تداول شكلي للسلطة في موريتانيا... العسكر يجدّدون رأسهم

السبت 2 مارس 201905:29 م
بعد الكثير من الشدّ والجذب والتسريبات واعتماد سياسة كشف الأخبار بالقطّارة والعزوف عن الكلام والكتمان والانزواء، خرج القائد السابق للأركان العامة للجيوش في موريتانيا، ووزير الدفاع الحالي، الجنرال محمد ولد الغزواني، في مهرجان شعبي نُظّم مساء الأول من مارس، وأعلن ترشحه للرئاسة. عبّر الجنرال، من ملعب شيخة ولد بيدية في العاصمة الموريتانية نواكشوط، عن رغبته في حكم موريتانيا في المرحلة المقبلة، وخطب في الحضور قائلاً إنه يتعهد للشعب الموريتاني بالعمل على تحقيق طموحه. وأكد أنه قرر الترشح لنيل ثقة الشعب الموريتاني في الانتخابات التي ستجري في يونيو القادم، مشيراً إلى أنه يضع ما منّ الله عليه به من تربية وتكوين وخبرة وتجربة في خدمة البلاد. وتعهد في خطابه بصون الحوزة الترابية، وتعزيز مكاسب الديمقراطية، وتحصين الوحدة الوطنية، والرفع من مكانة المرأة، وتحقيق النهوض الاقتصادي، والاعتناء بالشباب. وقال أيضاً: "لا يمكنني أن أقول إن كل مَن حكم كان مخطئاً بالمطلق، فلو كان الأمر كذلك ما كان لنا وطن يمتلك مقومات الدولة". وأضاف: "بالمنطق نفسه، لا أقول إنه كان مصيباً بالمطلق، إذ لو كان الأمر كذلك ما كنا لنلحظ مكامن الخلل ومواطن النقص التي هي في الواقع جزء من العمل البشري. لكنني أفترض فيهم جميعاً حسن النية والوطنية". وتابع: "أقول إنهم، في فترات معيّنة ومحيط معيّن وظروف معيّنة لا يتحكمون في أغلبها، اجتهدوا فأصابوا في مواطن ولهم أجر الاجتهاد وأجر الصواب. وأخطأوا في مواطن، ولهم أجر الاجتهاد، ولهم العذر بالنظر إلى فترتهم وظروفهم والمحيط الذي تحرّكوا فيه". واعتبر أن كل واحد من حكام موريتانيا السابقين "وضع لبنة ما، بحجم ما، في تشييد هذا الصرح الذي لا ينتهي العمل فيه، وأعني به إقامة دولة قوية تُسعِد مواطنيها، وتدافع عن حوزتها الترابية، وتحتل مكانتها بين الأمم". حضر مهرجان إعلان الترشح عدد من أعضاء الحكومة الموريتانية وزوجة رأس السلطة في موريتانيا محمد ولد عبد العزيز، والتي شكرها ولد الغزواني في خطابه على حضورها، وكذلك نواب في البرلمان الموريتاني، وناشطون سياسيون، بالإضافة إلى مواطنين.

تجديد داخل النظام العسكري

حاول الجنرال في خطابه إضفاء طابع "الإجماع الوطني" على ترشّحه. وكان بروزه في المشهد الانتخابي قد أتى بعد مبادرات تطالب بـ"مأمورية ثالثة" لمحمد ولد عبد العزيز، وبعد مبادرة لتعديل الدستور لتجاوز المادة التي تحدّ المأموريات في اثنتين، لاقت معارضة وانتهت بإعلان الرئيس أنه ضد تعديل الدستور وأنه لن يترشح لولاية ثالثة. وسبق إعلان الغزواني الترشّح إعلان الرئيس محمد ولد عبد العزيز أمام بعض النواب والوزراء، دعمه للجنرال، وهو ما تلته حملة مبكرة لمبايعة الرئيس الجديد، حتى قبل إعلانه الترشح رسمياً، من طرف رموز النظام الحاكم. يعتبر الناشط في حركة 25 فبراير، الحسين ولد محمد عمر، أن "ترشيح غزواني استمرار لحكم العسكر. هو عسكري أُحيل على المعاش ثم جرى ترشيحه بعد ذلك من طرف صديقه العسكري، وهذا لا يمكن إلا أن يكون استمراراً لحكم العسكر". وأضاف لرصيف22: "هما عسكريان صديقان، قاما بانقلاب أول، ثم ثانٍ، ولا يبدو من نهجهما في الحكم أنهما بعيدين عن العقيدة العسكرية، كما أن حفاظ غزواني على الحكم إبان إصابة صديقه ولد عبد العزيز بالرصاصة المثيرة للجدل جعل الأخير يسلمه الحكم كمكافأة على عدم الانقلاب عليه، خاصة أنه قضى في الخارج فترة ليست بالقصيرة للعلاج". وكان ولد عبد العزيز قد تعرّض لإطلاق نار سنة 2012، وظل لفترة خارج موريتانيا يتلقى العلاج وسط تعتيم على أخباره. بحسب ولد محمد عمر، "هذا الترشيح ليس إلا مأمورية ثالثة. يبدو للبعض أنه تداول للسلطة بشكل ديمقراطي، لكنه لا يعدو كونه تسليم سلطة بطريقة غير عنيفة و غير ديمقراطية... إنه نفس النهج. كيف لا وهو تعاقب بين شخصيتين عسكريتين أدارتا البلد خلال السنوات الماضية". ولفت إلى أن كل الدلائل تشير إلى أن "ترشيح غزواني المشارك في الحكم لسنوات ليس بريئاً، والهدف منه عدم النبش في الصفقات والاستثمارات التي حدثت خلال السنوات الماضية". ويخلص ولد محمد عمر إلى أن "المؤسسة العسكرية التي كان غزواني يتربّع على هرمها حتى وقت قريب والممسكة بالحكم منذ عام 1978 لا تبدو مستعدة للتخلي عن السلطة، لذلك فإن ترشيحه ضربة لعصفورين بحجر واحد". لكن الكاتب والوزير السابق محمد ولد أمين رأى صورة مغايرة لذلك، واعتبر أن ولد الغزواني مختلف عن سابقه، وكتب على صفحته على فيسبوك: "أعتقد ولا أزكي على الله أحداً أن هذا الرجل هو الذي ستصنع موريتانيا في زمنه نهضتها الاقتصادية والاجتماعية فبهذه الطريقة السمحاء المتواضعة سيجتمع حوله أبناء موريتانيا... وأبناء موريتانيا حين يجتمعون يصنعون المعجزات". وأضاف: "أرجو من كل المعارضين ومن كل المتخندقين ومن كل المتحفّزين ترك الخلافات وإعطاء الرجل فرصة الإصغاء إليه، وذلك بالتباحث معه حول مستقبل البلد ونوعية التشارك فيه". وتابع: "أعتقد أن نخبة البلد هي تلك المتخندقة بالمعارضة والمبعَدة بين المنافي وقد مدّ إليها (ولد الغزواني) وبوضوح يده وعليها ألا تضيّع هذه الفرصة التاريخية في ترهات الطموحات الأنانية وإرضاء الغرور الشخصي، فموريتانيا تحتاج لكل أبنائها ولكل بناتها".

"عسكري مستبد من خلفية صوفية"

يتحدّر محمد ولد الغزواني المولود سنة 1956 من وسط اجتماعي متصوّف، فهو حفيد شيخ الطريقة الغظفية، وانضم إلى الجيش الموريتاني في أكتوبر 1978. العسكري الذي قالت بعض وسائل الإعلام المحلية إنه أخبر قيادات من حزب "تواصل" المحسوب على الإخوان المسلمين بأنه لا يريد دعمهم، والعسكري ذو الخلفية المتصوّفة، سبق ووصفه زميله السابق في الجيش والدراسة العقيد المتقاعد عمر ولد أبيبكر، بأنه مستبد ومقوّض للعدالة في الجيش، في مقال بعنوان "الفريق محمد إلخ... وعدالة الكيل بمكيالين". كتب ولد أبيبكر: "اليوم بعد أن وصل إلى قمة هرم القيادة العسكرية بدهاء وليس باستحقاق، فإن الفريق محمد إلخ مسؤول للأسف عن الكثير من الظلم في الجيش الوطني، ظلم على جميع مستويات القيادة". وأضاف: "الأسوأ أنه أصبح عقبة حقيقية أمام العدالة منذ توليه قيادة هذه المؤسسة العسكرية ويتصرّف كمستبد لدرجة أن السؤال بات مطروحاً عمّا إنْ كان قد فقد مرونته".
"ترشيحه استمرار لحكم العسكر. هو عسكري أُحيل على المعاش ثم رشّحه صديقه العسكري، وهذا لا يمكن إلا أن يكون استمراراً لحكم العسكر"... معارضون موريتانيون قلقون من ترشيح محمد ولد الغزواني للانتخابات الرئاسية
"نعيش في بلد يتحكم فيه الوجهاء والقبائل، ويجري فيه شراء الذمم، كما أن وسائل الدولة أيضاً ستُستخدم لخدمة مرشح السلطة، وثقافة المجتمع ترى عدم جدوى معارضة مرشح النظام"... كيف ينظر الموريتانيون إلى "مرشّح الجيش" للانتخابات الرئاسية؟
وبحسب الصحافي الموريتاني محمد فال ولد عمير، فولد الغزواني يملك علاقات طيبة مع الإمارات و"المستعمر السابق" فرنسا، وأمريكا، إذ قال: "انشغالاته العسكرية لم تكن لتحول بينه وبين بناء علاقات استراتيجية وثيقة مع شركاء موريتانيا، ذلك أنه يفهم جيداً أن الأمن هو عنصر إسناد هام للدبلوماسية. فقد مرّ التقارب مع كل من فرنسا والولايات المتحدة ودول الساحل والإمارات العربية المتحدة والعربية السعودية، من بوابة التعاون العسكري. وهو ما أكسب الجنرال محمد ولد الغزواني شهرة واسعة على المستوى الدولي".

ترشيح مقلق للمعارضة

أربك ترشيح ولد الغزواني المشهد السياسي الموريتاني، فهو يعني أن الجيش قرّر تقديم مرشحه، ويرى معارضون أن من تبعات ذلك أن الدولة ومواردها ستكون تحت تصرّف حملته، وحتى الإدارة المحلية ستكون في صفه كالعادة، ما يجعل منافسته ديمقراطياً صعبة بل مستحيلة. ويأتي هذا الترشيح في إطار معاناة المعارضة من حالة ضعف ووجود خلافات بينية بين تياراتها، ما جعلها إلى حد الآن عاجزة عن تقديم مرشحين للانتخابات، والنتيجة أنها قد تشهد انشقاقات، وقد بدأ بعض المحسوبين على التيارات المعارضة بالفعل يعلنون رحيلهم نحو رجل الجيش القوي. وقال الحسين ولد محمد عمر: "قدرة المعارضة على المنافسة تبدو ضعيفة لعدة عوامل، لعل أهمها، كوننا نعيش في بلد يتحكم فيه الوجهاء والقبائل، ويجري فيه شراء الذمم، كما أن وسائل الدولة أيضاً ستُستخدم لخدمة المرشح غزواني، أضف إلى ذلك أن ثقافة المجتمع ترى عدم جدوى معارضة مرشح النظام، فالمثل الشعبي يقول ‘الكف ما يعاند اللشفة’ (الكف لا يستطيع مواجهة الإبَر)". وخلص إلى أن "الجيش تحكم في السلطة، ويتجلى ذلك في مظاهر عدّة لعلّ أهمها الترهيب والترغيب الذي يُمارَس على رجال الأعمال، كذلك الاعتماد على الوجهاء من خلال منحهم مزايا تجعل ولاءهم للجيش غالباً، كما يفعل نفس الشيء مع بعض المدنيين من خلال التعيينات والمحاصصة القبلية غير المعلنة، وتتمثل أهم مظاهر تحكّم العسكر في الدولة في زرع الموالين في الوظائف الحساسة و منح الصفاقات للأقارب والمقربين".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard