"الأب الروحي للموالي" و"عدو الأرستقراطية العربية"... سيرة سلمان الفارسي في الروايات الإسلامية

الخميس 28 فبراير 201906:33 م
أخذت شخصية سلمان الفارسي صوراً متعددة في المذاهب الإسلامية، فقد نظر إليه أهل السنّة على أنه واحدٌ من الصحابة، أما الشيعة فرأوا فيه واحداً من أهم أعلام التشيّع على الإطلاق، هذا في الوقت الذي نجد فيه أن شخصية الصحابي الفارسي كانت حاضرة بقوة في معظم الحركات الباطنية من جهة والشعوبية من جهة أخرى.

النظرة السنّية... صحابي مؤثر

تتماشى النظرة السنّية لسلمان الفارسي مع النظرة السنّية العامة لعموم الصحابة، إذ ترى فيه صحابياً جليلاً دافع عن الإسلام، بدون أن تخصّه بأيّة خاصية تميّزه عن أقرانه. وردت قصة سلمان الفارسي في العديد من المصادر التاريخية والحديثية السنّية المعتبرة، ومنها على سبيل المثال الطبقات الكبرى لابن سعد، ومسند أحمد بن حنبل. بحسب تلك المصادر، كان سلمان فارسياً من مدينة أصفهان، ونشأ في أسرة ثرية، وتولى في صغره مهمة الإشراف على النار المقدسة في المعبد، قبل أن يتحوّل إلى المسيحية ويفارق قومه، في رحلة طويلة إلى الشام والعراق، حيث تنقّل بين مدن القدس والموصل ونصيبين وأنطاكية، وكان في كل مدينة من تلك المدن يصاحب أحد الرهبان الذين يعمّقون فهمه للدين المسيحي. نقطة التحول الرئيسة تحققت عندما أخبره أحد الرهبان بقرب ظهور نبي آخر الزمان في "أرض تيماء"، ما دفع الفارسي الساعي إلى الحقيقة ليسافر من فوره إلى بلاد العرب، وفي طريقه إليها خانه بعض الأدلّاء، فباعوه كعبد إلى بعض أسياد يثرب. لا تذكر المصادر التاريخية الكثير عن حياة سلمان قبل البعثة النبوية، لكنها تتفق على أنه سارع إلى لقاء الرسول بمجرد أن سمع به، وأنه تحقق في النبي من ثلاث علامات للنبوة، ولما وجدها جميعاً في النبي آمن به واعتنق الإسلام من فوره. المصادر هنا تضطرب في توقيت إسلام سلمان، فبعضها يذكر أن ذلك وقع في مكة قبل الهجرة إلى يثرب، أما البعض الآخر فيحدد حدوث ذلك في قباء، قبيل دخول الرسول إلى المدينة. وتتفق الروايات التاريخية السنّية على أن الرسول شجّع أصحابه على مساعدة سلمان لنيل حريته، فساعدوه في غرس 300 ودية من النخل وجمع 40 أوقية من الذهب، وهو الثمن الذي اشترى به سلمان حريته من سيّده. لا تذكر المصادر التاريخية الكثير عن حياة سلمان في السنوات الأولى من الهجرة. لا يظهر اسمه في أيّة من الروايات التي تناولت موقعتي بدر وأحد، ويرد اسمه للمرة الأولى في سياق استعدادات المسلمين لغزوة الأحزاب في العام الخامس للهجرة، وذلك عندما اقترح سلمان حفر خندق حول المدينة لتحصينها، وهو الأمر الذي وافق عليه الرسول ونفّذه، وقال قوله الشهير: "سلمان منّا آل البيت". وفي حركة الفتوحات الإسلامية، يظهر اسم سلمان كواحد من القادة العسكريين الذين لعبوا دوراً مهماً في فتح بلاد فارس، وفي الاستيلاء على "المدائن"، وربما يبرر ذلك قيام عمر بن الخطاب باسناد ولايتها له لفترة قصيرة، قبل أن يُعزل عنها لأسباب لا تذكرها الروايات السنّية بشكل واضح. [caption id="attachment_186496" align="alignnone" width="1000"] مرقد سلمان الفارسي[/caption]

النظرة الشيعية... صاحب مكانة غير مسبوقة

تؤيّد المصادر الشيعية معظم التفاصيل التي أوردتها الروايات السنّية عن سلمان الفارسي، إلا أن المصادر الشيعية، الإمامية تحديداً، أضافت على سيرته أموراً، لتتوافق وتتماشى مع الثوابت والأصول المذهبية الشيعية، ما أسفر في النهاية عن إنتاج صورة جديدة لسلمان، تختلف إلى حد بعيد عن صورته التقليدية الشائعة في المخيال السنّي. سلمان دائماً ما يُصوّر في المصادر الشيعية على أنه أحد الأتباع المخلصين لعلي بن أبي طالب، فقد كان واحداً من "الأركان الأربعة" الذين بايعوه على القتال في سبيل تنصيبه خليفةً للمسلمين. يذكر كل من الفضل بن شاذان في "الإيضاح"، والطبرسي في "الاحتجاج"، أن سلمان أعلن عن غضبه من اختيار أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، وقال وقتها كلمته المشهورة "كرديد ونكرديد"، وهي جملة فارسية معناها الحرفي "فعلتم ولم تفعلوا"، وقد جرى تأويلها في العقل الشيعي الإمامي بمعنى "أسلمتم ولم تسلموا" في إشارة إلى أن العرب بعد اختيار أبي بكر صاروا مسلمين ظاهرياً، ولكنهم كفروا في الحقيقة، لأن إمامة علي من أصول الدين التي لا يمكن التفريط فيها، بحسب ما يذكر المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون في بحثه "سلمان الفارسي والبواكير الروحية للإسلام في إيران". في "كتاب سليم بن قيس الهلالي"، ترد أخبار عن تعذيب شديد تعرّض له سلمان في سبيل نصرة علي، وعن محاولاته بكل وسيلة ممكنة دعم ابن عم الرسول، حتى استكان في النهاية للأمر الواقع، وبايع الخليفة الأول مجبراً. ويذكر الشيخ المفيد في كتاب "الاختصاص" أن سلمان كان واحداً من بين السبعة الذين صلّوا على فاطمة الزهراء سراً وسارعوا إلى دفنها. التأييد المطلق لعلي دفع العقل الشيعي نحو إعادة قراءة بعض الحوادث المرتبطة بسلمان وفق مقاربة تأويلية شيعية الصبغة. فمثلاً، فهم الشيعة قول الرسول "سلمان منّا آل البيت"، على أنه قول له قيمة دينية منفردة "بمعنى أنها تفترض مشاركة سلمان في الوحي المنزل على النبي"، فصار سلمان لذلك معروفاً باسم سلمان المحمدي، حسبما يذكر ماسينيون. في السياق نفسه، كان من الطبيعي أن ترفض المصادر الشيعية القول إن الصحابة شاركوا في تحرير سلمان من الرق، حتى لا يكون لهم فضل عليه. من هنا، أورد المجلسي في "بحار الأنوار" أن الرسول وعليّاً هما اللذان غرسا النخل وقدّما الذهب الذي فدى سلمان نفسه بهما من الرق. وتكتمل الصورة بشكل إعجازي مع الادعاء بأن النوى قد تحوّل إلى نخل بمجرد غرسه، وأن الذهب كان بالأصل قطعة من الحجر التي تحوّلت على يد الرسول. وعليه، يمكن فهم المكانة العظيمة التي شغلها سلمان في المذهب الشيعي، والتي جعلت الفضل بن شاذان يذكر في كتابه أن عليّاً لما عرف بوفاة سلمان في المدائن سافر إليه ليلاً فغسله وصلى عليه، ثم رجع إلى الكوفة في اليوم نفسه، في واحدة من المعجزات الخارقة للعادة.

حضور دائم في العقائد الباطنية

من الجوانب المهمة التي تسترعي الانتباه في شخصية سلمان كونه أحد العناصر الرئيسة التي دخلت في تشكيل التيارات الباطنية المرتبطة بالإسلام. يقول ماسينيون معلقاً على هذه النقطة: "منذ بداية القرن الثاني الهجري، أُدمجت شخصية سلمان التاريخية في النموذج الإلهي الأعلى"، وهو ما ساهم في أن الكثير من الفرق الباطنية صارت تنظر إلى سلمان على أنه رمز أو تجلٍّ من التجليات الإلهية.
في موقف شهير، يظهر غضب سلمان الفارسي من التفرقة العنصرية التي كانت موجودة في المجتمع العربي، فعندما طلب الصحابي الفارسي خطبة بنت الخليفة الثاني، رفض عمر لكراهته أن يزوّج ابنته من أعجمي
"منذ بداية القرن الثاني الهجري، أُدمجت شخصية سلمان الفارسي التاريخية في النموذج الإلهي الأعلى"، وهو ما ساهم في أن الكثير من الفرق الباطنية صارت تنظر إلى سلمان على أنه رمز أو تجلٍّ من التجليات الإلهية
ويذكر المستشرق الروسي فلاديمير ألكسيفتش إيفانوف أن طائفة الشيعة الإسماعيلية اعتقدت بأن سلمان هو الذي حمل القرآن إلى الرسول، وأن الملاك جبريل لم يكن إلا الاسم الذي أُطلق على سلمان بوصفه حاملاً للرسالة الإلهية. أما عند العلويين والدروز، فقد كان سلمان، بجانب كل من الرسول وعلي، يمثّل أحد أضلاع المثلث الذي يرسم العلاقة بين الإله والبشر، ورُمز إليه بحرف السين، وعُرف بسلسلة، كما يذكر ماسينيون في بحثه. أصحاب تلك التوجهات الباطنية استدلوا بحديث ورد في كتاب "حلية الأولياء"، لأبي نُعيم الأصبهاني، ورد فيه أن عائشة قالت: "كان لسلمان مجلس من رسول الله، ينفرد به بالليل حتى كاد يغلبنا عليه". وزعمت الفرق الباطنية المختلفة أن الحديث يشي بأن نوعاً سرياً من العلم انتقل من الرسول إلى سلمان، ومن ثم فقد كان الأخير باباً من أبواب علم الرسول.

الأب الروحي للموالي وعدو الأرستقراطية العربية

من الجوانب المهمة في شخصية سلمان الفارسي كونه واحداً من الصحابة الأوائل من غير العرب، ما جعل منه رمزاً للموالي ونصيراً للطبقات المُهمشة في المجتمع الإسلامي المبكر. في موقف شهير، يظهر غضب سلمان من التفرقة العنصرية التي كانت موجودة في المجتمع العربي، فعندما طلب الصحابي الفارسي خطبة بنت الخليفة الثاني، رفض عمر لكراهته أن يزوّج ابنته من أعجمي، ما تسبب بغضب سلمان، بحسب ما يذكر ابن عساكر في كتابه "تاريخ دمشق". مشكلة الأصل الأعجمي ظهرت مرة أخرى عندما اختلف سلمان مع سعد بن أبي وقاص أثناء فتح فارس، فقد تعالى الثاني على الأول بنسبه العربي القرشي، وذكّره بأصوله الفارسية، وعندها قال سلمان: "أنا سلمان ابن الإسلام"، حسبما يذكر شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء". تلك الحزازيات العرقية لعبت دوراً في ابتعاد سلمان عن الطبقة الأرستقراطية القرشية. ويورد الذهبي أن سلمان ومعه صهيب الرومي وبلال الحبشي، كانوا من أكبر الناقمين على العفو عن أبي سفيان بن حرب، أثناء فتح مكة، وعرّضهم ذلك لغضب بعض كبار المهاجرين وقتها، وعلى رأسهم أبي بكر الصديق، الذي وبخهم قائلاً: "تقولون هذا لشيخ قريش وسيدها!". من هنا نستطيع فهم العلاقة الوطيدة التي ربطت بين سلمان والموالي، والتي جعلت أهل فارس لا يذكرون اسمه إلا ويتبعونه بلقب "باك" بمعنى الطاهر، ما يشير إلى عظم مكانته وتأثيره في نفوس الفرس حتى اللحظة الراهنة. كان سلمان دائماً قريباً من أهله القدامى، حتى بعد أن تولى إمارة المدائن. يذكر ابن أبي شيبة، في "الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار"، أنه كان يسكن بينهم ويتعامل معهم كأحدهم، بل ربما كان يدعو المجذومين والمرضى والمساكين منهم فيأكلون معه، وهو الأمر الذي أغضب الخليفة عمر بن الخطاب وقتها، وربما يكون سبب إقالته من منصبه. أيضاً، نلاحظ أن سلمان لم يتوسع في تعيين الخدم والأرقاء كما فعل أقرانه من الصحابة بعد الفتوحات، فلم تكن له سوى خادمة واحدة، وكان في بعض الأحيان يعجن بدلاً منها، ولما سُئل عن ذلك أجاب بأنه كره أن يجمع عليها عملين في وقت واحد. وفي السياق نفسه، لم يمِل سلمان إلى الاستكثار من الإماء والسراري، فلم يعرف عنه التسري قط، وهو ما يتسق مع طبيعته المتسامحة مع الطبقات المهمشة والنافرة من تسلط الطبقة القرشية العربية الحاكمة.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard