مقطوعات محمد عبد الوهاب الموسيقيّة: نثار الذهب في حكايات موسيقيّة صرفة

الاثنين 4 آذار 201902:40 م
كان محمد عبد الوهاب أذكى ممن سبقوه بل ومن معاصريه كمحمد القصبجي ورياض السنباطي، الذين ضاع أغلب إنتاجهم من الموسيقى غير المُغَنّاة بسبب عدم تسجيلها، فأصرّ على حفظ كل موسيقاه غير الغنائيّة على أسطوانات، بحسب ما يرى المايسترو والناقد والمؤرّخ الموسيقي سليم سحاب في دراسة له بعنوان "معزوفات محمد عبد الوهاب الموسيقيّة". وساعده على ذلك امتلاكه لأدوات الإنتاج نفسها، فدخل شريكاً في شركة "كايرو فون" لإنتاج الأسطوانات، ثمّ اشتراها بالكامل لنفسه، وبعد ذلك دخل شريكاً مع عبد الحليم حافظ في شركة "صوت الفن"، فكان يسجّل ما يحلو له من معزوفات. ويذكر سحاب أن شركاءه في كايرو فون اعترضوا على تسجيل معزوفاته على أسطوانات، بدعوى أن المشروع فاشل تجارياً، لكون المستمع العربي يُقبل أكثر على الأغاني لا على الموسيقى البحتة، فكان رد عبد الوهاب: اخصموا الخسارة من أرباحي. كان عبد الوهاب مقتنعاً بأن ما ينقص الموسيقى العربيّة، هو التعبير بالموسيقى وحدها دون الكلمات، كما أغلب الإنتاج الموسيقي العربي، بحسب ما صرّح في أكثر من لقاء صحفي وتلفزيوني. وهو أوّل من صنع مقدّمات موسيقيّة طويلة للأغاني التي يلحّنها، سواء لنفسه أو لغيره بعد ذلك كأمّ كلثوم وعبد الحليم حافظ، وغيرهما من عمالقة الغناء العربي. ويلاحظ أن الكثير من تلك المقدّمات تمثّل أعمالًا مكتملة بحد ذاتها، بعيداً عن جسم الأغنية نفسه، فالمقدّمة تمثل معزوفة مستقلّة تتجاوز مدّتها الـ5 دقائق، لها بداية ونهاية تتخلّلها فواصل ومقاطع، ولم يكن لتلك المقدّمات علاقة بلحن الكلمات، الذي لا يبدأ إلا بعد انتهاء المقدّمة وتصفيق الجمهور لها. لنتأمّل مثلاً مقدّمة أغنية "فاتت جنبنا" التي غناها عبد الحليم حافظ، وسنجد أن ما ذكرناه ينطبق عليها، فالمقدمة تحمل روح اللحن، ولكنها منفصلة تماماً عنه:
&t=424s بجانب تلك المقدّمات، وهي كثيرة، أبدع عبد الوهاب حوالي 50 معزوفة مستقلة، بدأها بمعزوفات متأثرة بالطابع التركي في مسمّياتها وطابعها التأليفي في بداية فترة الثلاثينيات، ومنها "تقاسيم حجاز كرد" عام 1932، ثم "فانتازيا نهاوند" عام 1933، ولكنه في منتصف الثلاثينيات بدأ يطوّر في بناء معزوفاته، بالإضافة إلى إعطائها أسماءً ذات دلالات على معاني محتوياتها الوجدانية، كـ"عتاب" و"فرحة" و"ألوان" عام 1935. وبدأت بعد ذلك معزوفات عبد الوهاب، تسير في مراحل نضجها عبر حقب زمنية امتدّت بامتداد عمر عبد الوهاب نفسه، وازدهرت خصيصاً في الستينيات. هناك دراسات استخرجت معانٍ ونزعات إنسانيّة من أعمال موسيقيّة عالميّة، فالموسيقى تفصح عن تلك الأشياء التي لا نستطيع الحديث عنها، وفي نفس الوقت لا نقدر على السكوت عليها، كما يقول فيكتور هوجو، وهناك من يفكّر ويحلم وينظر لحياته بالموسيقي مثل ألبرت آينشتاين. لذلك قرّرنا أن نحكي في السطور التالية، عن معانٍ أوحت بها إلينا بعض من معزوفات عبد الوهاب، ولّدتها حركات موسيقاه، حين ولجت إلى أرواحنا وسبحت في مجاريها، فبدت الموسيقى وكأنها مواقف وأحاديث تنمّ عن مشاعر وأفكار غُزلت في بعضها فأنتجت حكايا أو ما يشبه الحكايا.

عزيزة

أهدى عبد الوهاب المقطوعة للسيناريست والمخرج حسين فوزي، لترقص عليها الفنانة نعيمة عاكف في الفيلم الذي حملت المقطوعة اسمه عام 1954. بلغت الموسيقى من التأثير أن استخدمتها فضائيات كثيرة كتيمة بين الفقرات، واستوحت الفنانة اللبنانية عزيزة اسمها الفني منها، معتبرة أن تلك الموسيقى تمثل الشخصية الفنيّة التي بداخلها.
تبدأ الموسيقى متحرّكة على إيقاع (رِق وطَبْلة)، على غير عادة عبد الوهاب، بصولو (عزف منفرد) للأكورديون، تتداخل معه مجموعة الوتريات (كمان، تشيللو، كونترباص)، ويشاركهما "القانون" على استحياء. الأكورديون آلة غربيّة استسيغت عربياً، وأصبحت من أبطال الموسيقى الشرقيّة في فترة الخمسينيات، حتى أصبح صوتها مقترناً بالحارة والمقاهي والبارات الشعبيّة، ووصف عبد الحليم حافظ صوتها في لقاء تلفزيوني بـ"رجل ابن بلد". بدا إيقاع "الطبلة" وكأنه مشية "عزيزة"، وبدا صوت "شخاليل" الرق وكأنه رنة خلخالها تأتي من بعيد، بينما يتابعها شاب ابن بلد (صوت الأكورديون) يجلس على مقهى، متأوّها من جمالها وشارداً فيه. وبدت مجموعة الوتريات التي تردّ عليه نفس الجملة الموسيقيّة، وكأنها المحيطون به من الجالسين على المقهى، فجمال عزيزة سَحَر الجميع. ثم تأتي الجملة السريعة المرحة، التي تؤدّيها كامل الفرقة الموسيقيّة، والتي تتكرّر على مدار المقطوعة بعد كل صولو، وكأنها البهجة التي تنتاب عزيزة وهي ترى الإعجاب في عيون ناظريها، فتبالغ في خفّتها ودلال مشيتها، فيزداد جسدها اهتزازاً من تحت عباءتها، ويلتهب شوقهم إلى مُحَيَّاها. ثم يهدأ الإيقاع ويتدخل الناي بجملة شجية، وكأنه صوت عزيزة الداخلي يفكّر، بعد أن عادت لمنزلها، فتدرك ما بأسرتها من فقر، وما في قلبها من تطلّع إلى الغنى... تفكّر في نجمات سينما لا تقلّ عنهن جمالاً وخفّة، تسرح في عمر الشريف وتمنّي نفسها بمكان فاتن حمامة، وفي رشدي أباظة وتمني نفسها بمكان سامية جمال. في هذه اللحظة يتدخّل الأكورديون حاملاً صوت ابن حارتها الذي يذوب شوقاً في حبّها، معاتباً إيّاها: أنا الحقيقة، أنا الإخلاص، أنا الاحتواء والدفء، دعك من مظاهر لا تخصّنا، ومعاً نجلب الحياة. فتردّد عزيزة (صوت الناي) ما قاله، ولكن بنبرة حزينة، وكأنها اقتنعت بما قاله حبيبها كأمر واقع، ولكنها الحقيقة التي تضطرّ لتقبّلها وتقنع نفسها بأنها الأنسب لها. هنا تعود الجملة الرئيسيّة الرشيقة، لتُقنع عزيزة بأن السعادة تحفّها من كل ناحية، في جمالها، وحبيبها، والدفء الذي يحوطها، تقنعها بأن السعادة داخلها هي، فيما يمكن أن تصنعه هي لنفسها ولحبيبها. هنا تعلو أصوات الشخاليل ويرقص الإيقاع، ويتحوّل صوت الناي داخل عزيزة إلى السعادة، فتدخل غرفتها وتقف أمام المرآة وترقص، ناظرة إلى مفاتنها بإعجاب وزهو، مردّدة "يا وله"، ذلك التعبير الذي يقوله المصريون حين ينبهرون بشيء. وبعد أن ينتهي هذا الفاصل الراقص، تعود الجملة الأساسيّة الرشيقة، وكأن عزيزة عادت إلى طبيعتها وخرجت من حالة الحزن التي انتابتها حين شردت وفكّرت في تطلعاتها.
برؤيته التي تجاوزت العالم العربي وصل عبد الوهاب للعالميّة، وربما تعبّر التقديرات التي لحقته والتكريمات التي نالها عن ذلك
وكان عبد الوهاب رائداً في إدخال آلات غربيّة على الموسيقى العربيّة من خلال المعزوفات، كالأكورديون والجيتار والآلات الكلاسيكية.

القافلة

يبدو موضوع الموسيقى وشكلها واضحاً من اسمها "القافلة"، تلك اللفظة المرتبطة بالسفر عبر الصحراء في التراث العربي. المقطوعة أنتجها عبد الوهاب عام ١٩٥٥، ولكنها لم تخرج بشكلها عربية خالصة، بل بدا توزيعها الموسيقي مزيجاً من الشرقي والكلاسيكي السمفوني، وربما يعدّ استخدام موسيقى عالميّة هنا مقبولاً من حيث الموضوع، فالقوافل كانت في العالم القديم كله، لا في العالم العربي وحده.
تبدأ الموسيقى بصولو غير إيقاعي، يردّده الكمان، في مقابل الكورنو (آلة نحاسية) مدعوماً بالأبوا (آلة نفخ خشبية)، وتردّ عليهما مجموعة الوتريات، الصولو به إرهاق ويوحي بالهمّ، فرحلات القوافل كانت تسير لأيام بل لأسابيع وشهور أحياناً، عبر جبال ومناطق قاحلة خطرة، تجعل من يستعدّ لخوضها مثقلاً بالتفكير في تلك المخاطر. ثم يتحرّك الإيقاع ببطء بل بتثاقل، مدعوماً بالنحاسيات التي تؤدّي نفس الإيقاع، وكأنه خطوة الإبل، لتمتطيه جملة نغميّة مسترخيّة، تؤديها ممتزجة آلات نفخ خشبية (كلارينيت، فلوت، أبوا)، تعبّر عن الملل المخلوط بالإرهاق الذي يشعر به المسافرون، وللتأكيد تعاد نفس الجملة ولكن تؤديها كامل الأوركسترا. ثم تهدأ الموسيقى ويتوقف الإيقاع، وكأن القافلة قد توقفت للاستراحة، وهنا نلمس عبارات نغمية قصيرة تؤدّيها الخشبيات وكأنها مسامرة ركاب القافلة لدى استراحتهم. بعدها تنطلق القافلة من جديد فينطلق الإيقاع (على واحدة ونص) راقصاً منتشياً سعيداً، وكأن الهمّ قد زال عن الركاب بعد إحساسهم أنهم على وشك الاقتراب من مقصد سفرهم، وهنا يؤدّي القانون صولو وتردّ عليه مجموعة الوتريات ومن خلفها الخشبيات، وكأنه أحد الركّاب يغني والباقون يردّون عليه. ثم تتوتّر الموسيقى وترتبك وتتراوح بين الهدوء والثورة، وكأن قائد القافلة ينبّه إلى أن الرحلة لم تنته بعد، وأن عليهم أن يهمّوا ويتركوا الغناء كي يصلوا مقصدهم في أسرع وقت. هنا يتسارع الإيقاع وتعاد نفس الجملة الأولى على كامل الأوركسترا، ولكن بوتيرة أسرع، وكأن أفراد القافلة اعتراهم الحماس ويريدون الوصول فعلياً في أسرع وقت. فجأة يتوقّف الإيقاع، وتهدأ الموسيقى لتدخل جملة فخمة عريضة يؤديها النحاس في توتر، وتشاغبه الوتريات، وكأن هناك حوار بين أفراد القافلة: هل المدينة التي تلوح في الأفق هي التي نقصدها؟ فيرد أحدهم: لا، ليست هي، فيحسم دليل الرحلة الأمر، ويؤكّد أنها هي، فتنطلق كامل الأوركسترا لتعزف جملة النهاية معلنة انتهاء المعاناة في شموخ، وكأن الرحلة كانت معركة وانتهت بالنصر. 

حياتي

الموسيقى أُعدّت لتكون تترا لحلقات إذاعيّة تحكي سيرة حياة محمد عبد الوهاب عام 1962، أي نستطيع الجزم بأن فلسفتها مستمدّة من سيرة عبد الوهاب ذاته، فقد صنعها ليحكي بها عن نفسه. الموسيقى لم تدخل بها آلة شرقيّة واحدة، وإن حملت روحاً شرقيّة، وعزفتها أوركسترا إنجليزية في لندن، ووزّعها موسيقيّ إنجليزي، بحسب دراسة سليم سحاب. وقيل إن من وزّعها على الأوركسترا كان المايسترو والموزّع الفرنسي الشهير فرانك بورسيل، وهو رأي الناقد الموسيقي الدكتور أسامة عفيفي، الذي قاله في دراسته "محمد عبد الوهاب: المؤلّفات الموسيقيّة". في كل الأحوال، أجمع الباحثون على أن هذه المعزوفة حظيت باهتمام كبير من عبد الوهاب، وكأنه كان يريد أن يخاطب العالم بأن هناك موسيقار مصري عربي يستطيع تقديم موسيقى عالميّة، وهذه موسيقاه، وهذه سيرة حياته.
كعادة عبد الوهاب تبدأ الموسيقى بجملة غير إيقاعيّة، فيها حدّة وسخونة واستطالة تؤديها مجموعة الوتريات، معبرة عن طول الرحلة التي قطعها في عمره الذي وصل وقت إنتاج هذه الموسيقى إلى ٦٠ عاماً تقريباً، كما توحي أيضا بمزيج من الشجن والنوستالجيا. تتكرّر الجملة مرّتين، وبينهما سكتة، وبعد السكتة الثانية تنطلق الموسيقى على إيقاع غربي سريع، مدعوم بالنحاسيات العريضة التي تعزف وكأنها آلة إيقاعيّة، وهنا يضع عبد الوهاب عنواناً لفنّه وهو التحديث، ومحاكاة الموسيقى الغربيّة، فالنحاسيات آلات غربية، والإيقاع غربي بحت. فوق هذا الإيقاع تَرْكَب عبارتان موسيقيتان رشيقتان، الأولى متموّجة سريعة متقطّعة تعزفها الوتريات، وكأنها معول ينقر في رأس المستمع، منبهاً إياه إلى أن أمراً مهماً سيقال. فتردّ عليها مجموعة الخشبيات (كلارينيت، أبوا، فلوت)، بالعبارة الثانية التي تبدو وكأنها إجابة على العبارة الأولى، أو قرار متخذ بناءً عليها، فتكرّر الوتريات نفس العبارة أيضاً، ويحدث اتفاق على جمال ما سيأتي وضرورة الإصغاء إليه. يلي ذلك سكتة جديدة، يعقبها إيقاع سريع يشبه الإيقاع الأول ولكن به بعض الزركشة، لتمتطيه مجموعة الخشبيات مؤدية عبارة مزخرفة متقطّعة بها دلال وعواطف، يعقبها عبارة نغماتها أكثر انسيابيّة، تبدو وكأنها شرح لقيمة هذا الدلال وهذه العواطف، وبيان أنها رسالة الفن، الذي يفسّر ما بداخلنا من انفعالات. فثم تعاد نفس الجملة بعبارتيها على مجموعة الوتريات ومن خلفها باقي الأوركسترا، في توضيح وتأكيد على ما مضى من معان. نفس الجملة تعاد مرة ثالثة ولكن بتحوير بسيط، بعلوّ في الدرجة النغمية، ما زاد الأمر سخونة، للتشديد على أن ما قيل هو الحقيقة، ثم تنتهي الموسيقى بقفلة بها شيء من المرح، في محاولة لتخفيف تلك الوجبة الدسمة على المستمع.

أسوان

هي من المعزوفات التي صنعها عبد الوهاب بقواعد تلحين وتوزيع سمفونيّة عالميّة، كما الحال في "حياتي"، ولم يكتف خلالها بفرقة موسيقيّة عربيّة تقليديّة، مطعّمة بآلات غربيّة بسيطة، وإنما وُزعت على أوركسترا سمفوني مكتمل عام ١٩٦٥.
تبدأ بجملة مُرهِبَة تبدو كصيحة أو إنذار، الجملة غير إيقاعيّة، تتصدّرها مجموعة الوتريات وتهدأ تدريجياً، وكأن عبد الوهاب ينبّهنا إلى عظمة وفخامة ما سيحدثنا عنه في موسيقاه، فصاح في وجهنا ثم بدأ يهدّئ من روعنا، لأن عظمة ما سنشاهده ليست في هيبته فقط كتاريخ فخم، بل في رقّته كفنّ حساس. ثم تبدأ جملة أخرى قصيرة غامضة، تقولها آلات نفخ خشبيّة، ومن خلفها إيقاع مشاغب، ما يلبث أن تدعمه آلات نحاسيّة عريضة. هذا الغموض المصحوب بشغب، يوحي بأن العظمة التي ستأتي تكمن في أسرار الفراعنة وعلومهم، ودخول النحاس أوحى بفخامة هذه العلوم. ثم تبدأ جملة مبنية على إيقاع غربي بحت مدعوم بالنحاسيات، الجملة واضحة فيها استطالة ومط، تلعبها مجموعة الوتريات التقليديّة، ومعها على استحياء آلات النفخ الخشبيّة، ومن خلفها مداعبات من آلة الهارب فرعونية الأصل، وفي نهاية الجملة التي تُعاد أكثر من مرّة، تتدخّل النحاسيات لتنهي الجملة بهيبة وربما قسوة. الاستطالة جعلتنا وكأننا نطوف على معابد فيلة وكوم امبو وأبوسمبل وكلابشة، وغيرها من آثار فرعونية في أسوان، وأعطت مداعبات الهارب الانطباع بأن ما نراه فرعوني، وبدت النحاسيات وكأنها الهيبة والعظمة. بعد ذلك تأتي جملة هادئة وعظية (صولو) لآلة الفلوت، وكأنها راهب من معبد أبوسمبل، يقول للعالم، وللمصريين: اعتبروا، فما شيّدنا هذه الحضارة إلا بالعلم والعمل، فتردّد باقي الأوركسترا مجتمعة نفس الجملة، بقوة وفخامة، وكأنها صدى لصوت الراهب، ولكن صوتها أتى أقوى من صوته لبيان عظمة ما يقوله وأهميته. أما الجملة الأخيرة، فيقولها البيكولو (من فصائل الفلوت)، على إيقاع متسارع، وفي الجملة نوع من الإقرار والتسليم، وتردّدها باقي الأوركسترا في تسارع، وكأن من يتكلم هنا هو الشخص الذي يتلقى العظة والنصح، ويقول: " سمعت ورأيت وصدَّقت"، حتى تنتهي المعزوفة بقفلة فخمة كما بدأت.

ثراء موسيقي فاحش

ونستطيع وضع تقييم لمجمل معزوفات عبد الوهاب، فنعتبر أنه امتلك تراث المعزوفة التقليديّة التركيّة ودمج عناصرها في معزوفات عصريّة، وذلك في المرحلة الأولى (فترة الثلاثينيات)، واستمراراً لرحلة التحديث هجر عبد الوهاب هذا التأثر التركي تماماً، فأدخل تقنيات العزف الحديثة إلى معزوفاته، كالتريمولو (ترجيف أقواس الآلات) أو البيتسيكاتو (النقر بالإصبع على أوتار الكمان وغيره من الوتريات) وغيرها من التقنيات، كما يوضح سليم سحاب. وكان عبد الوهاب رائداً في إدخال آلات غربيّة على الموسيقى العربيّة من خلال هذه المعزوفات، كالأكورديون والجيتار والآلات الكلاسيكية. وامتازت معزوفات عبد الوهاب بتنوّع كبير في القوالب، وامتلكت ثراءً فاحشاً في مادتها الموسيقيّة، وفي تنوع إيقاعاتها، وقد تكون الصفة الأهم في معزوفات عبد الوهاب أننا لا نجد معزوفتين تنتهيان بنفس القفلة إطلاقاً، يقول سليم سحاب. برؤيته التي تجاوزت العالم العربي وصل عبد الوهاب للعالميّة، وربما تعبّر التقديرات التي لحقته والتكريمات التي نالها عن ذلك، فبعد أن أطلق عليه لقب "الموسيقار العربي الأول" عام 1975، وحصوله على الأسطوانة البلاتينيّة من اتحاد شركات الإنتاج الموسيقي العالميّة عام 1978 كأوّل مطرب وموسيقي عربي يحصدها. كُرّم عبد الوهاب من جمعية الملحنين والمؤلفين العالميّة في باريس، ومنحته لقب "فنان عالمي" عام 1983، كما أعطته قاعة "ألبرت" الملكيّة في لندن "عصا القيادة الفضيّة" عام 1988، بحسب ما وثقت الدكتورة رتيبة الحفني عميدة معهد الموسيقى العربيّة بالقاهرة، في كتابها "محمد عبد الوهاب: حياته وفنه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard