لابدّ أنْ ينهار كلّ مقدّس: حق الظهور

الأحد 10 مارس 201902:47 م
يرتبط الممنوع بالاختفاء، كتكنيك ينتج إثر الخوف الشخصيّ من جهة وعنف المؤسّسات من جهة أخرى، فما هو مقدّس سواء كان فكرة أو ممارسة، تحيط به مجموعة من الأعراف والسياسات التي تنفي وتخفي كل من يخالفها، وهنا يبرز حق الظهور، لأنه وسيلة للإشارة لما هو خفي وسبب اختفائه. فالظهور بأشكاله المختلفة الماديّة والرمزيّة، يكشف عن عنف العالم وكيف تمارس المحرّمات سلطتها بين الرافضين للتغير، كما حصل مع هاشتاغ #ابتسامتي_أقوى_من_كراهيتكم، الذي يتداوله الناشطون المدافعون عن حقوق المثليّة في سوريا. فسلسلة الصور وردود الأفعال حولها، جعلت هذه الفئة المهمّشة اجتماعياً وقانونياً تظهر وتصبح مرئيّة، بمواجهة التعليقات وردود الأفعال التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعيّ، عاكسة الخوف والجهل العميق لدى الكثيرين من "الاختلاف".
يخلق حقّ الظهور نوعاً من التكافل الاجتماعي بين أولئك الذين خرجوا من ظلام الاختفاء، كما يحصل في المظاهرات أو الحملات الرقميّة، التي تولّد أعرافاً جديدة بين المختلفين والمهمشين، الذين يتجمّعون لمحاربة الشكل القائم
يكشف الظهور بأشكاله المختلفة الماديّة والرمزيّة، عن عنف العالم وكيف تمارس المحرّمات سلطتها بين الرافضين للتغير

حق المختلف بأن يكون مرئياً ضمن مكونات العالم التي تنفيه

يهدّد الظهور الآمن الرمزي وسلطة المقدسات، وأوّل ما يتركه من أثر هو الظهور نفسه، كعلامة على الرغبة بالتغير، وحق المختلف بأن يكون مرئياً ضمن مكونات العالم التي تنفيه، وهذا ما نراه في الصور المرافقة للهاشتاغ السابق والتي تُنشر من أنحاء سوريا بجانب معالمها الشهيرة. ذات الشيء نراه في هاشتاغات وحركات الملحدين التي تظهر أمامنا على الشاشات ويتمّ تداولها حتى من داخل مدينة مكة. الظهور هنا سياسيّ ولو كان بصورة هاوية، هو رسالة ينقلها المنفيون بأنهم موجودون بيننا، هم يزعزعون الإيمان الشخصيّ وسذاجة إدراك البعض لتجانس العالم، ما يعني أن "تنكّرهم" على أنهم عاديين ومشابهين لنا يعكس العنف القانوني والنفي الاجتماعيّ الذي قد يتعرّضون له، فهم يكسرون أوهام "الاستكانة" و"الرضا" إذ يمكن للمثلي أو الملحد أن يكون أي أحد، لكنه مختبئ ومتقن لدوره الوهمي، ويسخر من إيمان الكثيرين بأنه غير موجود.

مساحة لتوليد أشكال ثقافيّة تكسر العزلة الاجتماعيّة

يخلق حقّ الظهور نوعاً من التكافل الاجتماعي بين أولئك الذين خرجوا من ظلام الاختفاء، كما يحصل في المظاهرات أو الحملات الرقميّة، التي تولّد أعرافاً جديدة بين المختلفين والمهمشين، الذين يتجمّعون لمحاربة الشكل القائم.

يخلق حقّ الظهور نوعاً من التكافل الاجتماعي بين أولئك الذين خرجوا من ظلام الاختفاء، كما يحصل في المظاهرات أو الحملات الرقميّة، التي تولّد أعرافاً جديدة بين المختلفين والمهمشين، الذين يتجمّعون لمحاربة الشكل القائم. وكلما ازداد هذا الظهور ماديّة ازدادت القدرة على التغيير، كما في تركيا أو لبنان أثناء مسيرات الفخر المثليّ، التي بالرغم من العنف والتهديدات المختلفة نراها "تظهر"، لنقل رسالة فحواها أنهم موجودون، وهناك من يشبههم، وهنا تكمن أهمية حق الظهور وقدرته على التغيير، لأنه مساحة لتوليد أشكال ثقافيّة تكسر العزلة الاجتماعيّة. كما أنه يساهم بجعل ظهور الخائفين أقل خطراً، إذ لا يشعر المختلف بأنه "وحيد" بل جزء من جماعة ينتمي لها تحترم حقوقه وأشكال التعبير التي يمارساها، فكلما تجمعت الأجساد وخرجت للعلن وشغلت الفضاء العام، ازدادت سياسيّة ظهورها وقدرتها على المطالبة بحقوقها.  حق الظهور لا يقتصر على معناه الحرفيّ، بل يوظّف الاختفاء، كاحتجاج على سياسات متحيّزة، كما حصل العام الماضي في "يوم بدون امرأة" الذي تغيّبت فيه النساء عن أعمالهن في مختلف القطاعات احتجاجاً على اختلاف الأجور بينهن وبين الرجال، إذ رأين أن هذا اليوم من حقهن كونهن يتقاضين أجوراً أقل من الرجال. إلا أن الأمر في فرنسا تجاوز ذلك، إذ أن عملية حسابية بسيطة بيّنت أن النساء بين شهري نوفمبر وديسمبر، يعملن مجاناً كل يوم بعد الساعة الثالثة والربع، أي بدون أجر، بالمقارنة مع رواتب الرجال وساعات عملهم، ما دفع الكثيرات منهن للتغيب عن العمل أو التوقف عنه. ارتباط حق الظهور بعنف ماديّ قد يواجهه المهمّشون، يجعل المنصات والمنتجات الثقافيّة مساحة لظهور هذا الاختلاف، للحديث عما تواجهه الأقلية المهمّشة وأيضاً تطبيعهم ضمن أشكال التسلية والترفيه بوصفهم جديّين، لا مجرّد كائنات سيرك واستعراض، وهذا ما تفعله نتفليكس بوضوح، إذ تظهر الأقليات المهمّشة جنسياً ودينياً وعرقياً ضمن الكثير من منتجاتها كأشخاص عاديين في الحياة، جديين، ذوي أثر في العالم، يشاركون بإنتاجه وتغييره، وهنا يبرز الظهور بوصفه وسيلة لخلق حكايات لا تتمحور حول الأقليّة المهمّشة، بل تظهرها كجزء من النسيج الاجتماعيّ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard