في معركة البحث عن الديموقراطيّة: يبدو أنه "لإنجاز عظيم" أن أكون لبنانيّة!

الاثنين 4 مارس 201905:06 م

لا شك أن قيمة الألفية الثانية تكمن في بزوغ الربيع العربي. انتفاضات شعبية حرّكت القشرة الساكنة، لتحدث زلزالاً عربياً قادته الشعوب نصرة لحرية الرأي والتعبير، في محاولة منها، لاستعادة الثروات المهدورة والمنهوبة، من قبضة السلطات الآثمة بحق الشعوب. الديموقراطية، أحد المفاهيم المغيّبة قسراً في دولنا العربية، وإن صح التعبير، فهي فيلم رعب السلطات، إنتاجه محلي ضعيف، لكن موضوعية السيناريو وصدق أبطاله، أشعلا حماسة المشاهدين.

البوعزيزي، شرارة الربيع العربي والإسم الأكثر شهرة في بلادنا العربية. يحمّله البعض مسؤولية الدماء والخراب اللذين أعقب الثورات التي واجهتها السلطات بـوابل من الرصاص والاعتقالات ونشر الذعر بين الصفوف الثائرة، لتمسي الشوارع جرداء من المظاهرات السلمية، قحلاء من الحناجر المطالبة بالحرية.

كلما ماتت الآلاف تساءلت أكثر، هل تستحق البلاد أن نموت لأجلها؟ أدركت بعدها أن البلاد بمفهومها المادي المحسوس لا قيمة لها، تماماً كما لا قيمة لنا كـشعوب مستنزفة. ففي بلادنا العربية نحن لا نقدس نضال الشهداء، بل ذكرى استشهادهم.

تظاهرت الشعوب من أجل حرية لدينا منها الكثير في لبنان، لا بل إنها أفيون الشعب اللبناني الذي موضع حريته في خانة رغباته الشخصية فقط، دون سواها، وتلبية لبعض الصرخات وعملاَ بالحرية نفسها، زادت الشاشات اللبنانية جرعة التخدير عبر ساعات ترفيهية تحاكي معاناة المواطن وتعلبها كمأساة فكاهية يتقن اللبناني العيش ضمنها، وهنا لا أنتقص من الحريات الشخصية التي هي فرض حق لأي إنسان في هذا العالم، كما أنني لا أقلل من شأن الترفيه والتخفيف من ضغط المواطن ضمن ما يسمى بالكوميديا السوداء، لكن تسييس الإعلام حال دون مساندة المأساة التي يعيشها اللبناني في سبيل  تحصيل حقوقه. لا يكف الضحك على همومنا، والتهريج على مهزلة الطائفية وكارثة الإستشفاء، ومصيبة التبعية وتسويق ذلك على أنه نظام سياسي متجذر لا يمكن بدونه، لذا علينا تقبله وإيجاد سبل للعيش في كنفه.

لطالما دفعنا باهظ الأثمان كرمى لديموقراطية لم تحقق لنا مطلباً شعبياً واحداً. إذن، ماذا يعني أن نكون شعباً حراً إذا لم ترتقِ ديموقراطيتنا نحو سلم التنمية، أو إذا ما ساهمت في إسقاط منظومة استعباد الساسة للسلطة؟ هي هذه العلاقة الطردية – في المنظومة اللبنانية- بين الديموقراطية وممارستها على الأرض، فـكلما ارتفع منسوب الديموقراطية، تراجع الزخم الشعبي تجاه محاسبة السلطة أو المطالبة بالحقوق. هي هذه المفارقة العجيبة في " بلد الحريات "، إذ على جميع الأصوات المطالبة بالإصلاح، التوجه على النحو الذي لا يفسد راحة فساد السلطة.

بلدي صغير، بقعتي أصغر، لدي هوية تسمح لي باستخراج جواز سفر لم أطلبه من الدولة بعد. هو هذا المفهوم المادي للهوية أو ربما هكذا أصبح، هو شيء ملموس يمكنني تحسسه، والأهم أنه طريقي إلى الخلاص.

لستُ من جيل الحرب الأهليّة، ولكن..

لست من جيل الحرب اللبنانية "الأهلية" لكنني من جيل حرب تموز عام 2006، إذ كنت في بداية سن المراهقة، لكن ليس إلى الحد الذي ينسيني بأنه كُتب على الصورايخ الإسرائيلية بأيدي صغيرة "إلى أطفال لبنان".  ثم إني أيضاً شاهدة على القتال الأهلي في مدينة طرابلس ما يقارب الـ 18 جولة تحت عنوان "حرب الجبل والتبانة". لم أكن من المتضررين بشكل مباشر من ذلك القتال. لكنه كان حولي، أسمعه جيداً وهو في ذاكرتي التي أحيا بها. تحاول فئة ضرب الأخرى لـكسر النفوذ وتحطيم المعنويات وتسجيل الخسائر البشرية والمادية بأعلى درجة ممكنة، ضمن أبناء الجلدة الواحدة. فئة تتبع للنظام السوري وتمثله منطقة  "جبل محسن" وفئة أخرى تناهض النظام السوري منذ احتلاله الغاشم للبنان وتمثله منطقة "التبانة " والمفارقة أنه يفصل بين هاتين المنطقتين شارع اسمه "سوريا". للحرب أبعاد طائفية طبعاً، لكن جوهرها سياسي على نحو صرف. شبَ الطرابلسيون في بيئة متقاتلة، ولم تسنح للكثيرين فرصة السفر، أو الحصول على المنح الجامعية، أسوة بجيل الثمانينات الذي هاجر إلى الخارج لا سيما فرنسا، هرباً متطلعاً إلى فرصة أفضل للعيش. تباينت الشوارع فيما بينها. في طرابلس كل الشوارع متشابكة، الجميع يعرف الجميع، لكن كان ثمة محاولة لفصل الشوارع بعضها عن بعض وتغذية بذور الطبقية في تربتها.

في كثير من الأحيان، شعرنا كطرابلسيين بالوحدة وكان بإمكان الغريب معاينة العدم بأفواه المارة المفتوحة، كانت مدينة ضبابية، ينهشها التقسيم نحو توحيد الراية. تأرجح تاريخ طرابلس بين فوضى الإسلاميين، ومحاولات خجولة لإلباسها ثوب العلمانية الفضفاض على "قلعة المسلمين" كما سمّوها، أما تاريخياً فـعرفت طرابلس بإسم "مدينة العلم والعلماء". ليس ثمة واقعية بين الخيارين وإن كانت المدينة آنذاك أقرب إلى الأسلمة من مصطلح العلمانية المُظلم. اليوم تشبه طرابلس نفسها، لم تلبس ثوباً بأكمام طويلة ولم تكشف جسدها بالكامل. هي هذا الخليط العجيب من كل شيء، لا سيما بين بروز النخب المثقفة وتمدد الأمية، في بلد تحكمه العبثية واللامنطق.

شاهدتُ لبنان عبر التلفاز

نشأت في مدرسة إسلامية الطابع، لم نحفظ فيها النشيد الوطني اللبناني لسبب أجهله. كنت أعلم بأنني لبنانية لكن لا شيء يوحي بذلك. كنت أشاهد لبنان عبر التلفاز. بدا لي جميلًا وبعيداً جداً. كنا في كوكب آخر، ممل، بعكس ما يبدو لبنان على الشاشة الصغيرة، تلك الشاشة التي اختصرت لبنان بـشارعين، لم يمثلا الحقيقة بتاتاً، لن أظلم الشاشة لو قلت إنها ساهمت في خلق حالة من الظلم الاجتماعي بحق العديد من الشرائح والفئات والمدن اللبنانية المختلفة.

طرابلس، وكأنها كانت مدينة شتوية ضبابية، يركد تحت هدوئها بركان قد ينفجر في أي لحظة. كانت الجولات القتالية التي نشأنا عليها تزيد من البنيان رمادية انعكست على الوجوه. عرفنا الوطن نحن أبناء "العاصمة الثانية للبنان" من كتاب التربية الوطنية، وكان ثمنه 500 ليرة لبنانية آنذاك.

هي معركة مع الانتماء، نحن الجيل الذي شبّ مع اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وجدنا أنفسنا أمام كَم من الأحزاب، كان علينا الاختيار، أو بالأحرى أُجبرنا بملء إرادتنا على الميل نحو طرف دون الآخر. اخترت حينها الطرف الذي لا يتغذى على الدماء، كان ذلك هو معياري في الفوضى التي اعترت لبنان بعد عام 2005، يكفي ألا يكون الحزب قاتلاً. مضت السنوات، لم نعد صغارا أو مراهقين، تلونت المدينة التي أنتمي إليها قليلاً كما صار الصخب يباغتنا أحياناً كثيرة.

مأساة التبعية والولاءات للخارج، حولتنا لأشباه مواطنين. اللبناني ليس لديه خيارات متعددة سوى فيما يتعلق بالولاء المناسب لمبادئه، هنا فقط تغدو خياراته متعددة. يميل اللبناني لكل ما هو خارجي، تراه مدافعاً عن مصالح كندا وعن نهج رئيس الوزراء الكندي جيمس ترودو المحب للمهاجرين وكذا عن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ومصالح الخليج ناهيك بشراسة بعض الفئات اللبنانية في الدفاع عن مصالح النظام السوري "القاتل لشعبه". اللبناني هو ذاك المشروع الصغير للهجرة، يعشق بلاده في أيام الأعياد ويكتفي منها بهذا القدر.

نردد في لبنان أغنية وطنية تقول "بيكفي إنك لبناني". يبدو إنه لإنجاز عظيم أن يكون المرء لبنانياً! إنه اللبناني الموعود بالخلاص، المخدر بديموقراطية مشتهاة من الشعوب العربية. علينا كلبنانيين الاكتفاء بهذا القدر من عطاءات الدولة. لا يهم كيف نموت، على أبواب المستشفيات أو على الطرقات المظلمة أو من السرطان الناتج عن أزمة النفايات، كل ذلك لا يهم، يكفي أنني لبنانية، أتفاعل مع أحداث العالم.

كلما ماتت الآلاف تساءلت أكثر، هل تستحق البلاد أن نموت لأجلها؟ أدركت بعدها أن البلاد بمفهومها المادي المحسوس لا قيمة لها، تماماً كما لا قيمة لنا كـشعوب مستنزفة. ففي بلادنا العربية نحن لا نقدس نضال الشهداء، بل ذكرى استشهادهم.
لطالما دفعنا باهظ الأثمان كرمى لديموقراطية لم تحقق لنا مطلباً شعبياً واحداً. إذن، ماذا يعني أن نكون شعباً حراً إذا لم ترتقِ ديموقراطيتنا نحو سلم التنمية، أو إذا ما ساهمت في إسقاط منظومة استعباد الساسة للسلطة؟
لا سبيل للربيع العربي في لبنان طبعاً، الأزمة لا تكمن في الديكتاتورية، سمعت دوماً أن أزماتنا تكمن بكوننا لسنا في بلد ديكتاتوري، أما الحقيقة فهي أننا أسوأ مثال يمكن تصديره عن الديمقراطيات.
مشروع بناء الدولة المدنية، ودولة القانون وتفعيل التنمية الديموقراطية يتطلب مناخاً معافى ليجلب لنا حقوق الإنسان ويحقق العدالة الإجتماعية وتوزيع الفرص بحسب الكفاءة.

الربيع العربي بعيد عن لبنان

لا سبيل للربيع العربي في لبنان طبعاً، الأزمة لا تكمن في الديكتاتورية، سمعت دوماً أن أزماتنا تكمن بكوننا لسنا في بلد ديكتاتوري، أما الحقيقة فهي أننا أسوأ مثال يمكن تصديره عن الديمقراطيات. فمثلاً لا توجد وسيلة يمكنها حشد اللبنانيين لأجل مصالحهم. هذه هي أزمتنا الحقيقية. لكن قد تضيء الإطارات المشتعلة عتمة لبنان، نتيجة نكتة سياسية معينة، وردت ضمن برنامج تلفزيوني، فأزعجت جمهوراً حزبياً.

لا يوجد شعب في هذا العالم يحتاج لحاكم أرعن ليستقيم. فلا يمكن لأي ديكتاتورية مهما طالت أن تستمر، وهذا ما أثبته الربيع العربي وإن أغرقته الدماء. أما الحالة اللبنانية فهي تحتاج من اللبناني وعياً واستدراكاً لمصالحه كمواطن، وأحيانا أخرى يحتاج اللبناني تقويماً لمواطنيته، لا سيما حين لا يصدر صوته إلا دفاعاً عن زعيمه، معللاً ذلك بأن الزعيم "حامي كرامة الطائفة".

نحتاج في لبنان النهوض من العدم، وثورة تعلّمية تصنع فكراً محرراً من قيود الأحزاب، نحن نعيش اليوم نتاج تحزباتنا العمياء وتعصبنا لسنوات طويلة، ندفع يومياً ثمن تبعياتنا الحمقاء لكل البلاد سوى لبنان . كلنا فعلنا ذلك يوماً. اليوم بات الخطاب الوطني مشروعاً مربحاً للأحزاب، تماشياً مع الصحوة لدى بعض الفئات الشابة وفرصة لتقاذف الفساد على بقية الأحزاب.

لم نكن يوما لبنانيين، أو ربما لم يُسمح لنا الانتماء الخالص لهذه البلاد. وحدهم الشهداء من انتموا إلى مشروع الدولة اللبنانية، لتبقى أعمالهم وإنجازاتهم في المكان الذي توقفوا عنده.

لا أمل في الوقوف عن استنساخ السياسيين من الأب إلى الإبن، لكن الحقيقة أنه لا أمل في الاقتراع يوماً إلا لمصلحة طوائفنا. هو هذا الخوف الدائم من الإلغاء، علينا أن نتكاثر دائماً، أن نكون أقوى من هؤلاء، علينا ألا نتوقف عن الإنجاب لمصلحة الطائفة. قسّمت الحرب الأهلية العاصمة بيروت إلى "شرقية وغربية " وهو تقسيم مبني على أساس طائفي ثم نقل أمراء الحرب مفهوم الشرقية والغربية إلى مفاصل الدولة والمؤسسات والخدمات وصولاً إلى دواخل مريديهم، ليحكموا القبضة على أدمغتنا ولقمة عيشنا. بدّلوا لنا المفاهيم، فالتبعية باتت وطنية، والالتزام بقرارات زعيم الطائفة تعزز وحدة الصف.

إنه الزعيم اللبناني الذي يأبى توفير الصنارة للمحتاج، ليضمن استمرارية الجوع وطأطأة الرؤوس وتقبيل الأيادي في الاجتماعات الشعبية. هي سياسة التجويع من أجل التقاط السمك في يوم الغيث الوطني "الانتخابات النيابية ". إنه الزعيم اللبناني بطل السمك لا الصنارة.

بقي لنا القليل في هذه البلاد، لكي لا يبقى لبنان حلماً غثيثاً، تكفينا مشاركة وطنية فعّالة لأجل وجودنا كـبشر وليس كأرقام، ضمن المنظومة اللبنانية. استثمارنا الوحيد يكمن في ديموقراطيتنا وحريتنا ووعينا في اختيار الحكم الرشيد، للبدء في مكافحة الفساد، آنذاك يحق لنا المطالبة بدولة القانون، أما اختيار الفاسدين لأجل مكافحة الفساد فهذا ضرب من الجنون اللبناني السياسي. مشروع بناء الدولة المدنية، ودولة القانون وتفعيل التنمية الديموقراطية يتطلب مناخاً معافى ليجلب لنا حقوق الإنسان ويحقق العدالة الإجتماعية وتوزيع الفرص بحسب الكفاءة. لن نجد الحلول في الأزقة السياسية بل من الميادين اللبنانية، من المواطن نفسه حين يقرر .. رفض السمك وصنع صنارته بـكفه النظيفة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard