بريطانيا تحسم موقفها تجاه "حزب الله"... ما الذي تغيّر ولماذا يُصرّ الأوروبيون على التمايز عنها؟

الثلاثاء 26 فبراير 201906:41 م

في عام 2001، قرّرت لندن حظر "وحدة الأمن الخارجي" لـ"حزب الله"، واصفة إياها بـ"الجناح الإرهابي"، وفي عام 2008 وتزامناً مع زعمها استهداف الحزب لجنود بريطانيين في العراق وسّعت بريطانيا دائرة الحظر لتضم كذلك "الجناح العسكري" ككلّ بما فيه "مجلس الجهاد".

وإن استبعدت لندن حينها خيار حظر الحزب ككلّ، أي الشق السياسي منه، سوّقت أوروبياً لنموذجها (فصل السياسي عن العسكري في التعامل مع "حزب الله") داعية الاتحاد الأوروبي - الذي كان متخوّفاً من "القرار المعقّد" الذي سيؤثر على العلاقات مع لبنان عموماً - لتبنّيه.

استغرق الأمر حتى يوليو من عام 2013. بعد وقوع الاعتداء في بورغاس البلغارية، الذي قُتل فيه سبعة بينهم خمسة إسرائيليين عام 2012، بدت اللحظة "مناسبة" مع الحديث عن "أدلة" على "ضلوع جناح حزب الله العسكري في أعمال إرهابية وقعت على الأراضي الأوروبية".

وهكذا، وافق وزراء خارجيّة الاتحاد الأوروبي في بروكسل على إدراج الجناح العسكري للحزب ضمن لائحة المنظمات الإرهابيّة.

كان القرار يعني حينها أنه سيكون من غير القانوني أن تُرسل أية جهة أوروبية أموالاً إلى "حزب الله"، إضافة إلى تشريع الأبواب أمام الأجهزة القضائية الأوروبية للتعامل مع مسؤولي الجناح العسكري في الحزب كـ"إرهابيين".

مع ذلك، أصرّ الأوروبيون على تأكيد "متابعة الحوار مع الأطراف السياسية كافة في لبنان"، بما فيها المكوّن الشيعي، إضافة إلى "استمرار الدعم المادي الذي تقدمه الدول الأوروبية للحكومة اللبنانية".

الآن، لم تعد لندن تريد الاكتفاء بالتمييز بين الجناحين العسكري والسياسي. بدا أن اليمين المؤيّد لإسرائيل قد حسم نقاشاً مستمراً منذ مدة لصالحه، أقله لناحية المبدأ، فأعلن وزير الداخلية ساجد جاويد نية بلاده حظر الجناح السياسي لحزب الله باعتباره "إرهابياً".وعاد وزير الخارجيّة جيريمي هانت ليؤيّد القرار.

القرار النهائي خلال أيام

قيل إن الملف موجود على مكتب رئيسة الحكومة تيريزا ماي منذ أشهر، لكن معارضة داخليّة كانت وراء تأخيره خوفاً من زعزعة العلاقات مع لبنان. ولكن خيار جاويد، الذي كان من أشدّ المدافعين عن القانون، خرج للعلن.

هنا، وبعيداً عن حسابات وزير الداخليّة صاحب الأصول الباكستانية على الساحة البريطانيّة (عينه على رئاسة الحكومة مستغلاً اهتزاز الثقة بماي)، يحضر عامل قربه الشديد من اللوبي الإسرائيلي.

الجديد الآن إذاً هو إحالة مشروع القانون إلى البرلمان، الذي يُنتظر أن يُصوّت عليه يوم الجمعة المُقبل، وفي حال وافق البرلمان، فسيكون الانتماء للحزب أو التشجيع على دعمه تهمة جنائية قد تصل عقوبتها إلى السجن عشر سنوات.

في الداخل البريطاني، تتزايد الترجيحات حول تمرير مشروع القانون، لافتة إلى الانقسامات الحاصلة تحديداً في "حزب العمال"، الذي ووجه رئيسه جيريمي كوربن بحملة انتقادات صوّبت على "صداقته" المعروفة لـ"حزب الله" وعلى "معاداته للساميّة".

ثمة إشارة، في هذا الإطار، تظهر بإدراج كل من "أنصار الإسلام" و"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" الناشطتين في أفريقيا في مشروع القرار نفسه، وذلك لزيادة إحراج المتحفظين على القرار الذي يخص "حزب الله" أمام الرأي العام.

الرهان الإسرائيلي

الضغط الإسرائيلي والأمريكي يأتي واضحاً في هذا الإطار. نلفت هنا إلى ما كشفته صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية قبل يومين عن زيارة مدير الاستخبارات البريطانية أليكس يونغر السرية إلى إسرائيل، وذلك للاجتماع مع نظرائه الإسرائيليين ومناقشة استعداد إيران لتجديد تخصيب اليورانيوم في إطار بنود الصفقة، وسط مواصلة المملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى دعم الاتفاق النووي.

أشار التقرير إلى انفتاح يونغر المحتمل على الحظر السياسي لحزب الله، في وقت كانت إسرائيل تحتفي بمشروع القانون، وتحث الاتحاد الأوروبي على أن يحذو حذو لندن.

وكان محللون تحدثوا عن أجواء إسرائيليّة تُناقش مسار العمل الحالي ضد محور المقاومة. بحسب ما كتب حسام مطر في "الأخبار"، فمحور العمل هو  ثلاثي الأضلاع: اقتصادي (فرض عقوبات مالية واقتصادية)، دبلوماسي ــــ قانوني (ولا سيما محاولة جر أوروبا للتشدد ضد إيران وحزب الله) ونشاط الحركي أو عمليات تكتيكية.

لم تعد لندن تريد الاكتفاء بالتمييز بين الجناحين العسكري والسياسي. بدا أن اليمين المؤيّد لإسرائيل قد حسم نقاشاً مستمراً منذ مدة لصالحه، أقله لناحية المبدأ... مشروع قانون لحظر "حزب الله" السياسي سيُصوّت عليه الجمعة
"من الواضح أن قرار إدراج حزب الله على قائمة الإرهاب هو قرار سياسي، وبالنسبة لمؤيدي فكرة التمييز بين جناحيه العسكري والسياسي فالأمر محدد سلفاً لدواع سياسية بينما يتم البحث عن مبرّر فكري له"... الاتحاد الأوروبي يصرّ على موقفه المناقض للمشروع البريطاني الجديد

على الصعيد الأوروبي، ثمة عاملين أوروبيين تُعوّل عليهما إسرائيل، ويمكن أخذهما بالاعتبار.

الأول، هو مشروع البريكست وانتظار أن "تتحرّر" بريطانيا من خيارات الاتحاد الأوروبي وسط نشاط بارز للوبي الإسرائيلي فيها. وهكذا، لا تعود بريطانيا مضطرة لمراعاة المصالح الأوروبية في لبنان، ولا حتى عامل وجود قوات "اليونيفيل" الذي يأخذه الأوروبيون على محمل كثير الجدية في تعاملهم مع "حزب الله".

للمناسبة، كان ذلك ما أثار ردة فعل أوروبية على تصريحات وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني خلال زيارته لإسرائيل قبل مدة، حين هاجم "حزب الله" فارتفعت المخاوف بشأن قوات اليونيفيل هناك.

الثاني، هو انتخابات البرلمان الأوروبي المُزمع إجراؤها في مايو المقبل والتي يُنتظر منها أن تُعزّز من نفوذ اليمين المتصاعد أساساً في أوروبا وذلك بحصوله على العدد الأكبر من المقاعد.

وكان استقصاء أجراه البرلمان الأوروبي، الأسبوع الماضي، قد خلص إلى أن تيار يمين الوسط سيظل أكبر تكتل في المجلس التشريعي التابع للاتحاد الأوروبي، بينما ستزيد مقاعد تيار اليمين المتطرف بشكل ملحوظ في المجلس.

طرفا المعادلة وما بينهما

الترحيب الأمريكي - الإسرائيلي الكبير بالقرار البريطاني، واجهه ردّ فعل لبناني على الصعيد الرسمي، وقال وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، وهو حليف سياسي لحزب الله، إن الخطوة البريطانية لن يكون لها تأثير سلبي على لبنان وإن لندن أبلغت بيروت بالتزامها بالعلاقات الثنائية.

في المقابل دافع عن الحزب قائلاً: "لو وقف العالم بأجمعه وقال إن المقاومة إرهاب، فهذا لا يجعل منها إرهاباً بالنسبة إلى اللبنانيين".

من جهته، علّق رئيس الحكومة بالقول إن "القرار يخص بريطانيا ولا يخص لبنان"، في وقت استبعد الحزب المُستهدَف أن يكون للقرار أي تأثير عليه، حاصراً إياه بـ"الشق الدعائي الذي تحاول بريطانيا عبره استرضاء إسرائيل وأمريكا والسعودية(إشارة إلى السعي لجلب استثمارات إلى بريطانيا من المملكة في مجالي التسلّح والطاقة) ".

الجانب الوحيد الذي قد يطاله القرار، حسب الحزب، هو المواطنين الداعمين له في بريطانيا، والذين رفعوا أعلامه في مناسبات عدة. وكان هذا الأمر قد شكّل محور جدل بريطاني لسنوات عديدة.

لطالما أقرّت الحكومة البريطانية "بوجود محدود وعلني لـ "حزب الله" في المملكة المتحدة" يتمتّع بـ"روابط واسعة النطاق" مع "وحدة العلاقات الخارجية" لـ"حزب الله"، التي عادة ما اعتبرتها لندن متميزة عن "الجناح الإرهابي" للحزب. في المقابل، كانت أمريكا قد أدرجت بعض مسؤوليها على لائحتها للمنظمات الإرهابية في يناير 2017.

بين طرفَي المعادلة، بريطانيا وداعميها والحزب وداعميه، برز الموقف الأوروبي المُعارض وعلى رأسه الموقف الفرنسي.

تزامن الإعلان عن القرار البريطاني مع زيارة كانت تُجريها الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمن المشترك في الاتحاد الاوروبي فيديريكا موغيريني إلى لبنان. الأخيرة، ورداً على سؤال حول حظر الحزب سياسياً، قالت إن "قرار بريطانيا داخلي ولا يؤثر على موقف الاتحاد الأوروبي المعروف والذي يبقى من دون تغيير، وهو إدراج الجناح العسكري وليس الجناح السياسي لحزب الله ضمن لائحة الإرهاب".

فرنسا، بدورها، أصرّت على الفصل بين الجناحين برغم كل الضغوط التي تؤكد على عدم وجود فارق بين الطرفين، وتستعين في ذلك بتصريحات الحزب الذي خرجت في مناسبات عدة لتؤكد أن لا وجود للفارق بين الطرفين.

وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قائلاً: "لدينا علاقات مع الجناح السياسي لحزب الله الممثل بالحكومة اللبنانية"، في وقت اعتبر أنه "لا يمكن لأي دولة أن تضع حزباً لبنانياً ممثلاً بالحكومة على قائمة الإرهاب".

"حزب الله" بين أرسطو وأفلاطون

كانت تقارير عديدة ناقشت أسباب هذا الفصل ومنطلقاته لدى الدول الأوروبية، مشددة على "التركيبة المعقدة" للحزب التي "تشبه الماء  أو الزيوت، وتتغلغل بصمت وإصرار في كل شيء"، على حدّ وصف الصحافي بنجامين وينتال في معرض تقرير مطوّل له ناقش فيه مشكلة أوروبا الجديّة مع "حزب الله" واستغرب تمسّك الاتحاد الأوروبي بمصالحه مع الحزب.

في هذا الإطار، يطرح المحامي ريتشارد هورويتز السؤال عما إذا كان الحزب تنظيم سياسي/ اجتماعي له جناح عسكري أم منظمة إرهابيّة تؤمّن الخدمات الاجتماعية لجمهورها. يُشبّه هورويتز الفارق بنقاش أرسطو وأفلاطون حول الجوهر والخصائص، ليقول إن السؤال الذي يُشكّل محور الجدل في أوروبا منذ سنوات طويلة هو: "هل الإرهاب هو جوهر حزب الله أم أحد خصائصه؟".

ويخلص إلى أنه "من الواضح أن قرار إدراج حزب الله على قائمة الإرهاب هو قرار سياسي… وبالنسبة لمؤيدي فكرة التمييز بين جناحيه العسكري والسياسي فالأمر مُحدّد سلفاً لدواع سياسية بينما يتم البحث عن مبرّر فكري له".

من جهته، لفت المستشار السياسي لمجموعة الاشتراكيين والديمقراطيين في البرلمان الأوروبي والدبلوماسي السابق إلدار محمدوف إلى عوامل عديدة تجعل التمييز الأوروبي بين الجناحين ضرورة، وإن كان غير مقنع.

من أبرز العوامل انخراط الحزب الحاسم في السياسة اللبنانية وشبكة علاقاته مع الأطراف السياسية الأخرى في مقابل المصالح الأوروبيّة الكثيرة مع لبنان. يُضاف لذلك الموقف الفرنسي بشكل خاص، والمنخرط تاريخياً في السياسة اللبنانية، على عكس الموقف البريطاني الذي يملك مسافة من الداخل اللبناني.

ومن العوامل التي تحضر في أي نقاش من هذا النوع يبقى عامل وجود قوات حفظ السلام "اليونيفيل". ويقول إلفين غوردون إن هذا العامل سيمنع دولاً أوروبية عديدة من مجاراة بريطانيا، إذ لا نحتاج لعبقري كأينشتاين لمعرفة أن الدول المشاركة في تلك القوات ستُعارض قرار الحظر السياسي.

في المقابل، ينتقد غوردون المجتمع الدولي، الذي يدفع حوالي 500 مليون دولار سنوياً لتلك القوات، من دون أن تحقق إنجازاً ملحوظاً، داعياً الدول لحلّ اليونيفيل والاستفادة من الأموال في قنوات أخرى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard