عراقيون يمتدحون صدّام حسين... عقوبات غير قانونية ومطالبات بتجريم فعل امتداحه

الثلاثاء 26 فبراير 201906:54 م
في العقد الأول الذي تلا سقوط نظامه، في أبريل 2003، لم يكن أحدٌ تقريباً يجرؤ على امتداح الرئيس العراقي الأسبق صدّام حسين، حتى أمام أصدقائه المقرّبين، دون أن يعني ذلك أنه لم يكن هناك مَن يحبّونه ويحنّون إلى أيامه. لكن في السنوات الأخيرة، تغيّر المشهد وبرزت ظاهرة امتداحه، ولو كان ذلك في معرض نقد مواطنين لأوضاع العراق الحالية. في الفترة الأخيرة، شهد العراق حادثتين منفصلتين محورهما "مديح" صدّام حسين: الأولى في محافظة الأنبار، غرب العراق؛ والثانية في محافظة ذي قار، جنوب البلاد. في الحالة الأولى، رفعت مجموعة طلاب صورة صدّام حسين في جامعة الأنبار الواقعة في المحافظة التي ما زالت أطرافها الصحراوية تعاني من انتشار بقايا تنظيم داعش، وذلك قبل نهاية العام الماضي بقليل، أثناء احتفالات داخل الجامعة.
هيئة رئاسة الجامعة اعتبرت التصرف "فردياً"، وسارعت إلى عقد مؤتمر صحافي لنفي مسؤوليتها عن الحادثة، وقررت فصل ثلاثة طلاب بشكل نهائي ومعاقبة آخرين بفصلهم لعام دراسي واحد. أثارت الحادثة مثل غيرها ردود فعل متباينة، وطالبت الردود الأكثر غضباً بمحاسبة الطلبة وعدم السماح لهم بالتواجد في الجامعة من جديد. قد يكون رفع صورة صدّام مفهوماً في محافظة مثل الأنبار فيها مجموعة من مؤيدي الرئيس العراقي الأسبق ترى فيه "القائد الحقيقي" الذي انتهى "العراق القوي" بإسقاطه، خاصةً مع كونها محافظة سنّية لُصقت بها صورة نمطية عن "ولائها" لصدام. لكن الغريب أن يُمتدح صدّام في مدينة الناصرية في محافظة ذي قار، وفي مناسبة لتأبين أحد "شهداء" الحشد الشعبي، خاصةً أن المديح جاء من شاعر قال أثناء إلقائه قصيدته إن أسرته فقدت "16 شهيداً"، في عهد صدام. قال الشاعر صلاح الحرباوي في قصيدته: "يابو عُدَي أكرهك بس أحبك حيل، جي لنك تطب عالعايل لداره" (يا أبا عدي، أكرهك ولكنّي أحبك جداً، لأنك تردّ كيد المعتدين)، وذلك بعد أبيات انتقد فيها الوضع العراقي "التعبان" واستنكر دخول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العراق دون علم الحكومة العراقية ("ترامب لي مسك مضيفي وأنا صرت خطاره (ضيفه)"). https://www.youtube.com/watch?time_continue=2&v=O2WOUwObdR0 إثر هذه القصيدة، أصدرت السلطات العراقية في محافظة ذي قار أمراً باعتقال الحرباوي، فاختفى لأيام قبل أن يسلّم نفسه للسلطات التي احتجزته لأيام قيد التحقيق داخل أحد مقار جهاز مكافحة الإرهاب، بحسب ما تداولته وسائل إعلام، ثم أمر قاضي تحقيق سوق الشيوخ بالإفراج عنه بـ"كفالة".

هل يُعاقب القانون العراقي مَن يمتدح صدام؟

فصل طلبة جامعة الأنبار لم يكن بموجب قرار قضائي، وإنما بقرار اتخذته رئاسة الجامعة، واعتقال الحرباوي لم يكن بموجب مادة قانونية تجرّم مديح صدّام، وإنما قامت به قوة مكافحة الإرهاب بدون موجب قانوني. في العراق، هناك "قانون حظر حزب البعث والكيانات المنحلة"، أقرّه البرلمان عام 2016، ويحظر حزب البعث الذي كان يتزعمه صدّام حسين، ولكن ليس فيه ما يتعلق بتجرم مديح صدّام حسين شخصياً. يقول المحامي إسماعيل سعد لرصيف22: "ليس في العراق ما يمنع تمجيد أو مدح صدّام حسين. ولو اختلفنا أو اتفقنا على عهده، لكن في السياقات القانونية ليست هناك أية عقوبة على مدحه". ويضيف: "في بعض الحالات يتم إسناد اعتقال الأشخاص المتهمين بمدح صدّام على قوانين أخرى مثل قانون مكافحة الإرهاب الذي أُسند عليه اعتقال الشاعر صلاح الحرباوي، وهناك مشكلة في العراق تتعلق بمطاطية نصوص القوانين، وهو ما يسمح باستخدامها من قبل المتنفّذين وفق مصالحهم".
من الغريب أن يُمتدح صدّام حسين في مدينة الناصرية في محافظة ذي قار، وفي مناسبة لتأبين أحد "شهداء" الحشد الشعبي، خاصةً أن عندما يأتي المديح من شاعر يقول إن أسرته فقدت "16 شهيداً"، في عهد صدّام
عن ظاهرة مدح صدّام حسين في العراق... لا قانون يُحاسب أو يُعاقب مَن يمتدح الرئيس العراقي الأسبق، ولكن أطرافاً سياسية تسعى إلى تشريع قانون حول ذلك
ولأن لا قانون في العراق يُحاسب أو يُعاقب مَن يمتدح صدّام حسين، تسعى أطراف سياسية إلى تشريع قانون حول ذلك، وهو ما يدعو ويسعى إليه رئيس "لجنة الشهداء" في مجلس النواب العراقي عبد الإله النائلي الذي كان أوّل المنتقدين لمدح صدام. يقول النائلي لرصيف22: "يجب أن تكون هناك محكمة خاصة لمَن يمدح حزب البعث أو صدّام حسين أو يمجدهما. لا يمكن أن تُستغلّ التعددية الحزبية والإعلامية في الترويج لأفكار البعث، فهذا الحزب خرّب العراق، وتمجيده يعني تأييده على كل جرائمه". ويطرح النائلي فكرة "تعديل" قانون "حظر حزب البعث" وتضمينه فقرة تنص على معاقبة كل مَن يمتدح صدّام حسين، ويرى في ذلك ضرورة "حتى لا يستغل البعث وأتباعه الفرصة للترويج لأفكارهم من جديد".

انتشار مدح صدّام في الإعلام

يركّز بعض إعلاميي وسائل الإعلام المحلية العراقية على ما يُساهم في انتشار برامجهم أكثر، خاصة العاملين في برامج ميداينة تتضمّن تقارير ميدانية تُصوَّر بين الناس وتتحدث عن معاناة العراقيين حالياً. هؤلاء قد يدفعون محدثيهم في بعض الأحيان باتجاه المقارنة بين الوضع الحالي والوضع السابق، فيعبّر المواطنون عن غضبهم بمدح أوضاع العراق قبل عام 2003. في العامين الأخيرين، أو ربما قبل ذلك بقليل، انتشرت مقاطع فيديو كثيرة لمواطنين عراقيين يمتدحون صدّام حسين. ودائماً يأتي مديحهم أثناء المقارنة بين ما كان عليه العراق سابقاً وبين ما هو عليه الآن. على سبيل المثال لا الحصر، تحدث مواطن عراقي من منطقة الكفاح المتهالكة في العاصمة العراقية بغداد غاضباً عمّا آلت إليه البلاد بعد عام 2003. لم يخشَ مدح صدّام حسين، بل ترحّم عليه ثلاث مرات، بعد شكواه من "سوء" الخدمات و"غياب" القانون وتفشي "الفساد".
يقول الإعلامي العراقي عطيل الجفال لرصيف22: "من الطبيعي جداً المقارنة بين النظامين السابق والحالي، خاصة وأن الأخير اعتمد وارتكز في تأسيس شرعيته على معارضة ومقارعة النظام السابق وبيان كم السوء الموجود في زمن صدام، لكن الناس اليوم بدأت تقارن أوضاعها الحالية بالتفاصيل الأكثر إيجابية في النظام السابق، فسابقاً كانت هناك دولة واليوم هناك سلطة". ويضيف: "الذكريات تكون أجمل من عيشها على أرض الواقع، فجيل منتصف التسعينيات وما فوق، ينظر إلى صدّام بشكل مختلف لأن أبناءه لم يُجايلوه، بل سمعوا عنه، وهناك أيضاً جيوش إلكترونية على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر صدّام بطريقة تجذب هؤلاء الشباب الذين لم يعيشوا الوضع الحقيقي في زمنه، لذا سيجد البعض أن النظام السابق أفضل بكثير فيظهر مَن يمتدحه عن وعي أو عن غير وعي".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard