رفض ترشُّح بوتفليقة ليس محرّكهم الوحيد... ماذا يريد المتظاهرون الجزائريون؟

الخميس 7 مارس 201912:23 م
"هناك أشخاص ينامون بدون تناول العشاء بسبب القلة. كيف يمكن لشخص يجني 200 دولار شهرياً أن يعيل عائلة ويكسيها ويعالجها؟! هل تعرف كيف يشعر أب يطلب ابنه منه شيئاً ولا يستطيع توفيره له؟ أعرف كثيرين لا يمتلكون القدرة على شراء قطعة حلوى، وهذا حال نسبة كبيرة من الشعب". هذه الصرخة يطلقها الشاب الجزائري عبد الجليل (30 سنة)، أحد المشاركين في التظاهرات ضد "العهدة الخامسة" في مدينة البليدة ويقول: "المشكلة كبيرة والمطلب بسيط. لو أن السلطة اهتمت قليلاً بالشعب لما حصل ذلك. نحن نعرف قيمة البلد ونعرف أن موارده تكفي الجميع. نريد عدلاً. هل تحقيق هذا المطلب صعب؟!". عبد الجليل شاب غير متزوج ولا يملك مسكناً ويعيش مع أهله في حي شعبي. حاله كحال ملايين الشباب الجزائريين في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 42 مليون نسمة، 54% منهم دون سنّ الثلاثين. يتحدث لرصيف22 ويقول: "والله يقشعر بدني الآن وأنا أتحدث والدموع تملأ عينيّ. نريد تحقيق مطالب الحراك ولا يهمني لو حصل ذلك على حساب حياتي". صوت عبد الجليل هو أحد أصوات الجزائريين الذين أطلقوا حراكاً في 22 فبراير الماضي، عنوانه الكبير رفض العهدة الخامسة، أي رفض ترشّح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي يحكم الجزائر منذ عام 1999 لولاية رئاسة خامسة، وخرجوا في تظاهرات في المدن الجزائرية تزيد تدريجياً أعداد المشاركين فيها، وكانت ذروتها تظاهرات الجمعة، في الأول من مارس، والتي وُصفت بـ"المليونية". لم يستجب بوتفليقة لمطلب المتظاهرين وقدّم في الثالث من مارس أوراق ترشّحه إلى المجلس الدستوري، متعهداً بتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة لا يشارك فيها، قبل مضي سنة من فوزه في انتخابات 18 أبريل 2019 الرئاسية، وبإجراء استفتاء على تعديل الدستور. تعهدات بوتفليقة، أو المتسترين وراء اسمه كونه عاجزاً عن الحركة وربما عن التفكير، لم ترضِ المحتجين، فخرجوا في تظاهرات جابت شوارع العاصمة الجزائر ومناطق أخرى، معتبرين أنها خدعة غايتها تهدئتهم ووأد حراكهم.

"بوتفليقة يعني النظام"

تهيمن جزئية رفض ترشيح بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة على قراءة حراك الجزائريين. ولكن رفض "العهدة الخامسة" ليس سوى عنوان لمجموعة متنوعة وواسعة من المطالب فحواها "تغيير النظام". يقول عبد الجليل إن "السفينة حقيقة لها رُبّان واحد لكن لا يمكنها أن تسير بدون طاقم، والمشكلة لا تكمن في شخص واحد بل في منظومة بأكملها"، مؤكداً أن "الحراك بدأ عفوياً وهو ناتج عن تدهور الأوضاع في الجزائر، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، خلال العشرين سنة الماضية تحت ظل هذا النظام". "المقصود من رفضنا ترشح بوتفليقة هو رفض النظام كاملاً بجميع فاعليه"، يؤكد لرصيف22 الناشط السياسي الجزائري وطالب الدكتوراه في جامعة ليدز البريطانية أنور السليماني (30 سنة)، ويضيف: "نحن نؤمن بأن نسق هذا النظام الفاسد المفسد لا يتجزأ ولا يمكننا رفض الشكل دون المضمون، وعليه فالقضية في جوهرها تتمثل في معارضة الواقع الذي نعيشه". من جانبه، وإنْ كان المتظاهر في ساحات البليدة حمزة عبد الرحمان (28 سنة) يعتبر أن "الشعب يريد ضخ دماء جديدة في رئاسة الجمهورية"، إلا أنه يضيف لرصيف22 أن "الشعب الجزائري خرج أيضاً لإسقاط منظومة الفساد بأكملها، ولا ننسى مطالبة الجزائريين بالانفتاح السياسي وعدم إقصاء أي مواطن جزائري، وبإصلاحات اقتصادية واجتماعية". من جانبه، يتحدث الناشط إسلام طبّوش (29 سنة)، ابن ولاية سطيف عن "تغيير النظام وإسقاط العصابة الحاكمة ". ويقول لرصيف22: "نحن لم نقم فقط ضد العهدة الخامسة بل قمنا ضد عصابة الحكم ولن نتوقف حتى يتغير هذا النظام وترجع كل السيادة للشعب الجزائري الحر ودون وصي لا من العسكر ولا من المافيا". ويضيف: "الشعب خرج إلى الشارع لأن السلطة القائمة همشته وحرمته من حقوق المواطنة واستولت على خيرات البلاد وبددتها"، ويتابع: "تحكمنا مافيا فاسدة وبوتفليقة حلقة في منظومة الحكم وذهابه وحده لا يكفي. فالشعب يريد تغييراً جذرياً للنظام، يريد وجوهاً جديدة، ودستوراً جديداً يُعيد له السيادة الحقيقية".

الجيش... اللاعب القوي

يكتنف منظومة الحكم في الجزائر الكثير من الغموض. لكن الثابت أن مؤسسة الجيش تلعب دوراً أساسياً في إدارة خيوط اللعبة منذ عام 1991، عندما ألغت نتائج الانتخابات التشريعية التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، مفتتحة مرحلة الاقتتال الأهلي المعروفة باسم "العشرية السوداء"، والتي انتهت عام 2002 بعدما ذاق الجزائريون ويلات الحرب، ما أبعدهم عن الاهتمام بالشأن العام والمطالبة بالتغيير خوفاً من إعادة المرحلة المرّة. لا يخفى الأمر على المتظاهرين. "العسكر ورجال المال الفاسدين ومحيط بوتفليقة" هم "فواعل النظام" الذين يدعو أنور سليماني إلى إسقاطهم. يقول: "واقعنا التعيس صنعه العسكر والمخابرات وبوتقليقة طيلة عقود"، مضيفاً أن "الجزائر تحتاج إلى ديمقراطية حقيقية الهدف منها تأسيس دولة القانون والإنسان، دولة المواطن". بعد عقود من انغلاق الأفق السياسي في الجزائر، لم يعد سوى 17% من الجزائريين يهتمون بالسياسة، حسبما كشف في الأول من مارس "الباروميتر العربي"، وهو "شبكة بحثية مستقلة" تُجري استطلاعات للرأي العام في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منذ عام 2006. يمكن افتراض أن المتظاهرين هم جزء من هذه النسبة، كما يمكن افتراض أن نسبة المهتمين بالسياسة ستزيد بحال استمرت وتيرة التظاهرات في التصاعد. ولكن من المشاكل التي يواجهها الحراك الجزائري غياب القيادات أو التنظيمات القادرة على النطق باسمه والتفاوض على تحقيق مطالبه. لا يثق الجزائريون بأحزابهم السياسية التي لم تعد تحوز إلا على ثقة 14% من الشعب، بحسب الاستطلاع السابق ذكره، ولا يثقون بالمؤسسات السياسية (الحكومة والبرلمان) ولا بالقضاء. تجلّى عدم الثقة المذكور في تظاهرات الأول من مارس، بهتاف متظاهرين ضد شخصيات سياسية نزلت إلى الشارع لتشاركهم احتجاجاتهم مثل رئيس الجبهة الوطنية الجزائرية موسى تواتي ورئيسة حزب العمال والمرشحة السابقة للانتخابات الرئاسية عام 2014 لويزة حنون. ولكن اللافت، بحسب الاستطلاع نفسه، أن 74% من الجزائريين يثقون بالجيش و60% يثقون بالشرطة. هذا يعني أن الجهات العسكرية هي الأقدر على التحكم بمسار الأمور في المرحلة القادمة. حين يتحدث المواطنون الجزائريون عن الجيش، يتحدثون بطريقة مثالية نوعاً ما إذ يميّزون بين "الجيش كمؤسسة" وبين "مَن يتحكمون بالجيش لأن عناصر الجيش من الشعب"، بحسب تعبير إسلام طبوش. هذا يولّد لديهم آمالاً بأن يقف الجيش الذي "له يد كبيرة في تعيين رؤساء الجزائر" مع الشعب والمتظاهرين، كما يأمل حمزة عبد الرحمان.
"هناك أشخاص ينامون بدون تناول العشاء بسبب القلة. كثيرون لا يمتلكون القدرة على شراء قطعة حلوى، وهذا حال نسبة كبيرة من الشعب... المشكلة كبيرة والمطلب بسيط... نريد عدلاً"... ماذا يريد شباب الجزائر وما هي سيناريوهات المرحلة المقبلة؟
يغيب الوضوح بشأن المستقبل في الجزائر حتى الآن. ما يمكن توقّعه هو أن الجيش يحتاج إلى وقت لإعادة ترتيب المشهد السياسي. هذه الفرصة يمكن أن توفّرها سنة رئاسية جديدة لبوتفليقة ولكن يبدو أن المتظاهرين لن يقبلوا بذلك
بدوره، يقول عبد الجليل: "كلي أمل في وقوف الجيش بجانب الشعب أو على الأقل على الحياد، ففي الأول والأخير كل الأجهزة الأمنية تمثل نسبة من الشعب". أما أنور السليماني، فيقول: "لا يجهل أي عاقل أن الجيش يمثل أبناء الشعب ولا يمكن خلق عداوة بين الطرفين كما لا يمكن التضحية بالمؤسسة العسكرية لخدمة مصالح ضيّقة يستفيد منها الرئيس المريض ومحيطه الفاسد"، إلا أنه ينتقد "القيادات الحاكمة" لأنها برأيه "بعيدة عن واقع الجيش والشعب ومساهمة في الفساد"، ويضع أمله "في الأجيال المستقبلية التي ستصنع جيشاً احترافياً همّه حماية الوطن والمواطن".

سيناريوهات مستقبلية

قبل فترة وجيزة، وفي حديثهم عن سيناريوهات المرحلة المستقبلية، طرح محللون جزائريون أسماء شخصيات مثل وزير الخارجية السابق رمطان لعمامرة ورئيس المجلس الشعبي الوطني السابق سعيد بوحجّة، على أساس أنهما مرشحا السلطة لخلافة بوتفليقة. ولكن أسماء المتقدمين بترشيحاتهم أمام المجلس الدستوري خلت منهما، ما يؤكد ضبابية المشهد في الجزائر وعدم إمكانية تصوّر ما سيحصل. بين أسماء المرشحين، يظهر اسم علي غديري، وهو لواء متقاعد برز اسمه في السنوات الثلاث الأخيرة، واستقال من الجيش بعد خدمته 42 عاماً فيه وشغله منصب أمين عام وزارة الدفاع ومدير المستخدمين فيها، ما يعني أنه يمتلك كماً هائلاً من المعلومات عن الجيش. استقال غديري عام 2015، بالتزامن مع إقصاء رجل الجزائر القوي، القائد السابق للاستخبارات العسكرية الفريق محمد مدين (الجنرال توفيق)، ما يدفع نحو التفكير في فرضية قدرة الجنرالات المتقاعدين على لعب دور سياسي في المرحلة المقبلة، فقد يكونون قوة تستطيع مواجهة الجيش وقائد أركانه الفريق أحمد قايد صالح. "إلى حد الآن، لا يمكننا التنبؤ بالسيناريوهات المستقبلية"، يعترف أنور السليماني ويضيف: "المتظاهرون لا يعرفون كيف سيتعاطى النظام مع حراكهم نتيجة شح المعلومات"، وهذا برأيه "يدل على صعوبة تداول المعلومة بسبب الانغلاق السياسي". يعتقد السليماني "أن الصراع عند صنّاع القرار قد يتزايد مع مرور الوقت وتزايد ضغط الشارع ولعل وجود بعض العقلاء يساهم في الذهاب نحو انفتاح سياسي يحمي البلاد والعباد لأن الجزائر لا تتحمل مزيداً من الصراعات الداخلية خاصة في ظل المحيط الخارجي الملتهب. ويمكن أن يتعنت صقور النظام ويذهبون لقمع الاحتجاجات وهذا الأخير سيُدخل البلاد في دوامة نحذّر منها كشباب جزائريين". يغيب الوضوح بشأن المستقبل حتى الآن. ما يمكن توقّعه هو أن الجيش يحتاج إلى وقت لإعادة ترتيب المشهد السياسي في الجزائر. هذه الفرصة يمكن أن توفّرها سنة رئاسية جديدة لبوتفليقة ولكن يبدو أن المتظاهرين لن يقبلوا بذلك. بعض أجواء المتظاهرين تطالب بـ"تأجيل الانتخابات"، وبـ"خارطة طريق تلي تنحي بوتفليقة وحكومته" وبـ"مرحلة انتقالية يقودها مجلس موثوق يتألف من شخصيات وطنية تفضي إلى انتخاب مجلس تأسيسي لصياغة دستور وعرضه على استفتاء شعبي ثم تنظيم انتخابات عامة، وإلى تحديد دور العسكر في إطار سلطة مدنية حقيقية". هذا ما يقوله إسلام طبوش، مشيراً إلى "أخبار متداولة عن إعلان عصيان مدني إذا لم تتنحَّ السلطة الفاسدة". ويطرح محللون سيناريو تأجيل الانتخابات بضغط من الجيش. هذا السيناريو يمكن الدفع باتجاهه بذريعة الحفاظ على الأمن. وإذا كان المتظاهرون يشددون على سلميتهم إلا أنه من السهل جرّ أي تظاهرة إلى اشتباك مسلّح يتدخل بعده الجيش "الموثوق به" لـ"الحفاظ على الوطن". ولكن بعض الجزائريين يرفضون ذلك لأنهم يعتبرون أن تأجيل الانتخابات سيسمح للجيش بالبحث عن مخارج تضمن له دوام تحكمه بالحياة السياسية. من هؤلاء محمد إلياس رحماني، وهو ضابط سابق في المخابرات الجزائرية يقيم في باريس ومؤسس "حزب القوى الحية" الذي يدعو إلى "انتخابات لا مرحلة انتقالية"، فبرأيه هذه لفرصة الوحيدة لسحب البساط من تحت رجلي المؤسسة العسكرية.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard