ماذا يفعل رشيد نكاز في الجزائر؟

الجمعة 1 آذار 201912:51 م
المعروف عنه: رجل أعمال ثري وناشط سياسي معارض. جزائري الأصل وفرنسي المولد. من أم قبائليّة من نواحي ولاية بجاية وأب من عين مران، هاجرا إلى فرنسا في الخمسينيات وأنجبا 12 ولداً. لم يعرف والداه القراءة والكتابة، لكنه حظي بفرصة دراسة التاريخ والفلسفة في جامعة السوربون في باريس وحاز ماجستيراً تمحور عنوان بحثها حول بدايات جامعة الدول العربيّة. قرّر التخلي عن جواز سفره نبيذي اللون محتفظاً حصراً بذاك الأخضر. دفع أموالاً طائلة لأسباب جعلت كثراً يتهمونه بالجنون. أثار الجدل في فرنسا في مناسبات عدة حاول خلالها اختراق مشهدها السياسي والثقافي، ثم عاد لإثارة الجدل في الجزائر في سياق مُماثل. انتشرت الأخبار قبل أيام قليلة مُعلنة وصوله. إنه رشيد نكاز (Rachid Nekkaz)، الذي عاد إلى البلاد وسط مرحلة حساسة تعيشها على وقع "العُهدة الخامسة" التي تثير حالة غضب متزايدة بينما تُمعن السلطة في قمع المتظاهرين.   يُحبّ نكاز أن يُقدّم نفسه كبديل عن الرئيس الحالي (أو الأصح طيف الرئيس الحالي) عبد العزيز بو تفليقة. لكن هل هو كذلك؟ ليس هناك على الساحة الجزائرية ما يوحي بذلك فعلاً، وإن كان نجح في إثارة ضجة حوله، يبدو وكأن حظوظه إعلاميّة أكثر منها سياسيّة. فكيف يُمكن أن يُقرأ حضور نكاز وما الذي يحمله في طيّاته؟

بديل جديّ أم فقاعة إعلاميّة؟

بهاتف نقّال يستخدمه للبث المباشر على صفحته الفيسبوكيّة، التي يُتابعها مليون ونصف مليون شخص، خاطب نكاز الجماهير ودعاهم لملاقاته في الشارع بعدما وصل إلى الجزائر هادفاً إلى جمع التواقيع اللازمة لخوض الانتخابات الرئاسية المُزمع إجراؤها في 18 أبريل المقبل. أظهرت فيديوهات أسهبت صفحاته المختلفة في بثها تجمّع الشباب حوله، ثم خرج ليشكو اعتقاله حين كان في طريقه إلى وهران لحضور اجتماع مع كل من غاني مهدي والطاهر ميسموم، المُرشّحَيْن للانتخابات القادمة. أعلن نكاز أنه وُضع تحت الإقامة الجبريّة في منزله في عين مران في ولاية الشلف، تحت حراسة أمنيّة مُشدّدة. لاحقاً، قال إنه و"بفضل الضغوطات" سيتمكن من المشاركة في تظاهرة الأول من مارس (اليوم) المليونيّة حسب الدعوات، مشدّداً كما في مرات عديدة على "السلميّة". https://www.facebook.com/nekkaz2019/videos/2275856562627837/ ما زال نكاز يُصرّ على ترشيح نفسه للرئاسة، مع أن في الدستور عقبات عديدة تُرجّح استبعاده. أبرز تلك العقبات شرط الإقامة على الأراضي الجزائرية لمدة عشر سنوات على الأقل دون انقطاع، أن تكون زوجة المرشح جزائرية لا تحمل جنسية أخرى وأن يُصرّح علناً عن أمواله المنقولة وغير المنقولة في الداخل والخارج. الشرطان الأولان لا يستوفيهما نكاز دون شك، أما الثالث فسيكون مصدر إحراج كبير له وسط اتهامات تُوجّه له بمراكمة الثروة - الموجودة بمعظمها في الولايات المتحدة - بشكل مشبوه. ورغم ذلك يبدو أنه ينجح كل مرة في إثارة الجدل من دون أن يكون محسوماً حجم تأثيره الفعلي في الشارع الجزائري. هل هو بالفعل قادر على التأثير، أم أنه مجرّد فقاعة إعلاميّة تستفيد من المشهد الجزائري الحالي ومن الخطاب الشعبوي ومن اعتبارات سياسيّة وأمنيّة لدى أوساط الرئيس الحالي.

حين تعرّف الشارع الجزائري على نكاز

عام 2014، كان موعد الشارع الجزائري مع الملياردير الذي صنع ثروته منطلقاً من حيّ شعبي فقير في ضاحية فيلينوف سانت جورج الفرنسيّة وصولاً إلى الاستثمار في مجال العقارات الذي أدخله إلى نادي الأثرياء، كما يقول. في ذلك العام، وصل إلى بلاده بهدف الترشّح للانتخابات، وعاد بوعود كثيرة للجزائريين بينها تغيير العاصمة نحو ولاية الجلفة الداخلية، إلغاء الخدمة الإلزاميّة، تدريب أفضل للجيش، منح كل عائلة فقيرة مبلغ عشرة آلاف دينار، التخلي عن الراتب، فتح الحدود بين المغرب والجزائر، محاربة الرشوة، توفير وظائف للعاطلين، تقسيم موازنة وزارة المجاهدين القدامى إلى 3 أشطر خلال 5 سنوات... اشتهر نكاز بعد إعلانه عن حادثة سرقة مسلحين لأكثر من 60 ألف توقيع كان قد حملها إلى المجلس الدستوري، ما أدى به إلى الخروج الفوري من سباق الرئاسة بحجة عدم اكتمال الملف. قبل ذلك، كان قد رشّح نفسه للرئاسة في فرنسا. عام 2006، أعلن الرجل، الذي كان يبلغ الـ34 عاماً حينها، نيّته الترشح للانتخابات التي كانت ستجري بعد عام في فرنسا، مُسوّقاً لنفسه باعتباره مرشح الأحياء الشعبيّة الوحيد.
يُحبّ نكاز أن يُقدّم نفسه كبديل عن الرئيس الحالي (أو الأصح طيف الرئيس الحالي) عبد العزيز بو تفليقة. لكن هل هو كذلك؟ ليس هناك على الساحة الجزائرية ما يوحي بذلك فعلاً... فكيف يُقرأ حضوره؟
"يحرص النظام على الحد الأدنى من الشرعية عالمياً، فيستدعي مرشحين خاسرين مُسبقاً نسميهم في الجزائر بـ(الأرانب)، وظيفتهم تضليل الرأي العام"... فهل يُعدّ رشيد نكاز، المعروف بـ"محامي المنقبات"، واحداً منهم فعلاً؟
لم يستطع جمع التوقيعات اللازمة لإتمام ملف ترشيحه، ثم أنشأ حزب حمل اسمه وحوّله لاحقاً إلى "التجمع الاجتماعي الديمقراطي" الذي خاض الانتخابات البلدية ولم يستطع تحصيل أكثر من 5 في المئة من أصوات ناخبي منطقته. عاد عام 2012 للترشح للانتخابات الفرنسية عبر الانتخابات التمهيدية في "الحزب الاشتراكي" ولكنه مرة أخرى فشل في جمع التزكيات المطلوبة، حتى انشغل عام 2014 بالرئاسة الجزائرية، لكنه زعم أن "محاربي الإصلاح" حاكوا مؤامرة ضدّه. وقتها، كان قد أعلن تخليه عن الجواز الفرنسي لصالح الجزائري حصراً، مدعياً تسليم الأول إلى الإليزيه كـ"دليل مواطنة". بموازاة ذلك، كان قد صرّح مراراً بأن بوتفليقة قد مات، متهماً الـ"40 لصاً" حوله بأنهم يحرمونه من مراسم الدفن، فيما ادعى أن من نراه اليوم هو قناع مصنوع بدقة لوجه بوتفليقة. https://www.youtube.com/watch?v=jnN7UxTsRNY

"محامي المنقبّات"

يُذكّر نكاز بالشخصيات السينمائية التي تتغذى على الاستعراض ومَسرحة تصرفاتها، حتى تلك الأكثر بساطة. عُرف باعتباره من أبرز المدافعين عن المنقبات في فرنسا والمناهضين حكماً لمشروع حظر غطاء الوجه في الأماكن العامة الذي طُرح عام 2010. وقتها، عرض نكاز دفع الغرامة التي تصل إلى 150 يورو في حال مخالفة القانون، كما أسس جمعية "لا تمسّ دستوري" ورصد لها مبلغاً ضخماً (يُقال مليون يورو) لدفع غرامات النساء لارتدائهن البرقع. عام 2016، ورداً على حملة منع البوركيني، ظهر مع امرأة مرتدياً بزته الرسمية وهو يقف إلى جانبها في الماء. كما نشر صورة أخرى وهو مكبّل اليدين بشكل رمزي أثناء وقوفه إلى جانب منقبة كانت خرجت للتو من المحكمة. لديه الكثير من القصص الأخرى التي انشغل بها الإعلام بين الفينة والأخرى. أنقذ مرة مسجداً بأن اشتراه والأرض المبني عليها بخمسين ألف يورو، ومرة أخرى اشترى صوت أحد المسؤولين في الانتخابات ثم مزّق تعهد الأخير علناً منتقداً الديموقراطين الذي يدّعون عكس ممارساتهم…

كيف يُقرأ حراكه الرئاسي إذاً؟  

"رشيد مُرشّح أحمق تماماً، وراء ظهوره أجهزة الشرطة السياسية، وهدفها أن يشغل الساحة ويعزّز فكرة إعادة إنعاش حياة سياسية انتخابيّة أشبه بلعبة الدمى. ليس لديه أية حيثية أو قاعدة سياسية أو اجتماعية في الجزائر، وهكذا لا يمكن أن يُمثّل أي بديل عن بوتفليقة، خاصة في سياق معروف فيه أن الانتخابات مزيفة لا تقوم على مشاركة الناس، ففي الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2014 لم تصل النسبة إلى 10 في المئة". كان هذا رأي العضو في منظمة "Algeria Watch" للدفاع عن حقوق الإنسان والكاتب عمر بن درة في حديثه لرصيف22. يرى أن نكاز "صناعة إعلامية أو بوليسية، موجهة لتقوم بإحداث صخب على شبكات التواصل الاجتماعي وعلى الشاشات"، رابطاً ذلك أيضاً بحرص النظام على أن يعطي الحد الأدنى من الشرعية عالمياً لهذا النوع من الانتخابات، فـ"يستدعي بشكل عام مرشحين خاسرين مسبقاً نسميهم في الجزائر بـ(الأرانب)، يكونون جاهزين لدعم (مرشح) الساعة لتضليل الرأي العام، لا سيما الأجنبي". في المقابل، لا يخطئ الجزائريون في الحكم على محاولات تشتيت الانتباه عبر هذه المشهدية المسرحية، ويُعزّز ذلك حسب بن درة أن "المعارضة السياسية حقيقية، تلك التي تمثل الشعب حقيقة، وقد بدأت بالتمظهر لتلفت الأنظار إليها بالتظاهرات الضخمة في كل مدن الجزائر، بعد 22 فبراير". هؤلاء، وفق بن درة، يرفضون ترشح عجور مريض، ليس قادراً على مخاطبة شعبه منذ سبعة أعوام، فـ"الشعب خرج ليرفض هذا التجديد، وليرفض نظاماً سياسياً لا يُقيم احتراماً للقانون ويسعى لحفظ نظام الزبائنية".    وعن نوايا النظام كان قد شرح بن درة، في مقابلة نشرها موقع "السفير العربي"، محاولة بعض "التقدميين" ووكلاء دعاية آخرون يعملون "غب الطلب" تحويل هذا الرفض العام للنظام إلى مجرد احتجاج ضد بوتفليقة.
"رشيد نكاز صناعة إعلامية أو بوليسية، موجهة لتقوم بإحداث صخب على شبكات التواصل الاجتماعي وعلى الشاشات"
برأيه، قد تبدو هذه المناورة فجّة لكنها تعمل بالفعل: تريد هذه الأوساط تصريف الغضب الشعبي في اتجاه التصدي للعهدة الخامسة حتى يتم فسح المجال أمام مرشح يختاره التوافق العسكري - البوليسي، يقدَّم على أنه بديل مجدد وذو مصداقية. هكذا ومن بين بضعة "أرانب"، تتفاوت درجة سخافتها وتتلخص مهمتها في توفير بعض الصخب، يُعرض علينا كبديل جنرال يظهر من العدم. وعليه، يمكن أن "تُقنِع عملية إعادة تدوير الجنرال المهمل هذه الأوساط (المستنيرة) التي تقدِّم نفسها كنخب يتظاهر بعضها بالإيمان بالمعجزة الانتخابية".   هذا الصخب الذي يُثيره نكاز صحيح أنه يبدو أقل كوميدية من محاولات مرشحين آخرين واكبوا الإعلان عن ترشيح بوتفليقة مرة خامسة، مع ذلك فإن العارف بديناميكيات السياسة والأمن في الجزائر يُدرك أنه لا يمكن لأحد أن يكون آتياً من خارج هذا النظام أن يتصرّف بهذا الشكل دون غطاء، ومن عايش فترات توغّل القبضة الأمنيّة في مفاصل الحياة الجزائرية يُصرّ على أن كل ذلك مسرحة للمشهد الانتخابي، بتوقيع أمني. أما المعارضة الحقيقية، التي يمكن أن يُمثل بعض رموزها بديلاً فعلياً لبوتفليقة، فلم تدخل في لعبة معروفة نتائجها سلفاً، أقله في المرحلة الحالية. الأكيد حالياً أن 22 فبراير كان يوماً مفصلياً، شهد توحّد أطياف كثيرة من الجزائريين ووجود وعي سياسي فعلي، يمكن أن يُبنى عليه لإعادة تنظيم الحياة السياسية وتشّكل كوادر  قادرة على تحرير مفاصل البلاد من الكرسي المتحرّك ومن يصرّ على التمسّك به.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard