محطّة مصر: لم يلتفت أحدٌ إلى بنيّة القطارات والمواطن وحدهُ يتحمّل الموت

الجمعة 1 مارس 201902:23 م

تقول الأسطورة إنه في سبعينيات القرن المنصرم وقعت حادثة على كوكب اليابان الشقيق قبل أن يكون كوكبًا يسبقنا بمئات السنين الضوئية، إذ خرجت امرأة ضريرة من منزلها لمحطة القطار لركوبه، وكانت بمفردها وليس معها سوى العصا الخاصة بها، وعندما دخلت المحطة انزلقت قدماها، وسقطت تحت قضبان القطار فصدمها القطار وماتت.

الحادث كان مفجعًا، حتى أن اليابانيين أعلنوا الحداد العام للثأر للعمياء القتيلة، وثار الشعب الياباني من أجلها، وعلى الفور قدمت الحكومة استقالتها “زي عندنا بالظبط”، وتشكّلت حكومة جديدة بدأت بوضع خطة فورية متكاملة لجميع ذوي الاحتياجات الخاصة، وليس لفاقدي البصر فقط، وتم تعديل مداخل القطارات، وجميع الشوارع، وتخصيص حارات وطرق خاصة وعلامات وإشارات مرور، تُصدر أصواتًا لعبور ذوي الاحتياجات الخاصة، وذلك في جميع أنحاء اليابان!

هناك دول عندما تحل بها الكوارث والمصائب تصنع منها فرصاً تحقق الرخاء والتقدم والسعادة لشعوبها، ودول أُخرى تحوّل الفرص لمصائب وكوارث، وتجعل شعوبها أكثر بؤسًا تعاسة وقنوطًا. مرحبًا بكم في "جمهورية مش أحسن ما نبقي زي سوريا والعراق!"

في ساعة مبكرة من صباح الأربعاء استيقظ المصريون على حادث مروع إثر اصطدام جرار قطار برصيف نشب فيه حريق راح ضحيته 22 قتيلًا في محطّة رمسيس أو محطّة مصر، التي تعد الأهم في منظومة السكك الحديد المصرية، تقع في ميدان رمسيس، وتنطلق من محطّة مصر في القاهرة كل أنواع القطارات إلى جميع مناطق مصر.

لم يتحرك أحد من المسؤولين الجاثمين على أنفاس هذا الشعب لحل مشكلات السكة الحديد، ومعرفة أسباب هذه الحوادث ومحاسبة المُقصّرين. لم يلتفت أحد إلى البنية المتهالكة للسكة الحديد، سواء العربات أو المزلقانات والإشارات، وإلى وجوب تطوير الجرارات بالقطارات والعربات، بالإضافة إلى المزلقانات التي تُعرض حياة الآلاف من المواطنين يوميًا للخطر الحقيقي، وإلى أن يأتوا بالخبراء حتى يتسنى لهم تقديم الحلول لتطوير خطوط السكة الحديد، لكن لم يحدث هذا ولن يحدث لأنهم فاشلون.

هناك دول عندما تحل بها الكوارث والمصائب تصنع منها فرصاً تحقق الرخاء والتقدم والسعادة لشعوبها، ودول أُخرى تحوّل الفرص لمصائب وكوارث، وتجعل شعوبها أكثر بؤسًا تعاسة وقنوطًا. مرحبًا بكم في "جمهورية مش أحسن ما نبقي زي سوريا والعراق!"
لم يلتفت أحد إلى البنية المتهالكة للسكة الحديد، بالإضافة إلى المزلقانات التي تُعرض حياة الآلاف من المواطنين يوميًا للخطر الحقيقي، وإلى أن يأتوا بالخبراء حتى يتسنى لهم تقديم الحلول لتطوير خطوط السكة الحديد، لكن لم يحدث هذا ولن يحدث لأنهم فاشلون.
أشارت آخر البيانات المتاحة من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن "إجمالي عدد حوادث القطارات ارتفع إلى 1082 في النصف الأوّل من العام 2018 مقابل 793 حادثة في نفس الفترة من العام 2017 بنسبة قدرها 36.4%"، بمعدل 6 حوادث يومياً.

أشارت آخر البيانات المتاحة من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن "إجمالي عدد حوادث القطارات ارتفع إلى 1082 في النصف الأوّل من العام 2018 مقابل 793 حادثة في نفس الفترة من العام 2017 بنسبة قدرها 36.4%"، بمعدل 6 حوادث يومياً.

وكأن عهدنا بحوادث القطارات توقف منذ تناولت السينما المصرية هذه الحوادث، وأخرج لنا المخرج المصريّ عاطف الطيب فيلم “ضد الحكومة” مع الراحل أحمد زكي عام 1992، على أمل أن يلفتوا نظر نظام الطاغية حسني مبارك عما آلت إليه بنية القطارات، ويدقوا ناقوس الخطر لهم، لكن أحدًا لم يلتفت إليهم.
منذ نحو ثلاثين عامًا وصولًا لحادثة محطّة رمسيس يوم الأربعاء الماضي، السابع والعشرين من شباط/ فبراير، تعاقبت الحكومات وتغيّرت، وتكررت الحوادث وتكاثرت، حتى الأنظمة سقطت وأتت أنظمة أُخرى بدلًا منها، ولم تتغيّر تصريحات الوزراء، وأصبحت نسخة كربونية مُكررة بعضها من بعض.

يتحدثون عن تحسين الخدمة للمواطنين والعمل على تطوير القطارات، ولا شيء يحدث سوى زيادة سعر تذكرة القطار، والمواطن وحده هو من يتحمل هذا الشقاء.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard