أمريكا ومكافحة الإرهاب في إفريقيا... هل تلغّم واشنطن القارة في وجه الصين وروسيا؟

الثلاثاء 5 مارس 201908:15 م
بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هزيمة داعش في ديسمبر الماضي، صدرت تقارير تهاجم إدارته لأن فروع التنظيم لا تزال ترتع في إفريقيا، ولا يزال مناصروه يحتفظون بموطئ قدم في جميع أنحاء القارة، وخاصة في المناطق التي تتركز فيها الثروات. ولا تخصص الولايات المتحدة ميزانية كبيرة لمحاربة الإرهاب في إفريقيا. فعام 2016 مثلاً، كان البنتاغون يخصص نحو 200 مليون دولار لعملياته ذات الصلة في شمال إفريقيا مقابل تخصيصه 58 مليار دولار لتمويل مهماته في العراق وسوريا وأفغانستان، منها 7.5 مليار دولار لمحاربة داعش لوحده. يكشف ذلك عن فارق هائل في الأهمية التي توليها واشنطن لمحاربة الإرهاب في جغرافيات مختلفة، رغم أنها تمتلك قواعد أو مجموعات عسكرية في كل من مالي والنيجر وتشاد ونيجيريا والصومال والكاميرون وتونس وأوغندا، عدا قاعدتها الضخمة في جيبوتي. عدا ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في نهاية عام 2018 أن قيادة الولايات المتحدة في إفريقيا (أفريكوم) قررت خفض قواتها الخاصة المكلفة بمهام مكافحة الإرهاب، وعدد عناصرها 1200 جندياً، بنسبة 25%، كما قررت خفض القوات المشاركة في برامج تدريب عسكري مع حكومات محلية، وعدد عناصرها نحو 7200 عنصراً، بنسبة 10%، في السنوات القادمة.

داعش والقاعدة في إفريقيا

تُعَدّ جماعة "بوكو حرام" التي بايعت زعيم تنظيم داعش أبا بكر البغدادي عام 2015، أكثر التنظيمات إرهابا وفتكاً بأرواح المدنيين في نيجيريا الغنية بالنفط والغاز وصاحبة أكبر اقتصاد في القارة السمراء، وفي الدول المجاورة لها كالكاميرون وتشاد والنيجر. بين يونيو 2011 ويونيو 2018، وثّقت دراسة وقوع 2021 هجوماً نفّذتها "بوكو حرام"، أسفرت عن مقتل 37530 شخصاً من المدنيين وعناصر التنظيم والجيش النيجيري، كما أدت إلى نزوح أكثر من مليوني شخص بسبب الاشتباكات بين القوات النيجيرية ومسلحي الجماعة. رغم ذلك، يقتصر دور الجيش الأمريكي في محاربة "بوكو حرام" على إرسال طائرات بدون طيار وطائرات للبحث عن المختطَفين لدى التنظيم، وتدريب القوات النيجيرية وتقديم خدمات استشارية لها بدون الدخول في اشتباكات مباشرة. وكان السفير النيجيري في واشنطن قد عبّر عن استهجانه لسياسة أمريكا في محاربة الجماعات المسلحة في بلاده، وقال عام 2014: "نجد صعوبة في فهم كيف ولماذا تتوسع بوكو حرام وتصبح أكثر فتكاً على الرغم من وجود الولايات المتحدة في نيجيريا بتكنولوجيا عسكرية متطورة". ولا يقتصر نشاط الجماعات الموالية لداعش في إفريقيا على بوكو حرام بل تضمّ "أنصار بيت المقدس" في سيناء بمصر، وجند الخلافة في الجزائر، وفصيل من حركة الشباب في الصومال، وجماعات نائمة في ليبيا وتونس، وجماعة المرابطين في المغرب العربي. هؤلاء يُضافون إلى حضور القاعدة القوي في مناطق مختلفة خاصةً في الصومال.

أمريكا ومحدودية محاربتها للإرهاب في إفريقيا

يأتي تقليص مهمات القوات الأمريكية في الدول الإفريقية في إطار الاستراتيجية الدفاعية التي تبنّتها إدارة ترامب والتي تركّز على الخطر العالمي للصين وروسيا. يشير رئيس جهاز الشؤون المعنوية السابق في القوات المسلحة المصرية، اللواء سمير فرج، إلى أن الجيش الأمريكي لديه أولاويات في محاربة التنظيمات المتشددة، وبات في السنوات الأخيرة يربط تحركاته بنشاط الصين وروسيا، مضيفاً أن إفريقيا تشهد حالياً صعوداً كبيراً في نفوذ بكين وموسكو، ما يشكّل مصدر قلق كبير لواشنطن. ويضيف فرج لرصيف22 أن الرأي القائل إن الأمريكيين يريدون جعل نيجيريا الغنية بالثروات قنبلة موقوتة بالمسلحين في وجه الصينيين وغيرهم من القوى المنافسة هو التفسير الأرجح لسياسية التجاهل الأمريكية الحالية للمجاز التي ترتكبها "بوكو حرام" وفي مقدمتها خطف سيدات وفتيات مسيحيات واغتصابهن. ويتابع أنه برغم أن هذه المجاز هزّت الرأي العام الأمريكي إلا أن الأمريكيين لم يتحركوا بعكس ما حصل بعد الهجوم على الإيزيديين في العراق. يعتبر فرج أن الأمريكيين يتبنّون دائماً سياسة القنابل الموقوتة في وجه الخصوم، وهو ما يجري في إفريقيا مع الصين، فضلاً عن أن الرئيس الحالي ترامب رجل أعمال، لن يحارب الإرهابيين مجاناً فيما تذهب ثروات القارة للصينيين والروس وأوروبيين. ولكن الباحث الإثيوبي في معهد الردسات الأمنية في أديس أبابا، عمر محمود، يعترض على "النظرة التآمرية" في قراءة نوايا الولايات المتحدة حول مكافحة الإرهاب في إفريقيا، فالمسألة برأيه أن الأمريكيين أدركوا أن النهج العسكري الصارم لن يقضي نهائياً على المشكلة، بل يجب النظر في المظالم الكامنة التي تتغذّى عليها الجماعات المتطرفة، وبالتالي توجهوا نحو الاستثمار في البرامج المتعلقة بمنع التطرف العنيف.
عام 2014، قال السفير النيجيري في واشنطن: "نجد صعوبة في فهم كيف ولماذا تتوسع بوكو حرام وتصبح أكثر فتكاً على الرغم من وجود الولايات المتحدة في نيجيريا بتكنولوجيا عسكرية متطورة"... عن سياسة واشنطن لمكافحة الإرهاب في إفريقيا
يعتبر البعض أن الأمريكيين يتبنّون دائماً سياسة القنابل الموقوتة في وجه الخصوم، وهو ما يفعلونه في إفريقيا مع الصين، إذ يترددون في القضاء على الإرهاب هناك... عن سياسة واشنطن لمكافحة الإرهاب في إفريقيا
ويكتفي الباحث في مركز كوش للدرسات الإفريقية ألور بيونق بالتحذير من تأثيرات التنافس بين الصين وأمريكا على الأمن في القارة الإفريقية ويعتبر أن مهمة مواجهة الإرهاب يجب أن تقوم بها الحكومات الإفريقية كي تتلافى هذه المشكلة. وتظهر درسات أن التبادل التجاري للصين مع الدول الإفريقية تجاوز 165 مليار دولار عام 2017، مقارنة بـ36 ملياراً للولايات المتحدة، أي أن بكين ستكون الأكثر استفادة من استقرار الأوضاع في القارة السمراء والأكثر خسارة من تدهورها. وتنفّذ الصين استثمارات في قطاع السكة الحديدية في نيجيريا بقيمة 20 مليار دولار فضلاً عن مشاريع أخرى بمليارات الدولارات في مجالات البنية التحتية والرياضة والبترول. وتُعَدّ المخاطر الأمنية في نيجيريا أبرز عقبة أمام مصالح الصين، لذا تعهدت بكين عام 2014 بمساعدة الحكومة النيجيرية في محاربة "بوكو حرام"، دون أن تنفّذ تعهداتها حتى الآن. وفي ديسمبر الماضي، كشفت إدارة ترامب عن استراتيجية جديدة لإفريقيا، تركّز بمجملها على مواجهة نفوذ الصين هناك. وقال مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون خلال كشفه عن تفاصيل هذه الاستراتيجية إن أكبر تهديد في إفريقيا لا يأتي من الفقر أو التطرف الإسلامي بل من الصين، وكذلك من روسيا. وينشط الروس في القارة الإفريقية ولهم مصالح كثيرة هناك أبرزها تجارة الأسلحة، كما أنهم يتدخلون بشكل مباشر في بعض الأزمات عبر إرسال مرتزقة روس لمساعدة حلفاء لهم، وجرى الكشف عن هذا النوع من النشاط في السودان وليبيا. وقال بولتون إن الصين كي تحصل على ميزة تنافسية مع الولايات المتحدة في القارة السمراء تستخدم الرشاوى والاتفاقات الغامضة والديون لإخضاع الدول الإفريقية لرغباتها. وأشار إلى أن الصين أقامت قاعدة عسكرية في جيبوتي، تقع على بعد نصف ساعة من القاعدة الأمريكية هناك. مواقف كثيرة للإدارة الأمريكية يجري تفسيرها على أنها موجّهة ضد الصين. فحين رفعت صوتها ضد ممارسات الصين بحق المسلمين الأويغور، شككت تقارير في نواياها، إذ كيف لإدارة تريد منع المسلمين من الهجرة إلى الولايات المتحدة أن تدافع عنهم في الصين؟ وبحسب سمير فرج، تستخدم السياسة الأمريكية دائماً عاطفة المسلمين حول العالم وتحشدهم لمواجهة خصومها، كما حدث في أفغانستان ضد الاتحاد السوفياتي. وبالفعل، أصدرت أحزاب إسلامية في إفريقيا تقارير وبيانات تدعو إلى مقاطعة البضائع الصينية ومحاربة تواجدها في القارة السمراء بسبب سياستها ضد الأقلية الصينية المسلمة.

وجهة النظر الأمريكية

يلقى تقليص الدور الأمريكي في إفريقيا اعتراض الكثيرين. "انسحاب الولايات المتحدة هو انتصار للصين"، يقول بول ناتوليا، الباحث في "المركز الإفرقي للدراسات الإستراتيجية". ووصف السناتور الجمهوري ليندسي غراهام الخطوة بأنها "سيئة بشكل لا يُصدَّق"، مبرراً موقفه بأن الإسلاميين المتطرفين المهزومين في الشرق الأوسط سيجمعون قواهم ويظهرون في مناطق النزاعات في إفريقيا. وبرأي غراهام، فإن الاختيار بين مواجهة المخاطر الناجمة عن دول وبين مواجهة تلك الناجمة عن التهديدات الإرهابية هو خطأ، قاصداً أنه يجب التركيز على الجبهتين. ولكن السناتور جاك ريد، أرفع عضو ديمقراطي في لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ، يعتبر أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة هي "محاولة لإعادة موازنة الجهود على مستوى عالمي ولا أراها مرتبطة بشكل مباشر بالنشاط الصيني والروسي، بل بالنشاط الإرهابي، وبتحديد أين يمكن أن تكون القوات الأمريكية فعالة أكثر". ويقول الزميل غير المقيم في برنامج الديمقراطية والنزاعات والحكم في مؤسسة كارنيغي للسلام ستيفن فيلدشتاين، والذي عمل مساعداً لوزير الخارجية الأمريكي حتى العام الماضي، لرصيف22: "أمضيت جزءاً كبيراً من مسيرتي المهنية في الحكومة الأمريكية للمساعدة في مواجهة تحديات الإرهاب في إفريقيا. أستطيع التأكيد بشكل قاطع أن الولايات المتحدة تريد بصدق مواجهة وإلحاق الهزيمة بالإرهاب في القارة وتكرس موارد عسكرية كبيرة وموظفين مدنيين وموارد مالية للقيام بذلك". ويضيف: "بصراحة، أنا مندهش للغاية من سماع البعض يقول إن واشنطن غير ملتزمة بمحاربة الإرهاب في إفريقيا على الرغم من إنفاقها مئات الملايين من الدولارات. هذا ينافي العقل والحقيقة". يبدي فيلدشتاين اعتقاده بأن "الولايات المتحدة ستواصل العمل عن قرب مع شركاء مثل فرنسا لمواجهة الإرهاب، ففرنسا تلعب دوراً حاسماً في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل وغيرها من المناطق حيث لديها تقليدياً وجود". هذه الفكرة كان قد أشار إليها أيضاً عضو لجنة الخدمات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي آدم سميث، معتبراً أنه يمكن للقوات الفرنسية التعويض عن تخفيض عدد القوات الأمريكية في إفريقيا، وأن الفرنسيين كانوا مساعدين جداً في غرب إفريقيا، كما في مالي والنيجر، وبالتالي فإن أمريكا تستطيع تقليص عدد قواتها هناك "لأن لدينا شركاء يستطيعون تنفيذ المهمة المطلوبة". ولكن برأي فيلدشتاين، لا تفكّر الولايات المتحدة على الإطلاق في ترك مهمة مكافحة الإرهاب في إفريقيا لفرنسا التي تُعَدّ أكثر دولة أجنبية تمتلك حضوراً عسكرياً في القارة السمراء، عبر قاعدتها العسكرية الضخمة في تشاد، وقواعد أخرى في النيجر وشمال مالي وبوركينا فاسو وجيبوتي وساحل العاج. ويقول: "ربما ستكثف التعاون مع باريس في هذا المجال ولكن بدون أن تتخلى عن دورها القيادي في هذه المهمة". ويلفت فيلدشتاين إلى أن "فرنسا لا تعمل في بلدان مثل كينيا أو الصومال وليست لديها نية مستقبلية للعمل في البلدان الناطقة باللغة الإنكليزية. لذلك، فإن فكرة أن تتولى مهمة تطهير إفريقيا من الإرهاب غير دقيقة".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard