واقع متردٍ ومجتمع ظالم ومنافسة شرسة.. أجواء منافسة صحفيات مصر في "انتخابات النقابة"

الأربعاء 27 شباط 201903:10 م
طوال 78 عامًا، منذ تأسيس نقابة الصحفيين في 1941، لم تشهد مناصبها القيادية سوى مرور 9 سيدات فقط، والمثل بالنسبة للمؤسسات الصحفية المصرية، فليس مألوفًا أن تُرى سيدة على رأس أي جريدة أو مجلة، أو حتى إصدار الكتروني، سوى القليل، مثل نوال مدكور التي انتزعت عضوية مجلس النقابة في 1968. ومنذ أوائل السبعينات حتى 1999، لما يُقارب الخامسة والعشرين عامًا، اُنتُخِبت الصحفية والناشطة النسوية، أمينة شفيق عضوًا بمجلس النقابة، لتصبح هي الأطول مدة في تولي هذا المنصب على الإطلاق. ومنذ 1973 حتى 1981، اُنتِخبَت فاطمة سعيد وبهيرة مختار، لتلتحقا بأمينة شفيق، ليضم المجلس وقتها ثلاث سيدات لأول مرة. أما مؤخراً، فقد اُنتخبت الصحفية حنان فكري عضواً للمجلس في 2013، وهي مرشحة للانتخابات الجارية أيضاً. [caption id="attachment_186330" align="alignnone" width="1000"] درية شفيق[/caption] ولكن على مدار تاريخ النقابة، لم تكن عضوات مجلس النقابة فقط هن المؤثرات في تاريخها، فتاريخ النضال الصحفي يتوقف عند شخصيات عدة، درية شفيق وسعاد منسي، وهن من رائدات حركة الدفاع عن حقوق النساء وقضاياهن في التاريخ المصري، فقد نظّمت درية إضراباً عن الطعام، شاركتها فيه صحفيات أبرزهنّ منسي، احتجاجاً على تشكيل لجنة وضع الدستور في 1954، التي خلت من وجود امرأة. استمر الإضراب عشرة أيام، حتى أرسل لها أول رئيس للجمهورية، اللواء محمد نجيب ليؤكد لها حرص الدستور على منح المرأة حقوقها السياسية. ولم يكن اشتراك منسي في الاضراب هو دورها الوحيد في تاريخ الصحافة المصرية،  ولكنها كانت أول امرأة تؤسس وتدير وكالة أنباء وكرّمتها النقابة باعتبارها من رائدات المهنة. [caption id="attachment_186338" align="alignnone" width="700"] فاطمة اليوسف[/caption] كذلك الصحفية فاطمة اليوسف التى أسست مجلة "روزاليوسف" وكان أول صدور لها فى 25 مارس 1935، وتوقفت عن الصدور مُدة بسبب خلافات مع الوفد، ثمّ عادت للنور عام 2005 مرة آخرى.

الواقع الحالي للصُّحُفية: تهميش وتنميط مهني

بموازاة الإرث النضالي العنيد للصحفية المصرية، الذي لمع أحيانًا، وخفت أحيانًا أخرى، يصدمنا الواقع الحالي للصحافة المصرية، الذي بات مُهمّشًا بشكل واضح للمرأة، حتى أنّ المراقب له يلحظ تنميطًا واضحًا لدورها داخل المؤسسة الصحفية، فأصبحت رئاسة الأقسام الخاصة بالموضة، والأزياء، ووصفات المطبخ من نصيب النساء كأغلبية عظمى، مع ندرة توليها لرئاسة أقسام كالرياضة أو الحوادث أو الاقتصاد أو حتى السياسة. ومع ما تعيشه النقابة من أجواء انتخابية وتنافسية على مقاعد نقيب الصحفيين وأعضاء المجلس، والتي تُعقد في أول مارس المقبل، فبنظرة خاطفة نلحظ تجسيداً واضحاً لمعاني الإقصاء والتهميش بحق المرأة الصحفية، فبينما يترشح 10 رجال بينهم نقباء شباب، على منصب النقيب، تترشح امرأة واحدة للمنصب، وهي الصحفية بوكالة أنباء الشرق الأوسط "سمية العجوز". [caption id="attachment_186334" align="alignnone" width="700"] أميرة العادلي[/caption] أما على مقاعد مجلس النقابة، فيترشح 52 منافساً، بينهم 10 منافسات، وتقول أميرة العادلي، الصحفية بمؤسسة الأهرام، وإحدى المتنافسات على عضوية مجلس النقابة، شارحة واقع انتخابات النقابة لـ"رصيف 22"، أن المعركة صعبة علي أي شاب وليس فقط على المرأة في الإقناع بالبرنامج وقدرة الشخص علي تنفيذه، وأنا شخصياً أرى أنّ المرأة التي تعمل في مجال الصحافة الحافل بالصعوبات، عندها القدرة على عمل أي شيء، وبرنامجي الانتخابي من الأساس كان قائماً على مشاركة الزملاء سواء في الكتابة أو النقاش؛ وهذا لأنني كنت أريد تقديم برنامج ليس قائماً على الشعارات وانما على عدة محاور، منها توفير خدمات حقيقية تساعد الصحفيين على الحياة الكريمة، بالإضافة للحريات الصحفية ومساحات النشر والفصل التعسفي".

مرشحة نقابية: منافسة قوية وأوضاع متردية

[caption id="attachment_186332" align="alignnone" width="700"] إيمان عوف[/caption] المرشحة لعضوية مجلس نقابة الصحفيين، بانتخابات التجديد النصفي، إيمان عوف، قالت لـ"رصيف 22"، أن العملية الانتخابية في تلك الدورة، بها منافسة قوية، خاصة وأن المجلس الماضي، لم يكن يضم أي امرأة، والظروف التي تشهدها المهنة بشكل عام، من أوضاع متردية، تجعل الكل يرغب في العمل على تحسين تلك الظروف وعلاجها، متابعةً أنّ هناك صعوبات على المرشحات النساء أكبر من الرجال، خاصة وأنّ هناك توجهاً عاماً لانتخاب مرشحة واحدة، وكأنه تم عمل "كوتة" للنساء بدون نص قانوني، وهو ما ينتقص من حقي كامرأة في الترشح كصحفية.
تاريخ النضال الصحفي يتوقف عند شخصيات عدة، درية شفيق وسعاد منسي، وهن من رائدات حركة الدفاع عن حقوق النساء وقضاياهن في التاريخ المصري، فقد نظّمت درية إضراباً عن الطعام، شاركتها فيه صحفيات أبرزهنّ منسي، احتجاجاً على تشكيل لجنة وضع الدستور في 1954، التي خلت من وجود امرأة.
لو فتحت الحريات الصحفية أكثر وكانت حقيقة وليست حريات صورية، سينعكس ذلك بقوة، على وضع النساء في المهنة، فسيكون المعيار هو الكفاءة والمهنية.

سناء السعيد: المجتمع هو السبب

تواصل "رصيف 22" مع سناء السعيد، مقررة لجنة المشاركة السياسية بالمجلس، والتي أشارت إلى دور المجتمع بشكل عام في إقصاء الصحفيات من المناصب الرفيعة، حيث اعتبرت أن ما يجري من تنميط وإقصاء للنساء من المناصب القيادية بالمؤسسات الصحفية، ليس طبيعياً، فحصر القيادة على الرجال مشهوداً في كل المجالات تقريباً، وعلى مستوى مهن مختلفة، حتى وإن كانت الكفاءة واحدة بين رجل وامرأة زميلين في مكان واحد ومهنة واحدة، يأتي النوع كعنصر تمييز ضد النساء. وتوضح السعيد أن الوصول لمناصب كـ"المحافظة"، و"الوزيرة"، و"رئيسة مجلس إدارة"، شاهداً على كفاءة وقدرة النساء، والذي جاء نتيجة الحراك المجتمعي في السنوات الأخيرة، ولكن وصول النساء للمناصب القيادية ليس بالنسبة المطلوبة، ولكن التغيير في حد ذاته هو أمر محمود ومقدمات جيدة. وتضيف عضوة المجلس القومي للمرأة، أن خطوات التغيير بطيئة، ويرجع هذا لتعامل المجتمع نفسه مع المرأة بأنها مواطن درجة ثانية، وهو ما يخلق تبريرات منافية للواقع، منها أن النساء كسالى أو أنهن لا يصلحن للقيادة، أو أنهن غير طموحات، ولكن هذا التعميم ظالم جدا، خاصة وأن الواقع يشهد معافرة النساء في العمل وتحملهن مشاق كثيرة. واختتمت السعيد: "إن قيادة النساء للأقسام الخاصة بالمرأة، لا يمكن تصنيفه بالتنميط النوعي كذلك، خاصة أن تلك الأقسام تخاطب النساء، ولكن لا بد ان يكون الحديث عن إقصاء الصحفيات من إدارة الأقسام الأخرى، كالسياسية أو الرياضية أو الاقتصادية، وكذلك لا بد من إيمان النساء بقدراتهن المهنية، والعمل على تطوير مهارتهن والمعافرة من أجل حقوقهن، متوقعة أن تتغير الأوضاع للأفضل خلال السنوات المقبلة، خاصة وأن وعي المصريات بحقوقهن يتزايد. أما أستاذة الإعلام السياسي بجامعة القاهرة، إيمان جمعة، فقد فتحت النار على القائمين على المهنة واصفة إياهم، بأنهم ذكوريون ويسيطر عليهم الفكر المنغلق، حيث يتم توزيع المناصب فيصترونها على الرجال فقط. وتابعت لـ"رصيف 22"، أنه لو فتحت الحريات الصحفية أكثر وكانت حقيقة وليست حريات صورية، سينعكس ذلك بقوة، على وضع النساء في المهنة، فسيكون المعيار هو الكفاءة والمهنية، خاصة وأن الصحافة المصرية ومعها اللبنانية، أقدم المدارس الصحفية في الوطن العربي، فمن المؤسف ألا نجد نقيبة للصحفيين أو تمثيلاً نسائياً حقيقياً في مجلس النقابة، ولو وجدت امرأة يكون ذلك بشكل عرضي. على جانب آخر، رأى عضو مجلس نقابة الصحفيين، والمرشح أيضا للانتخابات الجارية، محمود كامل، أن الصحفيات المصريات متواجدات بكثافة في المشهد المهني، ولكنهن بالفعل يعانين من عدم التصعيد بالمؤسسات الصحفية، ولكن يأتي ذلك مرتبطاً بأمرين، أولاً الموروث الاجتماعي وكم الضغوط والمسؤوليات الأسرية، التي تقع على أكتاف النساء، مما يجعل من استمرارها في المهنة بنفس القدر من الجهد والعطاء، صعباً وجهداً شاقاً، أما الأمر الثاني، فهو بعض الموروثات الخاصة بالمجتمع الصحفي نفسه الذي يفضل اسناد المهام القيادية للرجال وليس النساء، وينهي كامل حديثه لـ"رصيف 22"، قائلا، يأتي ذلك في ظلم عام واقع على الصحفيين ككل، خاصة وأن المناخ العام يعادي الحريات والمساواة، ولكن لا بد من الالتفات أن الظلم يقع على الصحفيين من الذكور أيضاً، وأن أوضاع المهنة السيئة تطال الكل دون استثناء نوعي، وأقرب مثال الزملاء الذين ماتوا مثل "رضا غنيم أو ميادة أشرف أو حازم دياب"، وهم لا يعملون سوى في مهنة الصحافة، ولكنهم لم يلتحقوا بالنقابة كأبسط حقوقهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard