سياسيّة موضوعها الأساسي في أفريقيا، ومنها ثقافي بدأ بالتطوّر على خلفية التحضير للذكرى الخمسمئة لوفاة ليوناردو دافنشي الذي يشكل محور نزاع تاريخي بين باريس وروما، والمنافسة على الشراكات "الثقافية" مع السعودية.   حسب قوله، فإن "إنشاء المعهد الموسيقي في البلاد من دون وجود أي نوع من التعليم الموسيقي، حيث بموجب القانون تمّ حظر الرقص كذلك، يبدو أنه سيكون ذات قيمة هامة لإيطاليا، بينما نرى فرنسا تسعى للاستيلاء على هذا المشروع"، كما أن "المبنى متاح بالفعل، ويضم مدرسة للطالبات في الرياض، علماً أن الأخيرة مستعدة للبدء بالمشروع في سبتمبر المقبل".
أثار السعي لتدويل المعلم الثقافي الشهير في ميلانو، عبر السعودية، جدلاً حاداً بين من يعتبرها "فرصة فريدة" وبين من يعتبرها "صفعة لحقوق الإنسان"
يأمل بيريرا كذلك بأن يُنظّم عرض أوبرا "لا ترافياتا" و"ريغوليتّو" الشهيرتين لصاحبهما جوزيبيه فيردي في الرياض، بما سيعود كذلك على المسرح من منفعة مادية ومعنوية، حسب قوله. من جهته، وكما نقل موقع "آفاري إيتالياني" (Affari italiani) عنه، يقول رئيس بلدية ميلانو إن مشاركة السعودية في حال اقتصرت على الجانب المادي البحت "لن تنفع بالمعني الفعلي"، ولذلك يجب أن تكون مشاركة السعودية "مناسبة لتعزيز صورة لا سكالا في الشرق الأوسط، وأن تحملها إلى خارج نطاق الرياض أي إلى دور الأوبرا والمسارح الموجودة في تلك المنطقة". يبدو سالا مقتنعاً بالمشاركة السعودية، لكنه يحدّدها بالقول إن "وظيفة الأموال السعودية هي لعب دور فاعل في تدويل المسرح الذي أؤمن به بشدة… ومع ذلك، القرار يعود لمجلس الأمناء في 18 مارس، والذي يُحدّد ماذا تعرض السعودية بالضبط وماذا تريد من هذا العرض".

كيف ستنتهي القصة؟

يقول بيريرا "أنا متفائل للغاية لأن العرض مهم، لكنني لا أرغب في إبرام الاتفاقية من خلال خلق إحراج للأمير السعودي". قد تُذكّر القصة للوهلة الأولى، بحسب "كورييريه ديلا سيرا"، بدخول ليبيا القذافي إلى شركة "فيات" عام 1976، بعد حصوله على 10 في المائة من الأسهم مقابل 415 مليون دولار. ولكن إذا كانت حسابات "فيات" آنذاك في حالة من الفوضى، يقول بيريرا إن "لا سكالا" يتمتع بصحة ممتازة. وعن سعي بيريرا لإعادة تعيينه لولاية ثانية من خلال إدخال المال السعودي إلى المسرح ، يُجيب مستنكراً: "هل تعتقدون حقاً أن إعادة انتخابي تعتمد على مشروع للأطفال في المملكة العربية السعودية؟".

أتذكرون مباراة كرة القدم؟

كان رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي أنطونيو بانزيري من أوائل من عبّروا عن رفضهم لانضمام السعوديين (عبر وزارة الثقافة في المملكة)، واصفاً الأمر بـ"الصفعة لمدينة الحقوق". وذكّر بانزيري، الذي ينتمي لحزب "أحرار ومتساوون" اليساري الإيطالي، بحاجة المسرح للحصول على موارد مالية، لكنه رفض تماماً أن يكون ذلك بـ"السماح لأحد الرموز الأكثر شهرة في ميلانو بالتعاون مع من يُمرّغ يومياً الحقوق والحريات في بلاده"، منوهاً بأن ميلانو "استضافت للتو تظاهرة كبيرة مؤيدة للحقوق وضد العنصرية، وسيكون من باب المفارقة أن نفتح الآن الأبواب أمام السعوديين". الإعدام في السعودية يبلغ ذروته بأكثر من 150 حكماً منفذاً وذكّرت بعض الصحف بمواقف عديدة انتهكت فيها المملكة حقوق الإنسان، فحضرت بشكل أساسي جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي بطريقة شنيعة، إلى جانب ما أثارته في يناير الماضي إقامة مباراة كأس السوبر لكرة القدم الإيطالية في مدينة جدة السعودية من جدل في الأوساط السياسية الإيطالية على خلفيّة القواعد التي تعتمدها المملكة بشأن دخول النساء إلى الملاعب، بحسب "ميلانو توداي"(milano today). كما استحضرت سعي السعودية العام الماضي لدخول السوق الأوروبية عبر شركة فخمة للعقارات والاستثمار في ميلانو. نعود إلى "أوروبا المكتشفة" لسالييري. كان آخر ما قالته البطلة: "في خضم الرضى الذي أعيشه بما كتبه لي القدر، نسيت ما رأيته من قسوة". فهل تتنكّر أوروبا، التي تُعيد اكتشاف نفسها مجدداً، بدورها لكلّ تلك القسوة الآتية من الجهة نفسها التي يأتي منها المال وتزدهر من خلالها المصالح؟
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard