لغة دون حروف: "السانّا" أو اللغة العربية القبرصية.. ماذا نعرف عنها؟

السبت 9 مارس 201905:02 م
في قرية صغيرة تقع إلى الشمال من جزيرة قبرص، يبذل العشرات من السكان جهوداً كبيرة لإحياء واحدة من اللغات المحلية الآخذة بالزوال، وهي اللغة العربية القبرصية، والتي تعرف محلياً باسم "السانّا Sanna". اللغة هي مزيج فريد من العربية والآرامية، وتعتبر في أحد التصنيفات بأنها واحدة من أكثر اللهجات العربية تمايزاً، وأيضاً واحدة من اللغات المتطورة عن الآرامية، والتي تأثرت بكلمات مأخوذة من العربية والسريانية واليونانية والتركية، وأيضاً بقواعد من اللغة اليونانية مختلفة عن تلك الخاصة بالعربية؛ أي أنها، مثل اللغة المالطية، هجين من لهجات مختلفة وغير مفهومة على الأغلب من قبل الناطقين بالعربية. والنتيجة بكل الأحوال لغة مميزة لم يعد يتقن الحديث بها اليوم سوى حوالي 800 شخص من سكان قرية "كورماكيتس" الواقعة في الجزء التركي الشمالي من الجزيرة التي تسود فيها اللغتان اليونانية والتركية بشكل رئيسي، ويسعى من لا زال قادراً منهم إلى الحفاظ عليها وتعليمها لأجيال جديدة رغم صعوبة الأمر.

لغة قادمة من بلاد الشام

ضمن تقرير مصور نشره موقع بي بي سي الخاص بالسفر الأسبوع الفائت، نرى ونسمع أشخاصاً يتحدثون بهذه اللغة، وقد نتمكن من تمييز بعض الكلمات الشبيهة جداً بالعربية مثل "تربيت" و"كبرت" و"أموت" و"القمر". ولا مفاجأة في ذلك عندما نعلم بأن أصول السكان الذين يتقنون لغة السانّا تعود إلى موارنة لبنان وسوريا وفلسطين الذين هاجر الآلاف منهم إلى قبرص حاملين معه عادات وتقاليداً ولغة يتحدثون بها، وعاشوا في مجموعة من المدن والقرى وصل عددها إلى حوالي 60 تجمع سكاني في القرن الثالث عشر. بمرور السنوات تأثرت تلك العادات وكذلك اللغة باختلاطها بالمجتمع الجديد المتنوع في قبرص، لكنها أيضاً لم تكن بمنأى عن الاضطرابات التي ألمّت بقبرص سواء خلال فترة الحكم العثماني أو بسبب النزاع التركي اليوناني على الجزيرة القرن الفائت. نتيجة لذلك، تناقصت أعداد الموارنة في الجزيرة خاصة في الجزء التركي، ونزح الآلاف منهم وفي مقدمتهم الفئة الشابة نحو الجزء اليوناني أو خارج قبرص، ولم يبقَ منهم في الجزء التركي –حيث كانت تسود لغة السانّا- سوى بضع مئات ومعظمهم من كبار السن والعجائز، ويقطنون بشكل أساسي في أربع قرى وأكبرها قرية كورماكيتس التي كانت في يوم من الأيام عاصمة الموارنة في الجزيرة. وبشكل عام يشكّل الموارنة اليوم –وعددهم بالمجمل بضعة آلاف- ما لا يزيد عن واحد بالمئة من سكّان قبرص، وفقد العديد منهم مع الزمن وبفعل النزوح لغتهم الأساسية وباتوا يتحدثون باليونانية على الأغلب بعد أن تحولت للغتهم الأم، مع الاعتراف بالسانّا على أنها لغة أقلية في الجزيرة عام 2008. شكّل ذلك تحدياً للمهتمين بلغة السانّا، فكيف يمكن الحفاظ على اللغة دون وجود تجمع مركزي للناطقين بها؟ وكيف يمكن نقلها لأجيال جديدة وهم مبعثرون في بقاع جغرافية مختلفة؟ من الحلول التي اتبعها بعض المدرّسين إقامة مخيمات صيفية للأجيال الشابة من الموارنة القاطنين في قبرص لتشجيعهم على تعلم لغة آبائهم وإتقانها.

لغة دون حروف

من مميزات لغة السانّا أيضاً أنها غير مكتوبة، وانتقلت عبر الأجيال بشكل شفوي فقط. ولعل ذلك من العوامل التي أدت لتناقص عدد المتحدثين بها، وأصغرهم عمراً اليوم يبلغ حوالي 50 سنة، حيث توقف السكان عن تعليمها لأبنائهم سواء في المدارس أو المنازل، ولا يوجد أي قصائد او أغانٍ بهذه اللغة التي بدأت كلماتها تتناقص لتبلغ اليوم حوالي 3000 كلمة فقط. دفع ذلك ببعض علماء اللغات واللسانيات للعمل على ابتكار طريقة لتدوين اللغة بشكل مكتوب وبحروف لاتينية منتصف العقد الفائت، وكان هذا من الإجراءات التي أعطت دفعاُ كبيراً لها، حيث شرع عدد من المهتمين بوضع قواميس للغة السانّا، وترجمة كتب وأغان وقصائد من لغات أخرى، وأيضاً بتعليمها للأطفال وحتى الكبار الذين يقبل العديد منهم على تعلمها ضمن صفوف مخصصة لذلك.
تأثرت بكلمات مأخوذة من العربية والسريانية واليونانية والتركية: اللغة العربية القبرصية، والتي تعرف محلياً باسم "السانّا Sanna"
لا يوجد أي قصائد او أغانٍ باللغة العربية القبرصية، ومع غياب الثقافة المكتوبة والإنتاج المعرفي بكافة أشكاله بدأت كلماتها تتناقص لتبلغ اليوم حوالي 3000 كلمة فقط.

عن اللغات الآخذة بالزوال

هل يمكن للّغات أن تموت كما البشر؟ الجواب بكل بساطة: نعم، عندما تفقد كل من يتقنون الحديث بها، أي ناطقيها الأصليين، دون وجود جيل جديد قادر أو راغب بتعلّمها. وتمرّ اللغة هنا بعدة مراحل، فهي لغة "حية أو منطوقة" لوجود ناطقين بها، ويبلغ عدد اللغات الحية اليوم حوالي 6000-7000 لغة؛ ولغة "ميتة" عند تناقص أعداد المتحدثين بها بشكل كبير وعدم وجود أشخاص جدد ناطقين بها والتوقف عن استخدامها كلغة أولى إما لأسباب طبيعية أو قسرية كإجبار مجموعة من الأشخاص على التوقف عن استخدام لغتهم الأم؛ ولغة "بائدة" عند انتفاء وجود من يتحدث بها بشكل تام. تشير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" إلى وجود حوالي ألفين وأربعمئة لغة مهددة بالانقراض، وتّصنًف هذه اللغات وفق خمسة مستويات حسب درجة التهديد: "غير محصنة" حيث يتحدث بها معظم الأطفال لكن ضمن مجالات معينة وعلى الأغلب داخل المنزل، "مهدّدة بالانقراض بالتأكيد" وهي التي لا يتعلمها الأطفال كلغة أساسية في المنزل، "مهدّدة بالانقراض بشدة" حيث يتحدث بها جيل الأجداد ويفهمهما جيل الآباء لكن لا يتحدثون بها بين بعضهم أو مع جيل الأبناء، "معرّضة للخطر بشكل كبير" حيث يكون أصغر جيل متحدث باللغة هو جيل الأجداد الذين يتداولونها بشكل جزئي وغير دائم، "منقرضة" وهي اللغة التي اختفى آخر المتحدثين بها بشكل تام. ووفق أطلس اليونسكو لهذه اللغات، تعتبر السانّا لغة "مهددة بالانقراض بشدّة" أي تندرج ضمن الفئة الثالثة. 

فقدان اللغات هو كارثة حضارية وإنسانية، فاختفاء اللغات يؤدي إلى اختفاء العديد من أشكال التراث الثقافي غير المادي، لاسيما ذلك التراث الثمين القائم على التقاليد وعلى أشكال التعبير الشفهي من قصائد وأساطير وأمثال ونكات لدى المجتمعات التي تتداولها

وتعاني هذه اللغة، إلى جانب الآلاف من اللغات المحلية الأخرى، من خطر الانقراض بشكل نهائي في العقود المقبلة، حيث يتوقع علماء اللغات موت حوالي 50 بالمئة من اللغات الحية اليوم بحلول القرن القادم، الأمر الذي تصفه منظمة اليونسكو بأنه "كارثة حضارية وإنسانية حيث يؤدي اختفاء اللغات إلى اختفاء العديد من أشكال التراث الثقافي غير المادي، لاسيما ذلك التراث الثمين القائم على التقاليد وعلى أشكال التعبير الشفهي من قصائد وأساطير وأمثال ونكات لدى المجتمعات التي تتداولها. كما أن فقدان اللغات يجري على حساب العلاقة التي يقيمها الإنسان مع التنوع البيولوجي حوله لأن اللغات تنقل في الحقيقة الكثير من المعارف عن الطبيعة والكون." تشير أرقام اليونسكو في هذا الصدد إلى اختفاء حوالي 200 لغة محلية على مدى الأجيال الثلاثة الأخيرة، في حين تعتبر 573 لغة أخرى من اللغات المحتضرة، و502 لغة من اللغات المعرضة للخطر الشديد، و632 لغة من اللغات المعرضة للخطر، و607 لغات من اللغات الهشة.

لماذا يعتبر الحفاظ على هذه اللغات مهماً؟

"عندما تموت لغة، تموت ثقافة بأكملها أيضاً". هذا ما يقوله أحد معلمي لغة السانّا في قبرص ضمن تقرير بي بي سي المذكور، حيث يظهر وهو يدرّس اللغة بكل شغف لمجموعة من الأطفال، ويؤكد بأن تعلّم هذه اللغة ليس صعباً لمن يرغب بذلك، كما يشير إلى عدم رغبته بأن يكون "آخر من يتحدث السانّا في العالم." إلى جانبه يظهر رجل من متحدثي السانّا في قبرص ويقول معبّراً عن حبه للغته واهتمامه بإحيائها: "كثيراً ما يسألني أشخاص عن سبب اهتمامي بإحياء لغة السانّا، واعتقد بأن الجواب واضح للغاية. هذه اللغة هي ماضينا وتاريخنا ومن دونها لا يمكننا التطلع إلى المستقبل." وبالنظر إلى أن اللغات هي من أهم الأدوات للحفاظ على التراث المادي وغير المادي بالغ التنوع في عالمنا، وعلى اعتبار أنها تشكّل أساس وجود المجتمعات والوسيلة التي تتيح نشر الثقافات والمعارف، حددت الأمم المتحدة واعتباراً من العام 2000 يوم 21 شباط/فبراير من كل عام يوماً دولياً للغة الأم وذلك للتذكير بأهمية الحفاظ على اللغات المحلية وخاصة تلك الآخذة بالانقراض. ويصادف هذا اليوم ذكرى نضال سكان بنغلاديش عام 1952 من أجل الاعتراف باللغة البنغالية كلغة رسمية في الجزء الذي كان خاضعاً لسيطرة الحكومة الباكستانية، حيث نظمت حركة سياسية كانت تعرف باسم "حركة اللغة البنغالية" مسيرات احتجاج للمطالبة بالاعتراف باللغة والتداول بها بشكل رسمي، وتحققت مطالبها عام 1956 بعد أربع سنوات من النضال المستمر، وتحوّل هذا اليوم أيضاً لعطلة وطنية رسمية في البلاد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard