ينقسمون بين الأكراد والنظام... سريان سوريا، أو الأقلية المنسية في منطقة الإدارة الذاتية

الأربعاء 13 مارس 201907:51 م
مع تزايد الحديث عن "المنطقة الآمنة" التي ستفصل بين مناطق انتشار الأكراد السوريين وبين تركيا، ومع المعارك التي تخوضها قوات سوريا الديمقراطية ضد آخر جيوب داعش، يسلّط الإعلام العالمي الضوء على الأكراد السوريين ومستقبلهم... ولكن في هذه المعمعة، يتم تناسي أقلية صغيرة تعيش في شمال سوريا، وهي السريان. "نحن سكان سوريا الأصليون"، يقول مقدّم البرامج السرياني في تلفزيون روناهي، يعقوب لحدو، لرصيف22، مضيفاً أن أبناء "شعبه" أقدم قاطني سوريا، واسمهم مرتبط باسمها. يشير لحدو إلى أن أراضي السريان التاريخية تُسمّى "بيث نهرين"، أي بين نهري دجلة والفرات، لافتاً إلى أن السريان انتشروا قديماً من سوريا حتى حدود أرمينيا. وتقلّصت أعداد السريان ومناطق انتشارهم كثيراً في بدايات القرن العشرين، بسبب الاضطهاد العثماني فتركّزوا في شمال سوريا، وخاصةً في القامشلي والحسكة ورأس العين والمالكية وديريك والرميلان، وهناك بنسبة أقل في القلمون ومحيط دمشق وجبال زاغروس وطوروس، عدا الأعداد الكبيرة التي هاجرت واستقرت في أوروبا. "تاريخنا الحديث يبدأ بالسيفو". هكذا يصف الإعلامي في حزب الاتحاد السرياني، وهو حزب سياسي سرياني سوري، ميلاد كوركيس، المجازر التي ارتكبتها السلطنة العثمانية ضد السريان بين عامي 1914 و1915، وسُمّيت بـ"السيفو" لأنها ارتُكبت بحد السيف. حدث ذلك قبل "الإبادة الأرمنية"، ولكن إبادة السريان لا تحظى عالمياً بشهرة الأولى، رغم أن ضحاياها يُقدَّرون بما بين مئات الآلاف وبضعة ملايين. تعود أصول السريان إلى الآراميين ويتحدثون السريانية، ويتبعون التقليد المسيحي الشرقي ويصلون باللغة الآرامية. ويشكلون، بأرثوذكسهم وكاثوليكهم، نحو 15% من مسيحيي سوريا الذين يبلغ عددهم نحو مليون ومئتي ألف شخص. وتشير تقارير إلى أنه لم يتبقَّ منهم في سوريا إلا نحو ثلاثين ألفاً. ويشرح القس السرياني السوري في مدينة ديريك جوزيف موسى إيليا أن الكنيسة السريانية رسولية لأن مؤسسها هو القديس بطرس أحد حواريي السيد المسيح، وهي كنيسة أرثوذكسية، وكان مقرها الرئيسي أنطاكيا، ولكن بعد المذابح انتقل المقر إلى حمص ومنها إلى دمشق، وهناك قسم من الكنيسة السريانية في الهند منفصل إدارياً عن الكنيسة الأم . بعد استقلال سوريا، "شهد السريان فترة ذهبية سياسياً واقتصادياً"، وصل أثناءها سرياني إلى رئاسة الجمهورية، هو سعيد إسحق، وذلك لمدة 24 ساعة بين الثاني والثالث من ديسمبر 1951، إثر استقالة هاشم الأتاسي، يقول لرصيف22 جميل دياربكرلي، رئيس المرصد الآشوري، وهو مؤسسة مستقلة تعنى بحقوق المسيحيين في الشرق الأوسط وبالثقافة السريانية. ويشير دياربكرلي إلى أن التمييز ضد السريان بدأ مع الجمهورية العربية المتحدة (دولة الوحدة بين مصر وسوريا)، "بسبب السياسات البوليسية والاقتصادية الخاطئة"، واستمر ذلك مع البعثيين الذين "أمموا مدارس ومعامل السريان وأراضيهم الزراعية، وهاجموا القوميين السريان وحاولوا تعريبهم، وعملوا على طمس الثقافة السريانية و حصر تدريس اللغة بالكنيسة، ما تسبب بهجرتهم الكبيرة إلى أوروبا".

السريان والإدارة الذاتية

عام 2012، وبعد اندلاع الحرب الأهلية السورية، فرض حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري سيطرته على شمال سوريا وأعلن "إدارة ذاتية". وكان أبرز حلفائه السريان في مشروعه "حزب الاتحاد السرياني". "فكر الأمة الديمقراطية شكّل العقد الاجتماعي بين الإدارة الذاتية والسريان"، يقول لرصيف22 عضو اللجنة المركزية لحزب الاتحاد السرياني ونائب رئيس هيئة الثقافة في إقليم الجزيرة، حنا تغلات. ويضيف أن الوضع الجديد أتاح للسريان تمثيلاً في الإدارة الذاتية، كما أسسوا قوات عسكرية وقوات أمن داخلي خاصة بهم، لافتاً إلى أن هذا النهج مستقى من فكر الزعيم الكردي عبد الله أوجلان الذي يقضي بالتمثيل العادل للمكونات. ويتحدث تغلات عن مشاركة مقاتلين سريان منذ 30-40 سنة مع حزب العمال الكردستاني في حربه ضد تركيا ويلفت إلى أنهم كانوا منضوين تحت لواء حزب بيث نهرين الديمقراطي، وهو حزب آشوري عراقي يهدف إلى إنشاء منطقة آشورية مستقلة. ويتابع أن مرجعية حزبه المشارك في "الإدارة الذاتية" هي المجلس القومي لبيث نهرين الذي يضم أحزاباً ومؤسسات سريانية ومقره الرئيسي في أوروبا. وأردف القيادي في حزب الاتحاد السرياني أن حزبه تخلى عن النزعة القومية مقابل مفهوم أخوة الشعوب، وأنه الآن يتواجد في كل الإدارات ويتمتع بتأييد الأغلبية في مناطق تواجد السريان.

تشكيلات عسكرية سريانية

"نشأنا من رحم الأزمة السورية". بهذه الكلمات يصف القيادي في قوات "المجلس العسكري السرياني" والمتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية، كينو غابرييل، القوات التي تأسست عام 2013، وتشكّل أحد مكوّنات قوات سوريا الديمقراطية، وشاركت في معارك ضد جبهة النصرة وتنظيم داعش، و"ساهمت في تأمين القرى السريانية والآشورية، وشاركت في معارك الطبقة والرقة، وسقط منها أكثر من 40 شهيداً". إضافة إلى هذه القوات العسكرية التابعة لحزب الاتحاد السرياني، هناك أيضاً قوات "سوتورو" (تعني الحماية) الأمنية، في تقسيم مستلهم من تقسيم المقاتلين الأكراد بين "وحدات حماية الشعب" وقوات "الأسايش" الأمنية. "حماية قيم المجتمع السياسية والأخلاقية وتأمين الأشخاص والممتلكات مهمتنا". هكذا يصف المتحدث باسم قوات سوتورو آكاد حنا وظيفة هذه القوات، مبيّناً لرصيف22 أنها قوات أمن داخلي تتألف بمعظمها من السريان، وتتمركز داخل إقليم الجزيرة في الحسكة والقامشلي وتل تمر والقحطانية وديريك. بدأت هذه القوات عملها أيضاً عام 2013، ويتلقى عناصرها، بحسب حنا، دورات فكرية وتنظيمية وأمنية وتدريبات على مواجهة الجرائم وحماية المناسبات الدينية. شاركت "السوتورو" في حواجز على مداخل ومخارج المدن، وفي حملات أمنية داخل وخارج الجزيرة، واستُهدفت بعملية إرهابية وحيدة ضد أحد مركزها في الحسكة، سقط فيها قتيل وسبعة جرحى.

دور النساء السريانيات

"لدينا انفتاح تام كنساء سريان، إلا أن المجتمع المحيط بنا ألبسنا ثوباً ضيقاً"، تؤكد إليزابيث كورية، القيادية في حزب الاتحاد السرياني ونائبة الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا. تقول لرصيف22 إن دور المرأة السريانية كان يقتصر على الأعمال المنزلية وتربية الأطفال، و"شكل الدين المسيحي صعوبة أخرى أمامها فكانت لا تفعل شيئاً إلا بعد استشارة الكنيسة"، ولكن حدثت نقطة تحوّل عام 2012 بعد اختطاف سريان. وفي مواجهة تجربة داعش "الأشد قسوة"، هربت الكثيرات من السريانيات مع أسرهنّ إلى أوروبا فيما بدأت كثيرات بالمشاركة "في خطوات بطيئة وبتخوّف"، تشير كورية لافتةً إلى أن "السريانيات نظّمن أنفسهن سياسياً وفي منظمات المجتمع المدني، وانخرطن في القوات العسكرية، إذ أنشأن ‘قوات حماية نساء بيث نهرين’ للمشاركة في قتال داعش". تأسست أيضاً "السوتورو النسائي"، ويصف حنّا تجربتها بـ"التاريخية"، مبيناً أنها قوات تضم سريانيات يشاركن في حماية المدن، و"لا تمييز في عملها عن عمل السوتورو الرجالي ولها مشاركات في الحملات العسكرية والدوريات". ولا يخفي حنا وجود عوائق مجتمعية ضد حمل المرأة للسلاح في البداية، ولكنه يضيف أنه تم التغلب عليها عبر دورات تعليمية على كيفية استخدام السلاح وتثقيفية عن أهمية مشاركة المرأة بجانب الرجل في محاربة الإرهاب.

الكنيسة السريانية... "الصلاة للسلطة"

السابق هو جزء من المشهد السرياني في شمال سوريا. أما الصورة الكاملة فتتطلب تحديد دور الكنيسة وقوى سريانية سياسية أخرى. يتحدث عضو اللجنة المركزية لحزب الاتحاد السرياني حنا تغلات عن جانب من خلاف حزبه مع الكنيسة على أساس "رؤيته للسريانية كلغة شعب لا لغة للصلوات فقط". ولكن للخلاف بين السريان أبعاد سياسية أيضاً. يؤكد القس جوزيف موسى إيليا أن الكنيسة السريانية مع الدولة السورية، و"هناك وصية في الإنجيل بالصلاة للسلطة القائمة"، ولا تقبل بانفصال السريان عن سوريا. لذلك تنظر إلى حزب الاتحاد السرياني وقواته العسكرية بعين الحذر وعدم الرضا، وترفض محاولات تسييسها لأنها مؤسسة دينية وليست مكاناً للسياسة. وأضاف القس السرياني لرصيف22 "أن الكنيسة كالأم تحتضن إبنها المنحرف، ولذلك لا توجد قطيعة بين الجانبين، إذ تقدّم لمخالفيها خدمات الزواج والتعميد والجنازات". وكانت الكنيسة السريانية قد تلقّت ضربة خطف مطران حلب يوحنا إبراهيم الذي اختُطف مع مطران للروم الأرثوذوك بولس اليازجي، ويقال إن مقاتلين شيشان خطفوهما، ولم يظهرا إلى اليوم. وتظهر الخلافات بين السريان على الأرض، إذا عدا قوات "سوتورو" المذكورة سابقاً وتُسمّى "سوتورو الإدارة الذاتية" وتتبع مالياً وإدارياً لـ"وحدات حماية الشعب"، هناك ما يُعرف بـ"سوتورو النظام" وتشكّل جزءاً من مليشيا "الدفاع الوطني" التابعة للنظام السوري.
مع تزايد الحديث عن "المنطقة الآمنة" التي ستفصل مناطق انتشار الأكراد السوريين عن تركيا، يسلّط الإعلام العالمي الضوء على الأكراد السوريين ومستقبلهم... ولكن في هذه المعمعة، يتم تناسي أقلية صغيرة تعيش في شمال سوريا، وهي السريان
"نحن سكان سوريا الأصليون"، يقول السريان ويضيفون أن أبناء "الشعب السرياني أقدم قاطني سوريا، واسمهم مرتبط باسمها"... عن أقلية السريان السوريين العالقين بين مطرقة الإدارة الذاتية الكردية وسندان النظام السوري
تنتشر "سوتورو النظام" في حي الوسطى في القامشلي وسبق أن اندلعت مواجهات محدودة بينها وبين قوات الأسايش بسبب خلافات على نشر حواجز أمنية. من جانب آخر، يتهم رئيس المرصد الآشوري دياربكرلي، حزب الاتحاد السرياني والإدارة الذاتية، بممارسة انتهاكات مستمرة ضد السكان، مثل اقتياد الشباب السريان إلى الخدمة الإلزامية و"زجهم في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل"، ومصادرة أراضي النازحين، وتكميم الأفواه والقمع ضد الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني والاعتقالات العشوائية، وفرض إتاوات على المحال التجارية والمحاصيل الزراعية.

اللغة السريانية

يشير القس إيليا إلى وجود نوعين من السريانية، واحدة للكنيسة والأخرى للشارع، ويشرح أن اللغة الفصحى تُستخدم في طقوس الكنيسة، بينما القسم الأكبر من السريان يتحدثون "الطورانية"، وهي لهجة سريانية تُنسب إلى جبل طور عابدين، في جنوب تركيا، الذي كان سابقاً معقلاً لحركة ثقافية ورهبنية. يعتبر الرئيس المشترك لمؤسسة أولف تاو، المتخصصة في تعليم السريانية، حنا جالينيوس، أن عملية تحويل السريانية من لغة طقسية إلى لغة تعليم، "هي الرقم الأصعب في المعادلة". ويقول إن المدارس السريانية قديماً أخرجت كبار العلماء والمترجمين، ولكن البعثيين جعلوها لغة للصلوات فقط، وحالياً معظم البيوت السريانية تعلّمها لأبنائها عبر السماع، ولكنهم يجهلون القواعد، كما أدخلت عليها كلمات كردية وعربية. وأضاف جالنيوس لرصيف22 أنهم بدأوا عملية إحياء اللغة السريانية بإخراج جيل من المدرسين الذين يدرّسون السريانية، وساعدت في تشكيلهم نواة من المعلمين الكنسيين، ومنذ عام 2016 عملت المؤسسة على إنتاج كتب دراسية كاملة من الصف الأول حتى التاسع، وحالياً هي في مرحلة تصحيح الأخطاء اللغوية فيها وإضافة النشاطات المدرسية. وأوضح جالنيوس أن الكتب الجديدة توضح للطلاب أن السريانية لغة وهوية مختلفة عن العربية، وعالجت الكثير من المغالطات التاريخية التي تتضمنّها "كتب البعث" (مناهج النظام السوري) مثل وصف حضارة تدمر وحدائق بابل بالعربيتين، كما تضمنت تعريفاً بالأعياد الدينية والقومية السريانية.

أزمة المدارس... تجليات الخلافات السريانية

يتحدث جالنيوس عن "أزمة المناهج"، عندما أرادوا فرض السريانية كلغة أساسية للطلاب من الصف الأول إلى السادس في المدارس السريانية، ما قوبل بالرفض وفجّر أزمة. وتعود القصة إلى نهاية أغسطس 2018، عندما أغلقت سلطات الإدارة الذاتية 14 مدرسة سريانية في القامشلي والحسكة والمالكية. فبعد فرضها مناهج كردية في المدارس الكردية، قرّرت فرض مناهج سريانية في المدارس السريانية، على أساس أنه يجدر بكل أقلية أن تدرّس المواد الدراسية بلغتها الأم. قوبل هذا الإجراء الذي أيده حزب الاتحاد السرياني بغضب المواطنين السريان، فخرجوا في تظاهرات تطالب بالإبقاء على تدريس المناهج الحكومية السورية ورفعوا خلالها الأعلام السورية وأطلقوا هتافات مؤيدة للرئيس السوري بشار الأسد. وإذا كان معظم السريان يقرّون بأن التعليم باللغة الأم حق، إلا أن المشكلة هي في الاعتراف بشهادات الطلاب الذين يدرسون في مناهج مختلفة عن المناهج الحكومية، إذ لا الدولة السورية ولا جامعات العالم تعترف بها. حينذاك، استنكر "المجلس السرياني العالمي" (WCA) إغلاق المدارس السريانية. واتهمت المسؤولة عن علاقات المجلس مع الأمم المتحدة سارة باكير في بيان الأكراد باستهداف السريان والأقليات الأخرى في منطقة الإدارة الذاتية وقالت: "أهالي المنطقة سئموا من هؤلاء الطغاة الذين يعتدون على حقوق الإنسان، وداعميهم". بعد هذه الأزمة، جرت مفاوضات بين رافضي المناهج السريانية، وعلى رأسهم كنيسة السريان الأرثوذكس، والإدارة الذاتية وتم الاتفاق على إبقاء المناهج الحكومية على ألا تستقبل المدارس السريانية طلاباً أكراد، مع زيادة حصص تعليم السريانية إلى أربع إسبوعياً. بحسب الإعلامي ميلاد كوركيس، فإن أزمة المدارس دبرها النظام إذ "قام بتهييج الشعب وسعى إلى إخراجه في تظاهرات"، واتهم النظام بأنه أعطى أوامره للكوادر التدريسية بإغلاق بعض المدارس في بداية السنة الدراسية "لإشعال الفتنة". من جانب آخر، يشير إيليا إلى أن أحد أسباب رفض الكنيسة للمناهج هو احتواءها على "مصطلحات تبرز السريان كشعب مستقل، والكنيسة ترفض غرس أشياء تشجع على الانفصال عن الدولة".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard