اللجوء إلى برلين والحياة في ظلّ مواجهة تأثير الثورات وخيباتها

الخميس 28 فبراير 201904:12 م

في منتصف شهر كانون الثاني/ يناير من كل عام، تبدأ المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تُنعى الثورات العربية وتذكرنا بألم ذاك الوقت وما لحقه. الحركات السياسية التي بدأت في تونس في أواخر العام 2010 ومرّت بمصر وامتدت إلى اليمن وسوريا، قد تبين أنها انتهت وتأثيرها على شعوب العالم العربي واضح كالشمس. بالرغم من عظمة الحركات الثورية الشعبية، إلا أن المشوار لم ينتهِ بعد وعلى ما يبدو أن الطريق سيكون طويلًا ومؤلمًا جدًا.

تدفع الشعوب التي ثارت، بالأساس التونسي والمصري واليمني والسوري، ثمن التمرد على الظلم الباطل الذي ضرب أجيال عديدة ليجدوا أنفسهم في وسط أنظمة أكثر ظلمًا وتوحشًا.

منذ تلك الوقت، ترك عدد كبير من العرب بلادهم هربًا من الحروب والقتل والخطف والقمع والكبت السياسي والاجتماعي، ولجأوا إلى بلاد الغرب. وقد لجأت نسبة كبيرة من الشباب العربي إلى العاصمة الألمانية، برلين. إن انجذاب هذه الأعداد الكبيرة إلى برلين، ليس فقط لأن ألمانيا هي دولة رعاية اجتماعية، بل لأن برلين ترمز كمدينة إلى الحرية التي نسعى خلفها ونطمح إليها.

نحن كعرب في الشتات والمنافي، سواء التطوعية أو الإجبارية، نمر بتجارب مؤلمة عندما يلاحقنا تأثير الثورات العربية إلى الأماكن التي نلجأ إليها، سواء شاركنا في الأنشطة السياسية بشكل مباشر أم لا. الأحداث لم تنتهِ بعد، وما زلنا نشهد ونشاهد  إنهيارات سياسية تحدث أمامنا، وتذكّرنا يوميًا بأيام الثورات، مما يجعل يومياتنا في الشتات أكثر ألمًا.

الحقيقة المُرّة التي نعيشها اليوم، بأنه شئنا أم أبينا، على ما يبدو سيظل الوجع حاضرًا في حيواتنا، ولكن سيبقى السؤال: كجيل الثورة وافتراضيًا المستقبل، ما هو تأثير الثورات العربية علينا كعرب مغتربين ولاجئين في برلين؟ وكيف نخلق احتمالات جديدة لنا في برلين ونحن ما زلنا نواجه تأثيرات الثورات علينا؟

من اليمن إلى برلين

كانت ريم جرهوم (الاسم مستعار) ناشطة سياسية في اليمن منذ بداية الحركة الثورية في 2011. بدأت جرهوم بإعداد تقارير عن الأحداث من قلب الميدان وأيضًا عملت على توزيع الأكل والموارد الطبية للثوار إلى جانب عائلتها التي كانت ناشطة سياسيًا أيضًا حتى تلقوا تهديدات بالأذى والموت.

"تغيّر الكثير من بداية الثورة"، تقول لي ريم. وتتابع: "مع مرور الوقت سُرق صوت الشباب والشابات من قِبل الأحزاب والمجموعات السياسية ثم تعقّد الأمر. عائلتي استمرت على نشاطها السياسي بالرغم من انسحابي من الجبهة السياسية، وهذا أدى إلى اختناق تام بسبب العواقب المرافقة وقتذاك."

في 2016 وصلت جرهوم إلى مدينة هايد بولاية شلسفيغ هولشتاين في ألمانيا على قيد طلب للجوء السياسي وانتظرت حتى سنة 2018 للتنقل إلى برلين بعد السماح لها من قِبل السلطات الألمانية بذلك.

بعد المرور بتجربة مؤلمة نتيجة الواقع السياسي في اليمن، وانتقالها إلى برلين، تقول ريم بالرغم من حبها وتقديرها للمجتمعات العربية في الشتات، إلا أنها تتجنّب مجموعات عربية في العاصمة. وتضيف: "ليس لدي مشكلة مع المجتمع العربي، ولكني لا أشعر بالانتماء له. لا أعرّف نفسي بالمكان الذي وُلدت فيه وتوجد مجموعات مختلفة في برلين أنتمي إليها، فيها عرب وغير عرب". هذا لا يعني أن جرهوم ليس لديها أصدقاء عرب ويمنيون بل بالعكس. مع ذلك تقول إنها لا تخرج كثيرًا من البيت، لأنها تركز على شغلها كفنانة مكياج وفي وقت فراغها تنظّم أوراقها للبيروقراطية الألمانية الشهيرة.

ما هي العلاقة بين آلام الثورة والحياة ما بعد الثورة؟

"تدوم أثر أحداث 2011 عليّ للأبد"، تقول جرهوم. وتتابع: "منذ ذلك الوقت وكأنني أعيش كابوسًا طويلًا. القيمة الأبدية التي أخذتها من الثورة هي التواصل مع عدد كبير من الشباب اليمنيين الذين يلهمونني باستمرار."

وبالرغم من أن جرهوم لا تشارك في أنشطة سياسية متعلّقة باليمن أو بالعالم العربي، تشارك أحيانًا في تظاهرات في برلين ضد اليمين المتعصّب المتجسّد بحزب الـ  AFD (حزب ألمانيا البديل)، وهذا الابتعاد عن مجموعات عربية وأيضًا الساحة السياسية في برلين قد يكون متعلقًّا بجروح الثورة الباقية وسط الشباب العربي في الشتات.

من النيل إلى الشبرا البرلينيّ

سلمى البستاني (اسم مستعار)، طالبة من القاهرة ومقيمة في برلين منذ بضعة شهور، تحدثت عن تجربة شبيهة بتجربة جرهوم كعربية في الشتات بعد 2011. "هناك سبب سياسي لتركي للبلد"، تقول سلمى، وتتابع: "ولكن لم أغادر بغرض اللجوء أو بسبب سياسي مباشر بل بسبب غير مباشر أثناء أحداث 2011 و2012".

شاركت سلمى في بعض الأنشطة السياسية وهذا سبّب خطرًا لها ولأسرتها فقرّر جدها أن سلمى ستنتقل للعيش مع أبيها المهاجر في ألمانيا بعد انتهائها من مرحلة الثانوية في المدرسة. وبالفعل، انتقلت إلى فرانكفورت والتحقت بجامعة هناك ثم انتقلت إلى برلين لتكمل دراستها العُليا.

وبالرغم من أنها تعتبر من سكان برلين الجدد، وجدت سلمى نفسها وسط الكثير من المصريين في برلين. "بالنسبة لبرلين فقد اندمجت مع الكثير من المصريين وأيضًا المصريون واضحون هنا على عكس مدن ألمانية أخرى"، تقول سلمى. وتتابع: "مثلاً يوجد ناس كثيرون هنا في برلين يشاركون في أنشطة ثقافية متعلّقة بالشرق الأوسط وبالتالي يوجد أماكن للالتقاء سواء تلك الأماكن موجودة دائمًا أم لا".

على سبيل المثال، زاد عدد الأنشطة السياسية والثقافية المتعلقة بالشرق الأوسط منذ 2015 في المجتمع المدني الألماني. ولكن مع ذلك، يرى البعض مثل سلمى، أن برلين ليست ساحة سياسية مناسبة للعرب ليعبّروا عن ميولهم السياسية فيها. ترى سلمى أن جزءًا كبيرًا من السبب وراء هذه الظاهرة يقع في التهميش وعدم إعطاء الفرصة للمشاركة السياسية للكثير من فئات المجتمعات العربية في برلين، سواء فئات منقسمة طبقيًا أم جنسيًا أم جنسانيًا، إلخ.

عدم توفّر ساحات سياسية مناسبة للتعبير عن الرأي قد يكون السبب الأساسي وراء عدم وجود مجتمع عربي متناسق أيضًا بالرغم من وجود نخبة عربية تتجسّد بوجود مفكّريين وفنانين/ات وكتّاب/كاتبات وغيرهم/ن لديهم/ن القدرة على التعبير السياسي.

الصعوبات في خلق فضاءات سياسية في برلين تقع أيضًا ضمن أسباب مادّية في رأي سلمى. وتتابع: "الكثير من الناس ليس لديهم المال والطاقة النفسية التي تسمح بالتنظيم وبخلق إطار عربي في الشتات الذي نتحدث عنه. أعتقد أيضًا أن الكل يحارب صعوباته مع نفسه".

ترك عدد كبير من العرب بلادهم بعد الثورات هربًا من الحروب والقتل والخطف والقمع والكبت السياسي والاجتماعي، ولجأوا إلى بلاد الغرب. وقد لجأت نسبة كبيرة من الشباب العربي إلى العاصمة الألمانية، برلين.
عدم توفّر ساحات سياسية مناسبة في برلين للتعبير عن الرأي قد يكون السبب الأساسي وراء عدم وجود مجتمع عربي متناسق أيضًا بالرغم من وجود نخبة عربية تتجسّد بوجود مفكّريين وفنانين/ات وكتّاب/كاتبات وغيرهم/ن لديهم/ن القدرة على التعبير السياسي.
ما يخفف هذه التجربة الثقيلة هو الالتقاء بعرب آخرين في المدينة، وفي لحظات عشوائية للغاية، نشعر بأننا نمرّ بتجارب متشابهة، ومن الأرجح أننا قد لا نلتقي مرةً أخرى. تلك اللحظات السريعة تسهّل الطريق وإن كانت قليلة ومؤقتة.

كتبَ المفكر والكاتب المصري عمرو علي في مقالته "عن احتياج تشكيل الجسد العربيّ المنفيّ في برلين” عن التجربة العمرانية للعرب المغتربين في العاصمة الألمانية. "إحساس النفي في برلين مخترق بطيف مشاعر متنوع"، يكتب عمرو، ويتابع: "يتراجح بين الذنب الذي نحمله كناجين الظلم ونزهة في حديقة تييرجارتن عندما نسمع صوتًا ويقول "إذا ولو كانت لدينا في القاهرة تلك الفسحات العذراءُ نتزّه ونتنفّس فيها". وللأسف عمرو علي صائب في ما قاله.

تلك الأفكار عن صعوبات تذكّر الثورات العربية والتفكير بها وأبعادها في الغربة ليست فريدة من نوعها لأن من الواضح أنه يوجد الكثير ممن يشعر بالوحدة والذنب والغضب بالإضافة إلى صعوبات أخرى في الشتات.

بالنهاية كعربي منفيّ جديد يمرّ بصعوباته الشخصية، قد أتساءل عن وجود حل لتلك المشاعر والأفكار ولكن لم أجده بعد. ما يخفف هذه التجربة الثقيلة هو الالتقاء بعرب آخرين في الحفلات الموسيقية وفي الحدائق وفي لحظات عشوائية للغاية، نشعر بأننا نمرّ بتجارب متشابهة، ومن الأرجح أننا قد لا نلتقي مرةً أخرى في المدينة الكبيرة. تلك اللحظات السريعة تسهّل الطريق وإن كانت قليلة ومؤقتة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard