الرّجال يذهبون إلى السوق في "سيوة"، تكريماً للنساء!

الأربعاء 6 مارس 201906:05 م
بين حين وآخر يُسلَّط الضوء على مشاركة محدودة من رجال قرّروا مساعدة زوحاتهم في تحمل جزء من الأعباء المنزلية، إما بالمساعدة في طهيِ الطعام أو أعمال التنظيف أو غسل الملابس وكيّها، لكن ثمة أنباءً نادرة عن مشاركة الرّجال في الذهاب إلى السوق ربما لكون المكان لا يناسب الرجال على الإطلاق. "البرنس"؛ جميعنا يتذكر صورة الراحل أحمد مظهر في فيلم "الأيدي الناعمة"، سليل الأتراك ومن تبقى من عائلته، مفلساً بعد ثورة يوليو 1952، مَديناً، يضطرّ إلى تأجير قصرِه حتى يعتاش منه، لكنّ قصة حب مع الشحرورة صباح، دفعته للتخلي عن غطرسته وكبريائه وقرّر مساعدتها في الذهاب إلى السوق والتبضّع. أحداث الفيلم نقلت بعد ذلك حرفة الأمير المفلس في اختياراته للخضر والفاكهة، ومعرفته الجيد من الفاسد والمعطب، واختصاص حرفي عي الدجاج الذي يكون على وشك أن يبيض. أن تجد رجلاً يبتاع خضراً وفاكهة ويطلب من البائع أن ينتقي هو، أمرٌ عسير، خاصة في هذه الآونة التي تشكو الكثير من النساء من عدم مساعدة الأزواج لهنّ، لكنّ بعداً آخر كان في بلدة صغيرة؛ واحة عَرفت التمدّن قريباً، واحة "سيوة" المصرية التي تقع في أقصى الصحراء الغربية، وتبعد عن القاهرة قرابة 750 كيلومتراً، وتقترب من الحدود الليبية بمسافة 90 كيلومتراً. في هذه البقعة النائية والتي لا يتجاوز عدد سكانها ما يقارب 40 ألف مواطن مصري وأجنبي، حيث يقيم بها عددٌ من الأجانب قرّروا الاستقرار بها لجمالِها وهدوئها المنشود، لن تجد امرأة واحدة في السوق؛ فجميع الرجال، باعةٌ ومشترون، وحتى الأجانب تعلّموا هذه الحيلة، وأصبح الرجال منهم يعتادون بعادات أهل الواحة. تكريم الأمّ؛ عادة متوارثة من مئات السنين من الصعبِ أن تصف سيوةَ بأنها قرية، لكنّها، ومع ذلك ورث أبناؤها عادةَ الذّهاب إلى الأسواق بدلاً من النساء، من الامازيغ القادمين من الجزائر والمغرب. يقول أحد أبناء أهل الواحة ويدعى محمد زايط، إنه ورث هذه العادة من أبيه وأبيه كان قد ورثها من جدِّه، وجدّه ورثها من جدِّ جدّه. الأمر متوارث، ولا يتذكر أن رأى مرّة امرأةً تذهب إلى السوق. ويضيف لـ"رصيف22": جميعنا كرجالٍ نجد أنه "عادي" أن نذهب إلى السوق، و"عيب" كبير أن تذهب نساؤنا إليه، لذلك فإنّ الباعة والمشترين هم من الرّجال. بعد أن نأخذ الطلبات من زوجاتنا نذهب إلى السوق لإحضارها.
يقول زايط إن التغيّر الوحيد الذي حدث في هذه العادة هو أن النساء لم يكنّ قديماً مستترات الوجه، بينما الآن هنّ يمشين في الشوارع مغطّيات الوجوه، وبالطبع مع الثوب السيويّ المميّز الساتر لجميع أجزاء الجسد، فلا يتبيّن شيءٌ من السائرة.
تجاذبنا أطراف الحديث مع الصبية البالغة من العمر 12 عاماً، فكانت ترى أنها لن تكمل التعليم بعد المرحلة الإعدادية، بل تستعدّ للزواج وتقوم بتطريز ثوب عرسِها، وهي عادة متوارثة لفتيات الواحة.
يقول زايط إن التغيّر الوحيد الذي حدث في هذه العادة هو أن النساء لم يكنّ قديماً مستترات الوجه، بينما الآن هنّ يمشين في الشوارع مغطّيات الوجوه، وبالطبع مع الثوب السيويّ المميّز الساتر لجميع أجزاء الجسد، فلا يتبيّن شيءٌ من السائرة؛ جميعها مغطّاة من رأسها حتى قدمها، ويحدث ذلك بعد الزواج، إذ من الصعب، بل يمنع على النساء الخروج من المنزل بعد الزواج، وإن خرجت إحداهنّ يكون خروجها لزيارة الأهل فقط أو الجارة. أما عن عادة الذّهاب إلى السوق، فيضيف زايط، الشاب الثلاثيني، والذي يتحدث ثلاث لغات، أنه في بعض الأحيان نجد سيدة، لكن إما تكون القابلة (الداية) التي تساعد النساء على الولادة وقد جاءت لتشتري مستلزمات من السوق، خاصة التوابل والفاكهة واللّحوم، أو امرأة طاعنة جدًّا في السنّ ربما تتجاوز الثمانين عاماً، تبيع خضرها وفاكهتها، لكنها لا تكون من سيوة وإنما من الفلّاحين من خارج الواحة. بينما يرى العم صالح، الرجل الستينيّ الطاعن في السن، والذي يذهب أحياناً هو أو ابنه إلى السوق لجلب طلبات البيت، أن هذه العادة هي تكريم لنسائهم لكي لا يذهبن إلى الأسواق، وينكشفن للعامة، ويتعرّضن لما يمكن أن يقلّل من شأنهن، فهنّ معزّزات مكرمات وقراتٌ في البيوت، يربّين الأولاد ويقمن بالطبخ وسائر الأعمال المنزلية، وهي عادة متوارثة، ولم يعترض عليها أحد. بيت بلا بقالة لأسبوعين منزلٌ بسيط متواضع، في وسط المدينة، وبجوار جبل "شالي"؛ كان ذلك بيت إحدى السيدات الذي دلفنا إليه، والتي كانت تتحدّث الأمازيغية المحلية السيوية، وكانت ابنتها تترجم لنا إلى اللهجة القاهرية المصرية كلماتها، وهي رفضت ذكر اسمها! قالت إنها أبداً لا تذهب إلى السوق، ولا حتى بناتُها المراهقات، واللاتي لم يتزوّجن بعد، وأعمارهنّ أقلّ من 12 عاماً، لأنه يمنع عليهنّ، بل يبقين ينتظرن عودة الأب من عمله الذي يتطلّب سفره إلى خارج سيوة وربما إلى القاهرة، وقد يضطرّ إلى الاغتراب عنهنّ بضعة أيام أو أسابيع. وتقول السيدة حينما زرناها إنه لا يوجد في بيتها منذ أسبوعين بقالة، لأنّ الأبَ غير موجود. كان من الصّعب عليها أيضاً أن تتحدث اللّهجة المصرية، فعلى استحياءٍ كانت تهزّ رأسها دليلَ الفهم لما أقوله، وليس دلالة أنها لا تستطيع التعبير بنفس اللغة. وحينما سألتُها عن السبب أجابت: لندرة خروجها واختلاطها بالعامة، كما يفعل رجال القرية والذين يختلطون بغير "الأمازيغ"، فيتحدّثون المصرية بطلاقة، كما يتحدّثون الأمازيغية وعدّة لغات أخرى كالفرنسية والإنكليزية والإيطالية وأحياناً الإسبانية. لغات متعددة يتحدّثها الرجال، تمكّنهم من السفر والتّرحال والتّعامل مع الأجانب، بينما لا تتحدّث النساء لغة الدولة التي يعشن على أراضيها. وأضافت هذه السيدة التي بدت في أوائل الثلاثينات من عمرها أن النساء يجلسن في البيوت لتربية الأبناء والطبخ والكنس والقيام بأعمال المنزل، وحينما يخرجن لزيارة الجارة أو الأقارب، يرتدين الثوب السيناويّ، والذي يشبه النقاب يغطّي كافّة الجسم من الرأس وحتى القدم، وهو مزيّن بالتطريز السيناوي الذي يقمن هنّ به. وما لفت أنظارنا إليه كان أن الفتيات والنساء حينما يجلسن في البيوت أيضاً يقمن بأعمال التطريز ومواصلة تراث الجدّات والعمّات من حياكة الملابس على الطريقة السيوية ذات الشغل المميّز والخاصّ بأهل الواحة. وتجاذبنا أطراف الحديث مع ابنتها البالغة من العمر 12 عاماً، والتي ترى أنها لن تكمل التعليم بعد المرحلة الإعدادية، بل تستعدّ للزواج وتقوم بتطريز ثوب عرسِها، وهي عادة متوارثة لفتيات الواحة. وقالت ما الفائدة في أن تكمل تعليمها طالما أنها ستتزوّج بالنهاية، فهي لا تحلم بالسّفر أو الخروج أو أن تصبح طبيبة أو مهندسة أو معلّمة. وتحدّثت الصبيةُ عن فتاةٍ ذهبت إلى مصر (تقصد القاهرة)، وأكملت تعليمها في الجامعة كما لو كان حدثاً نادراً. بعد دقائق كانت الفتاة تجري وتلعب مع باقي الأطفال، فصعدوا جبل شالي لرؤية الغروب على الواحة من أعلى منطقة بها. خطورة على الأمن القومي وترى الدكتورة سوسن فايد المتخصّصة في علم النفس الاجتماعي والسياسي بالمركز القوميّ للبحوث الاجتماعية، أن النساء في المناطق النائية والبعيدة عن القاهرة هنّ مظلومات، ولا ينلن حقوقهنّ ونصيبهن من الحملات التثقيفية والتوعوية التي تقوم بها الدولة، فلا تتطوّر أو تتغير أفكارهن وثقافتهن العامة، وليس ذلك أن القصد هو التطوّر الاجتماعي فقط، بل على كافة المستويات. وحذّرت الدكتورة فايد أن هذا البعد الذي جعلهن غير مواكبات لتطوّر الحياة الاجتماعية والسياسية وخاصة مع اقتراب واحة سيوة من الحدود، لن يؤثّر فقط على خروجهن للأسواق، بل الأمر أبعد من ذلك، خاصة أن الواحة قريبة من الحدود مع ليبيا، وربّما يكنّ عرضة لخطورة تهدّد الأمن القومي. وطالبت المتخصصة في علم النفس الاجتماعي والسياسي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية، أن تكون هناك حملات توعوية تشنّها الدولة لتنمية البعد الاجتماعي والثقافي والسياسي والأمني لنساء الواحة ولحمايتهن من معطيات الحاضر والمستقبل والحروب، وأن يحملن مسئوليتهن الاجتماعية. وترى أيضاً أن السبب في محافظة رجال الواحة على هذه العادة دون وعيٍ أو إدراك حتى مع تطوّر الزمن، وحتّى ذوي العقول المنفتحة منهم، هو أن من يخالف ذلك سيكون محلَّ نقدٍ من الآخر. أما عن ما لمسناه من النساء من عدم وعيهنّ بأهمية وجدوى الخروج من المنزل والانخراط في الحياة الاجتماعية العامة، قالت دكتورة سوسن فايد إن نساءَ وفتياتِ الواحة قد تربّين على ذلك، وهو تقليد اجتماعي، فلا يشعرن بالمعاناة لأنهنّ لم يجرّبن أمراً آخر، ولا يعرفن الفرق، ولا يدركن أن هناك شيئاً فاتهنّ إلا إذا خرجن. ووافقتها الرأي الدكتورة هالة يسري أستاذة علم الاجتماع من مركز بحوث الصحراء، والتي رأت أنه من الضروريّ أن تكون المحافظات الحدودية والنائية مثل واحة سيوة على أولوية أجندة الدولة في التعليم والتثقيف والوعي. وأكّدت أن أهل الواحة رجالاً ونساءً، لا يكونون على وعيٍ بضرورة المشاركة الاجتماعية للنساء، لأنّ العادات والتقاليد من أصعب الأفكار التي تستجيب للتغيير، ولابدّ أن تدرك النساء أنهن بحاجة إلى التغيير، وأن لهن دوراً اجتماعياً، وأن يقتنعن أنهن خانعات ومتضررات، ولسن سعيدات بهذه العادات. والمهمّ في التنمية في هذه المجتمعات هو رغبتهنّ في التغيير، وغير ذلك لن يكون هناك تغيّر. وأضافت يسري أن النساء والجيل الحاليَّ، لا ينظرن إلى أنه قد فاتهن شيءٌ، ونحن في عام 2019، لأنهن ممتثلاتٌ لإرادة الكبار وعادات وتقاليد وقيم تفرض أضرارها على المجتمع، وأوّل من يمتثّل لها المرأة والشباب. وأشارت إلى أنه بالنسبة للمحافظات الحدودية، لابد أن تعامل كلّ محافظة على حدة، حيث تختلف كلّ محافظة في طباعها عن أيّ محافظة حدودية أخرى، وبالتالي تحتاج إلى طريقة حوار مختلفة، ولكن بضرورة التدخل بالتعليم والتثقيف وخاصة الصحّة الإنجابية.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard