نحن نرى السمين "شخصيّة" لا "شخصًا"

الجمعة 1 آذار 201911:34 ص

على مرّ الزمن، تمكّنا كمجتمع من إطلاق تعميماتٍ على الشخص السمين وبنسبةِ نجاحٍ عالية. من منّا لا يعرف شخصاً سميناً مضحكاً يملأ الغرفة بالدعابة والحياة حين دخوله الغرفة؟ عشنا حياتنا ونحن نرى السمين "شخصيّة" وليسَ "شخصاً" وننطلق من النظرة الأولى إلى تعميمات أكبر تقنعنا بأنّ السمنة لا بدَّ أن ترتبط بذكاءٍ أقلّ، وحياةٍ عاطفيّة مزرية وكسلٍ دائم.

السمنة حالة غير صحيّة

من الناحية الطبيّة، هناك الكثير من الأسباب الجيّدة للمحافظة على وزنٍ صحيٍّ وخسارة الوزن أحياناً، إذ تشكّل السمنة عامل خطورة للإصابة أو تنبّئ بتطوّر سيء لعديد من الأمراض كالسكري من النمط الثاني وأمراض القلب الوعائيّة وإصابات المفاصل والالتهابات المتكرّرة. أمّا من الناحية الاجتماعية فنحن غير حذرين إطلاقاً باستعمالناً للوزن كدليل على الصحة، فنحن نفترض تلقائيّاً أنّ الشخص النحيل يتناول كميّة قليلة من السكريّات والدهون والكوليسترول، وبالتالي يحمل معطيات تدلّ على حالة صحيّة جيّدة، لا نطلق الأحكام عندما يقوم بطلب الفطائر والمناقيش فور وصوله للمكتب، على عكس كلّ ما يمكن افتراضه حيال نفس السلوك إن فعله شخص سمين.

تعريفنا للسمنة بحدّ ذاته غير متوافق معها كعامل خطورة طبّي، فنحن نفترض أنّ فتاةً بطول 165سم ووزن 65 كغ سمينة ولا بدّ أنّ خسارة بعض الوزن سيبشّر بصحة أفضل على الرغم من أنّ وزنها يعتبر ضمن الحدّ الطبيعي وأنّ معلومات عن نسبة وتوزّع الدهون واللياقة البدنيّة ونوعيّة الغذاء قد تدلّنا إلى أنها بحالة صحيّة أفضل من زميلتها ذات الخمسين كيلوغراماً.

أخبار سيّئة، يمكن أن تكون نحيلاً بوزنٍ طبيعيّ، وأن يكون معظم هذا الوزن مصنوعاً من الدهون، وهو ما يسمّى بـ skinny fat.

السمين لا يمارس الرياضة

قلّة الحركة البدنيّة عامل خطورة على الصحّة بحدّ ذاتها بغضّ النظر عن السمنة أو النحافة، إلّا أنّ الدراسات أظهرت أنّ الرياضة غير مرتبطة بشكل أساسي بخسارة الوزن. فعلى الرغم من ارتباط الرياضة بخسارة الوزن ونسبة الدهون على المدى القصير، إلّا أنّ هذه الارتباطات غير موجودة على المدى الطويل. نبالغ في تقديرنا لما يمكننا حرقه بشكلٍ واعٍ، ونظنّ بالتالي أنّ الشخص السمين لا بدّ أنّه لا يمارس الرياضة، فلو مارسها، كيف يمكن لهذه الكيلوغرامات أن تبقى على جسده؟

علينا أن نكون حذرين في تفسير ما سبق فهو لا يرجّح بأي شكل أنّ الرياضة غير مفيدة، فخسارة الوزن هي لمَ يسوّقون الرياضة لنشتريها وليست السّبب الحقيقي والأهمّ لممارستها.. هل كنت ستمارس الرياضة إذا كانت الصالة الرياضيّة تضع إعلانات عن فائدة الرياضة في تشكيل مشابك عصبيّة جديدة في دماغك وزيادة تقلّب معدّل ضربات القلب؟ الرياضة هي أفضل خدمة يمكن أن نقدّمها لأنفسنا وآثارُها الإيجابيّة على التركيز والقلب والصحة النفسية تفوق أهميّةً خسارة الوزن.

لنتخلَّ عن فكرة أن الشخص السمين لا يمارس الرياضة، الكثير منهم مارسوا أكثر أنواعها قسوة حتّى شكلوا مع الرياضة علاقة سامّة محورها عدم جدوى هذا الروتين في خسارة الوزن، وارتباط درجة العذاب والألم الجسدي بخسارة الوزن. كما أنَّ نحافة شخصٍ ما لا تعطينا أي معلومات عن لياقته البدنيّة ودرجة نشاطه خلال الحياة اليومية.

زيادة الوزن هي ببساطة زيادة معدّل الوارد من الحريرات عن المعدّل الذي نستقلبه، ونحن نملك تحكّماً قليلاً جدّاً على مقدار ما يمكن أن نحرقه من حريرات. لن نتحوّل إلى آلة حرق حريرات كلّ ذلك البرغر والـ Big Mac بممارسة الرياضة.

السمينون أصبحوا كذلك نتيجة ذنبٍ منهم

شكراً على هذه المعلومة، عزيزي قاضي الحياة الشخصيّة. هذا صحيح، لا أحد يصبح سميناً بطعنةٍ بالظهر، ولا بدّ أنّ اكتساب الوزن عمليّة تدريجيّة بإمكان الشخص ملاحظتها وهي تتطوّر، ولكن ذكّرني لمَ يعتبر ذلك ذنباً؟ حتّى مع وضع أمراض الغدد والاستقلاب جانباً من قائمة المذنبين، لا يمنعنا ذلك من افتراض  المرضى أقليّةً بين السمينين، أمّا الباقي وصلوا إلى ما هم عليه نتيجة ذنبٍ منهم. البدين بنظرنا شخصٌ كسول أو ضعيف أمام رغباته، ولا نستطيع تخيّل أنّ السمنة قد تُعزى لأسباب أخرى كالجينات، أو اضطرابات الغذاء أو الاكتئاب والتوتر أو ببساطة أسلوب حياة مرضيٍ لصاحبه. لا أحاول ربط الرضا بالصحّة ولا ترويج السمنة كنمط حياة سعيد، لكن علينا التوقّف عن ربطها بأسلوب حياة تعيس مملوء بالذنب، نحن من نجعلها كذلك. المبالغة في تناول الطعام سلوك صحي غير مثالي، ولكن كذلك السجائر والنرجيلة وقلة النوم والتوتر وإهمال نقص المعادن والفيتامينات، ولا ترانا نربطها بالذنب والعار كما نفعل مع زيادة الوزن. ننسى أيضاً أنّ بدانة الأطفال وباءٌ حلَّ بعصرنا، ونجرؤ على إلقاء الذنب على طفلٍ يكبر بديناً، متناسين دورنا كبالغين في استهداف الأطفال في الدعايات التجارية وتشكيل علاقة موصومة بالعار والذنب مع جسدهم وطعامهم واستحقاقهم للحب والصداقة.

كما أنَّ السمنة ليست بالضرورة ذنباً يعيش معه السمينون، فإنّ نحافتك ليست بالضرورة فضلاً تُشكَرُ أنتَ عليه.

عشنا حياتنا ونحن نرى السمين "شخصيّة" وليسَ "شخصاً" وننطلق من النظرة الأولى إلى تعميمات أكبر تقنعنا بأنّ السمنة لا بدَّ أن ترتبط بذكاءٍ أقلّ، وحياةٍ عاطفيّة مزرية وكسلٍ دائم.
المبالغة في تناول الطعام سلوك صحي غير مثالي، ولكن كذلك السجائر والنرجيلة وقلة النوم والتوتر وإهمال نقص المعادن والفيتامينات، ولا ترانا نربطها بالذنب والعار كما نفعل مع زيادة الوزن.
حن نظنّ أنّ مشكلة المرأة التي لم تجد شريكاً حتى الآن تكمن في فشلها في خسارة الوزن، ولا نعير اهتماماً لنظرتها السيئة لجسدها وحقيقة وجود من يحبّها إذا أحبّت نفسها وتوقّفت عن ربط فشلها العاطفي بالوزن الزائد.

خسارة الوزن أمر جيّد علينا إطراؤه

كلّ مرّة يخسر أحدهم بعض الكيلوغرامات يصبح محور الجلسة: كيفَ فعلتها؟ ليس من النادر أن نسمع أجوبة مثل: قمت بعمل ريجيم كيميائي أتناول فيه التفاح فقط لأربعة أيام ثمّ الملفوف لأربعة أخرى وهكذا دواليك، أو توقّفت عن الأكل من خلال النوم، حتّى أنّ أحدهم أخبرني أنّه خسر الوزن باستبدال الطعام بالبيرة! لا بدّ أن نشعر بالإلهام لقدرة تحمّلهم، ولكن إن كنّا معنيّين بصحتهم كما ندّعي، فهل من الصحيح إطراء خسارة الوزن تحت أي ثمن؟

لو أنّنا نسأل من يخسر الوزن إن كان يشعر بصحّة جيّدة، لربّما كانت الإجابة، على عكس ما نعتقد، هي لا. تحت الضغط يحاول الكثيرون تحقيق رضانا وقبولنا السريعين بأساليبَ مؤذية وغير مستدامة. هل يمكن أن تفكّر كشخص نحيل أنّ طلّابك في الجامعة سينظرون إلى سنواتك الطويلة في الدراسة والبحث بمزيد من الاحترام لأنّك تبدو الآن ذكيّاً بعد اكتساب بعض الوزن؟

في ظلّ ثقافة تقدّس النحول كمعيار أساسي للصحة والجاذبيّة وتطلق أحكاماً مسيئة على الشخص السمين، فنحن نروّج لخسارة الوزن على حساب دفع أي ثمن.

نسدي خدمة للشخص السمين بتعليقاتنا ونروّج لنمط حياة صحّي

لم أسمع بمقولة أقل صحة من هذه عندما يتعلّق الأمر بالسمنة، حتّى أنّ الأطباء يستخدمون هذه العقليّة ظنّاً منهم أنّهم يسدون خدمة للصحّة العامة على الرغم أنّ العديد من الدراسات أظهرت تلقّي ذوي الوزن الزائد لخدمات صحّية أسوأ من أقرانهم النحيلين، وسجّلت دراسة أخرى مَيلَ الطلاب لإطلاق الدعابات على مرضاهم البدناء إمّا لأنّهم يستحقّون ذلك أو كمحاولة لتخفيف غرابة الموقف.
آه هذا يساعد في تحسين الصحة أليس كذلك؟

هل حقّاً ابتعاد أولادنا عن اللعب مع الطفل السمين، ونصائحنا المتكرّرة، بمناسبة وبدونها، لخزعبلات خسارة الوزن، هل يساعد ذلك كلّه على ترويج حياة صحيّة لأصحاب الوزن الزائد؟ ليس كلّ ذلك بذنبٍ مقصودٍ منّا فأنظمتنا الصحيّة لا تلقي الضوء على التوتر والاكتئاب على الصحّة وحتى على تخزين الدهون. نحن نظنّ أنّ مشكلة المرأة التي لم تجد شريكاً حتى الآن تكمن في فشلها في خسارة الوزن، ولا نعير اهتماماً لنظرتها السيئة لجسدها وحقيقة وجود من يحبّها إذا أحبّت نفسها وتوقّفت عن ربط فشلها العاطفي بالوزن الزائد. ما زلنا نلقي عبارات كـ"سمينة لكن لها وجه جميل، ستبدو جميلة حقّاً إن خسرت الوزن" مقولة نادراً جداً ما تعبّر عن الحقيقة. وصمة العار المرتبطة بالسمنة غالباً ما تطلق على المرأة، فلا نعيب بعض الكرش على الشاب بنفس الطريقة التي نعيب بها عرض أرداف المرأة، على الرغم من أنّ الدهون البطنيّة تشكّل خطراً صحيّاً حقيقياً على أمراض القلب الوعائية على عكس الأرداف.

حان الوقت لفتح عيوننا على موضوع السمنة بشكلٍ صادق، والتفريق بين "السمنة" وبين "الشخص السمين" فهو كشخص ليسَ المشكلة التي تجتاح المجتمع لنكافحه بكلّ الأساليب التي لا تساهم إلّا باضطهاده وتحويل حياته إلى حجيم وقوده الوزن الزائد ليحرق لهيبه قيمة الإنسان واحترامه لنفسه وصحّته، ويفرّغ الشخص من كلّ إنجازاته إن لم يخسر تلك الكيلوغرامات. وكطالبة طبّ أشعر بخيبة الأمل من المجتمع الذي يسوّغ لمقدّم الخدمات الصحيّة أن يرمي افتراضاته المسبقة على مرضاه بدلاً من تقديم يد العون لكلٍّ محتاج.

الرعاية الصحيّة حق الجميع، من كلّ المقاسات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard