عبيد الميليشيات... قصة الصحافي "ألفا كابا" الذي تم بيعه في سوق الرقيق في ليبيا

الأربعاء 6 مارس 201905:11 م
قرر الغيني "ألفا كابا" ممارسة العمل الصحفي بهدف تسليط الضوء على معاناة الناس ومناصرة قضاياهم الإنسانية، إلا أن الشاب الثلاثيني لم يكن يدرك يوماً أنه سيضطر إلى تدوين قصته الخاصة والكشف عن تجربته المريرة والمآسي التي عاناها في ليبيا، ليتحول إلى مصدر إلهامٍ للمعتقلين، ولكي لا يشيح المجتمع بنظره عمّا يحصل للمهاجرين المظلومين. فبعد أن عبر بصعوبةٍ 5 بلدان، قرر "كابا" أن يحط رحاله مؤقتاً في ليبيا بهدف إعادة بناء نفسه، على اعتبار أن المنطقة ستكون آمنة نسبياً وتوفر له العمل اللائق، غير أن هذا "المنفى المؤقت" سرعان ما تحول إلى "جحيمٍ" وكابوسٍ حقيقي، كاد يودي بحياة الصحافي الغيني بعد أن تم اعتقاله وبيعه بسعرٍ زهيدٍ في "سوق الرقيق". من خلال كتابه Esclave des milices، الذي صدر باللغة الفرنسية خلال هذا الشهر الجاري، يروي "ألفا كابا" حياة العبودية التي عاشها في ليبيا طوال عامين، قبل أن يبتسم له القدر ويتمكن  أخيراً من عبور البحر الأبيض المتوسط والوصول إلى فرنسا حيث يعيش حالياً بصفة "لاجئٍ سياسي".

بداية الكابوس

أن تكون صحافياً في غينيا هو قرارٌ محفوفٌ بالمخاطر، فقد بدأ الكابوس في العام 2013، عندما اعتبرت الحكومة الغينية أن المحطة الإذاعية التي يعمل بها "ألفا كابا"، أصبحت قناة إعلامية تنتقد نظام حكم الرئيس ألفا كوندي وتحرض الناس على التمرّد، من خلال بث برنامجٍ سياسي يتحدث من خلاله المواطنون عن مشاكلهم اليومية.
لم يكن لديّ أي خيارٍ آخر، لقد كنت وحيداً وبعيداً عن وطني. ولكنني أدخلت نفسي في فم الذئب
غير أن حالة التمرد هذه لم تعجب السلطات المحلية، فقام أفرادٌ من الجيش بتدمير مقر الإذاعة المحلية، وبعد اتهامه بأنه مسؤول عن المشاكل السياسية، تم تهديد "كابا" بالموت، الأمر الذي أجبره على الهروب إلى خارج البلاد من أجل العثور على مكانٍ آمنٍ لإعادة بناء حياته الشخصية والمهنية. من هنا قرر الشاب الغيني الفرار إلى منزل صديقه الذي يقطن شمال البلاد، والتوجه لاحقاً نحو دولة "غينيا بيساو" المجاورة، حيث تقطن شقيقته، لكن الأمور ازدادت تعقيداً، فارتأى "ألفا" في نهاية المطاف الذهاب إلى الجزائر بناء على نصيحةٍ تلقاها من صحفي جزائري. بالفعل، أمضى "كابا" شهراً في الجزائر، حيث صادق مجموعةٍ من الشباب الأفارقة الذين كانوا وراء اتخاذ قرار الرحيل إلى ليبيا، وعن هذه النقطة قال "ألفا":"لم يكن لديّ أي خيارٍ آخر، لقد كنت وحيداً وبعيداً عن وطني. ولكنني أدخلت نفسي في فم الذئب".

الوحشية في ليبيا

وصل "كابا" إلى مدينة بني وليد الليبية، مع صديقين له: عبد الله من غامبيا، ونداي من السنغال، وسرعان ما اكتشف الثلاثة المصير المحتّم والمفروض على أصحاب البشرة السوداء وكيفية تعامل الميليشيات معهم كحيوانات وسلعةٍ: "بالنسبة لبعض الليبيين، نحن نُعتبر سلعة نادرة. من المستحيل رؤية رجل أسود يسير في الشارع، لأنه سيُقبض عليه فوراً، ليتم بيعه عبداً".
وجد نفسه وسط نظامٍ قائمٍ على الإتجار بالبشر، وهو نظام يحول الحجيم إلى "روتين" والعنف" إلى قاعدة والعنصرية إلى شعار
وهكذا وجد "ألفا كابا" نفسه وسط نظامٍ قائمٍ على الإتجار بالبشر واستغلالهم إلى أقصى حدّ، وهو نظام يحول الحجيم إلى "روتين" والعنف" إلى قاعدة والعنصرية إلى شعار، على حدّ قول صحيفة "لو موند" الفرنسية. من هنا يروي "ألفا" قصته مع العبودية في ليبيا ووقوعه في أيدي الميليشات التي تسيطر على البلاد، وكيف قام "أسياده"، على حدّ تعبيره، بفصله عن أصدقائه واجباره على العمل في بساتين التمر أو في مواقع البناء. واللافت أن حياة الجحيم في ليبيا استمرت طوال عامين وفكرة بيعه بـ350 ديناراً بقيت تلاحقه طوال هذه الفترة، بحيث كان "ألفا" يعمل من أجل البقاء على قيد الحياة وبهدف تناول وجبةٍ خلال اليوم، أما في حال قصّر في عمله، فإنه كان يتلقى ضرباتٍ على رأسه أو حتى اطلاق رصاص باتجاه أقدامه، وهي العقوبات وآثار العذابات التي لا يزال هذا الشاب يحملها على جسده. وفي كتابه يأتي الكاتب على ذكر بعض التفاصيل الحزينة التي يتذكرها خلال فترة الاعتقال، كقصة معتقلٍ آخر يدعى "إسماعيل" وهو شاب مالي، في العشرين من عمره، اخترقت إحدى الرصاصات الطائشة حنجرته، (بعدما أقدم الحراس على اطلاق النار بشكلٍ عشوائي على المعتقلين الذين يطالبون بالطعام)، فتوفي "إسماعيل" على الفور وكان يتعيّن على المعتقلين الاهتمام بالجثة، فتكفل "ألفا" شخصياً بدفنه. وفي هذا الصدد، يخبر الصحافي الغيني أن المرحلة النهائية من العنف كانت تكمن في"غرس" بذور الكراهية، إلا أن التحدي كان يكمن في عدم الوقوع في فخ "الوحشية" والشعور بالكراهية تجاه الآخرين. وعن هذه التجربة المريرة التي قضاها على الأراضي الليبية كعبد، خاصة أن الجلادين كانوا يتصرفون مع المعتقلين كما لو كانوا مجرد سلعةً، يقول "كابا": "عندما أفكر في كل هذا، أقول في نفسي إنهم رجال بلا قلب. لا أملك حقداً شخصياً تجاه شخصٍ معيّنٍ، ولكني أقول إنهم بلا قلب، ولا يستحقون العيش في عصرنا الحالي".
يروي كابا حياة العبودية التي عاشها في ليبيا طوال عامين، قبل أن يبتسم له القدر ويتمكن من عبور البحر الأبيض المتوسط والوصول إلى فرنسا حيث يعيش بصفة "لاجئٍ سياسي".
ويتابع: "كنت أرغب في التمرّد، ولكنني لم أتمكن من القيام بذلك... أعتقد أنهم لا يدركون ماذا يفعلون، وإن كانوا على علمٍ بما كانوا يقومون به، فإنهم ليسوا ببشر، لأن الرغبة في استغلال إنسان مثلك لديه دم يسري في عروقه، ويختلف فقط عنك في لون البشرة، هو أمرٌ سيىء"، مشدداً على أن "ما يحصل في ليبيا هو جريمة بحق الإنسانية".

فسحة أمل

في بني وليد تم بيع "ألفا كابا" إلى "زعيمٍ" جديدٍ يعيش في مدينة صبراتة، والذي وعده بمساعدته على عبور البحر المتوسط في حال عمل بشكلٍ جيّدٍ، وهكذا في يوم من الأيام سُمح لـ"كابا" بالذهاب إلى البحر، برفقة فريقٍ منظمٍ ومدعوم مادياً، غير أن رحلة الإبحار لم تكن سهلة على الإطلاق. يكشف "ألفا" عن مغامراته البحرية والطريقة التي نجا منها بأعجوبة من الغرق قبل الوصول إلى السواحل الإيطالية: "يوم 2 أكتوبر 2016، كان هناك حوالي 150 شخصاً على القارب، بما في ذلك نساء حوامل وأطفال. لم يكن هناك نظام تحديد المواقع GPS والاتجاه الوحيد الذي طُلب منا متابعته للوصول إلى أوروبا هو اتّباع نجم الشمال. إلا أن الظلام في تلك الليلة كان حالكاً، والذعر انتاب المسافرين. وبدأ القارب يبحر في الماء".
إنهم ليسوا ببشر، لأن الرغبة في استغلال إنسان مثلك لديه دم يسري في عروقه، ويختلف فقط عنك في لون البشرة، هو أمرٌ سيىء
وبحسرةٍ يتذكر "كابا" تلك اللحظات الصعبة التي قضاها خلال هذه الرحلة:"لم أعد أفكر في أيّ شيء. وقد جفّ فمي بسبب الخوف"، واصفاً الذعر الذي أحاط بالمسافرين: "لقد صلّينا وهتفنا "الله وأكبر"، المسيحيون والمسلمون وحتى الملحدون كانوا يرددون جميعاً: الله أكبر". وتابع: "لقد كنا تائهين في وسط البحر، كما تعرض القارب لتسرّب المياه طوال ساعةٍ كاملةٍ، وحينها فقدنا الأمل... حتى لعدوي لا أتمنى أن يعيش ما اختبرته". وفي نهاية المطاف، تمكنت الباخرة "أكواريوس" من انقاذ المهاجرين من الغرق في المتوسط، ونقلهم إلى السواحل الإيطالية، حيث أمضى "ألفا كابا" أسبوعاً في مخيمٍ للاجئين في مدينة "بيروز" يأخذ دروساً لتعلّم اللغة المحلية. لكن "ألفا" لم يكن لديه متّسع من الوقت لتعلم اللغة، فهو يجيد اللغة الفرنسية ويود الوصول إلى الجانب الآخر من جبال الألب، فعبر مدينة تورينو ووصل إلى غرونوبل الفرنسية، لملاقاة صديقٍ له في مدينة "بوردو" الفرنسية، فشرح له هذا الأخير كيفية تقديم طلب اللجوء، وقد حظي "كابا" بفرصة تدريب تعليمي في معهد الصحافة لبوردو، وهو واحدٌ من أعظم معاهد الصحافة في فرنسا. وبعدما تأثر المعهد بقصة هذا الصحافي الغيني، قرر تدريبه كمراسلٍ صحافي ومساعدته في الإجراءات الإدارية. وهكذا عاد "ألفا"، الذي عاش حياة الحجيم في ليبيا، إلى وظيفته التي أحبها، وبعد أن تعرّف على العديد من الأشخاص، من بينهم  الصحافي المستقلّ "كليمان لوري"، قرر أن يحول شهادته وتجربته الخاصة إلى كتابٍ. واليوم، يعيش "كابا" في استديو صغير في "بوردو"، وبالرغم من أنه يصف نفسه بالـ"طائر الذي يدور حول نفسه، ويقف على غصنٍ حين يجده"، إلا أنه لا يزال يتذكر إفريقيا، خاصة أفراد عائلته الذين بقي عظمهم في البلاد، ويتمنى أن يتمكن قريباً من أن يعانق ابنته التي تعيش عند شقيقته ولم يرَها منذ العام 2013. وبفضل مبيعات كتابه Esclave des milices يأمل "ألفا كابا" بإنشاء جمعيةٍ لمساعدة المهاجرين الذين لا يزالون عالقين في ليبيا، كما أن الحسّ الصحافي لا يزال يدغدغ حواسه، إذ يأمل "كابا" أن يتمكن في يومٍ من الأيام من إنشاء قناةٍ تلفزيونيةٍ خاصة به أو محطة اذاعية من أجل أن تبقى مهنة الصحافة موجودة في غينيا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard