محطّة مصر: سيلفي القطار المُدَمّر أو درس في إنتاج الرّعب

الثلاثاء 5 آذار 201912:59 م

شكّل التقاط شاب مصري لصورة سيلفي أمام قطار محترق إثر حادث مؤلم واقعةً أيقظت شبكة واسعة من ردود الأفعال. ارتفعت وتيرة الإدانة لفعلة الشاب والحضّ على عقابه بشكل متصاعد وعنيف بالتزامن مع دعوات صدرت من جهات رسمية تطالب بتعليق مشنقة السائق الذي تسبب إهماله بوقوع الحادث.

ما لم يُذكر بشكل واضح، هو أن الشاب لم ينشر الصورة في الإعلام بنفسه، وأن صورته التي تم تناقلها وتداولها التقطها مصور صحفي نشرها مرفقة بتأويل حاسم، يعتبر أن علامات اللامبالاة والاستخفاف كانت بادية على الشاب لحظة التقاط الصورة.

اللافت أن نشر مثل هذا التأويل في بلد باتت فيه الأسباب المفضية إلى السجن  شديدة السهولة، ينطوي على كثير من العدوانية والعنف والدعوة إلى ممارسة التنكيل والترهيب. الصحافي في هذا المقام  تحوّل إلى مخبر وقاض، وهجر وظيفته التي تعنى بنقل الحدث ومناقشته، وقرر أن يلعب دورًا أمنيًا.

يعكس هذا الواقع جملة تحولات طالت المجال العام في كل المنطقة، دفعت بكل شيء إلى إقامة جبرية في ظل مجال أمني بات ناظمًا أعلى للشأن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. البعد الأخطر لمسار التحولات العنيفة يكمن في البعد السيكولوجي الذي نجحت من خلاله المنظومات الأمنية في أن تنقل الرعب من المجال العام إلى الداخل ليصبح الناطق الأعلى باسم الذات. من هنا نجد أنفسنا أمام ذوات مرعوبة تنطق باسم الرعب وتعبر من خلاله عن أحوالها.

هكذا يمكن أن نعثر في الصورة التي أثارت كل هذا الجدل على دلالات يشكل الرعب القاسم المشترك الوحيد الذي يجمع بينها، فمن البارز أن الشاب بعد أن ثقلت وطأة الاتهامات عليه وباتت تمثل تهديدًا خرج إلى الإعلام مدافعًا عن نفسه. وأعلن أن الهدف من التقاط الصورة لم يكن مرتبطًا بأي شكل من الأشكال بالاستخفاف والاستهزاء، وأكثر من ذلك رأى أن المشهد في حد ذاته لم يكن مهما إلا بقدر ارتباطه  بالتأكيد على أنه قد نجا.

ببساطة، كل ما أراد الشاب التعبير عنه كان فكرة النجاة، وأنه أراد التقاط الصورة بهدف طمأنة أهله، وفي حال كانت تهمة الاستعراض ممكنة فإن مادة الاستعراض نفسها ليست سوى النجاة، والهول الملتقط لا يعدو كونه خلفية تؤكد واقعة النجاة وحسب.

ما فرضته الصورة التي التقطها الصحافي مع تأويلها جعل صورة النجاة غير ممكنة، وتجدر الإشارة الى أن صورة السيلفي نفسها بقيت خارج التداول،  فالصورة التي انتشرت هي صورة الصحافي، بينما غابت صورة الفتى، فنحن شاهدنا الفتى وهو يلتقط الصورة ولم نشاهد الصورة.

التقط الصحافي فعلة التصوير مدينًا إياها، وبذلك لم يعد المعنى الذي كان الشاب يحاول التعبير عنه ممكنًا. تم إنتاج عملية انتقال للمعنى تحوّلت فيه صورته إلى وثيقة إدانة دافعة بالرعب إلى واجهة المشهد من جديد ليكون المعنى الوحيد الذي يمكن أن تعبّر عنه صورة السيلفي.

ماتت النجاة أو لحظة النجاة المسروقة وقضي على فكرة أن هناك مواطنًا يمكن أن يصنع معنى ما خارج مجال الرعب. حوّلته الإدانة الواسعة الى ضحية من ضحايا الحدث ولكنه ليس ضحية إيجابية بل ضحية سلبية، واتخذت الصورة التي كان يلتقطها صيغة الصورة الأخيرة.

من ناحية أخرى، يجدر السؤال عن زمن الصحافي ومهمته التي يجب أن تُعنى بإنتاج الكلام والمعاني والدفاع عن الحق في كل الأحوال. لم يكتف هذا الصحافي بالامتناع عن القيام بمهمته، ولكنه اجتهد في نفيها وجعلها مستحيلة، فالأحكام المبرمة والنهائية والإدانات المطلقة ليست صيغة كلام أو حوار، بل صيغة نفي تام، وتاليًا فإنها صمت لا يمكن الصحافة أن تحيا في ظلاله.

ما سمح بإنتاج مثل هذا الواقع، هو زمن الرعب الذي يحياه الصحافي ويدافع عنه، وهو زمن موت دوره، وكذلك فإن لعب الأدوار النقيضة ومحاولة السكن في دور المخبر والقاضي ليست متاحة له أو مسموحة.

لا يعدو الأمر كونه اجتهادًا منه لمحاولة لعب الدور المطلوب من السلطات، ولكن الجديد في تركيبة السلطات في منطقتنا أنها غيّبت الحدود بين موالاة ومعارضة، فهي تريد أن تربي الجميع، وتاليًا فلا دور ثابتًا وممكنًا لأحد، وعلى كل شخص أن ينتج بنفسه الدور الذي يعتقده مناسبًا دون أي وعد بالقبول أو الموافقة.

تضع هذه الإستراتيجية المقيمين تحت سلطة الديكتاتوريات في حالة من التشتت الدائم واللهاث المستمر لمحاولة تلمس رغبات السلطات، كما تجتهد السلطات في جعل رغباتها ومقاصدها غير مفهومة على الإطلاق. يتساوى في ذلك النظام العسكري والنظام الديني، فمع أن كليهما يلتقيان في الدفع بأنصارهما إلى التبدد والتلاشي والموت ولكنهما لا يعطيان من يقع تحت نيرهما أي بوصلة واضحة، ولا يحددان معالم الطريق.

اللافت أن نشر مثل هذا التأويل في بلد باتت فيه الأسباب المفضية إلى السجن  شديدة السهولة، ينطوي على كثير من العدوانية والعنف والدعوة إلى ممارسة التنكيل والترهيب.
هكذا يمكن أن نعثر في الصورة التي أثارت كل هذا الجدل على دلالات يشكل الرعب القاسم المشترك الوحيد الذي يجمع بينها، فمن البارز أن الشاب بعد أن ثقلت وطأة الاتهامات عليه وباتت تمثل تهديدًا خرج إلى الإعلام مدافعًا عن نفسه.
كل ما أراد الشاب التعبير عنه كان فكرة النجاة، وأنه أراد التقاط الصورة بهدف طمأنة أهله، وفي حال كانت تهمة الاستعراض ممكنة فإن مادة الاستعراض نفسها ليست سوى النجاة، والهول الملتقط لا يعدو كونه خلفية تؤكد واقعة النجاة وحسب.

لقد مات الجمهور، حتى أن ذلك الهتاف السحري الذي كان يطرب ديكتاتوريات الماضي والذي يقول: "بالدم بالروح نفديك يا زعيم" لم يعد يشنف آذان الأنظمة الحالية، التي تعلن على الدوام احتقارها لناسها، وتطلب منهم تدبير شؤون هذا الاحتقار بأنفسهم، وذلك لأن القبول بفكرة التأييد ومنحها حيزًا ودلالة يتضمن القبول بالشأن المطلبي وبحد ما من النقاش، وهذا ما لا يستقيم في لحظة الأنظمة الحالية.

هكذا فمن غير المتاح لأحد أو لأي واقع أن يكون مسؤولًا عن الحادث بشكل مباشر، فلا السائق الأرعن يمكن أن يتحمل المسؤولية ولا الإهمال أو فساد سكك الحديد، كما أن السلطات لا تحاول إقفال الأمر في تأويل محدد وفرضه بل تترك الساحة مفتوحة لمسار طويل من الاستثمارات بلا بداية ولا نهاية فاتحة المجال أمام مجزرة مفتوحة تطال كل شيء.

ضحايا حادث القطار سقطوا لأنهم لا يجيدون شيئاً آخر، ويمكن النظر إلى التعويض الذي قررت السلطات دفعه عن كل ضحية وكأنه نوع من جائزة يراد من خلالها القول إن موتهم كان نوعًا من مقامرة فازوا فيها بجائزة سخية، وإن الكرم الفائق الذي قررت إغداقه على المواطنين يقضي بإدامة ظروف مثل هذه المقامرة لفتح المجال أمام أكبر عدد ممكن من المواطنين للفوز بمثل هذه الجائزة التقديرية التكريمية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard