الأوسكار والمثليّة: ما هو مصير رامي مالك لوّ عاش في مصر؟

الاثنين 11 مارس 201901:46 م
تقترب الكاميرا من وجهه أثناء مشهد تقبيله رجلًا آخر، ينهض الجمهور مصعوقًا مطالبًا بمحاكمته، يبدأ رجال الشرطة في الصعود إلى غرفته للقبض عليه، فجأة يلمع اللون الذهبي فوق رؤوس الجميع مثل إشارة الرجل الوطواط الشهيرة في سماء مدينة جوثام، ها هو تمثال الأوسكار قد حضر، فيتلجلج رجال الشرطة بينما ينقلب غضب الجماهير إلى صيحات تشجيعية رهيبة، فيذهب الضابط الأكبر إلى الرجل ليخبره كم كان مُشرفًا أنه مصري في الأصل، وينقل إليه تمنيات الجهات السيادية له بالنجاح الباهر في مسيرته الفنية، إنه رامي مالك ومشهد تخيلي قصير لحياته بين مصيرين أحدهما في القاهرة والآخر هناك بين جنبات هوليوود.
"أنا ابن لمهاجرين مصريين، أنا من جذور مصرية"، في تلك اللحظة تداخلت مشاعر المصريين بين شعورهم بالفخر بسبب كلمات الممثل العالمي رامي مالك عن أصوله المصرية التي يفتخر بها مثلما يفتخر بحصوله على أوسكار كأفضل ممثل عن دوره في فيلم Bohemian Rhapsody، ومن ناحية أخرى تقطع التصفيق الحاد الناجم عن أيادٍ مرتعشة لا تعرف هل يجب التهليل بهذا الإنجاز أم لا، كون رامي قد ظهر في مشهد مثلي الجنس "غير مقبول" في بلاده الأصلية، مصر.

رامي مالك في مصر

 السؤال الأهم في تلك المرحلة، عن مصير رامي مالك إذا ما كان مواطنًا مصريًا يعيش في المحروسة ولا يمتلك أي شهرة عالمية أو تمثالًا ذهبيًا ما، وقرر تمثيل نفس المشهد؟ الإجابة ليست صعبة إطلاقًا، فسوف يتطوع رجل من سلك المحاماة لرفع قضية نشر الفجور على رامي، ثم ستنطلق الأبواق الإعلامية كافة في حملة تشهير برامي والأخذ في تصعيد الأمور ضده بدءًا من تعدّيه على تقاليد الناس هنا وصولًا إلى دورَي قطر واسرائيل في تلك القبلة المثلية، وبعد ذلك سوف نكون على موعد مع سلسلة من المحاكمات لمالك تنتهي بالحبس عامًا أو ثلاثة أعوام على الأقل وبالطبع منعه من مزاولة مهنة التمثيل تمامًا.
ذلك السيناريو ليس خرافيًا ولا مبالغًا فيه، فبينما احتفل المصريون بقبلة عمرو واكد لسكارليت جوهانسن في فيلم Lucy الشهير، هاجموا بضراوة الممثل المصري الآخر خالد أبو النجا بعدما نشر تغريدة يدعم فيها حقوق المثليين في الحياة بحريتهم دون تدخل من أحد، وانهالت ضربات الإعلام والمتابعين وتقدم العديد من المحامين بعدة بلاغات تصف خالد بمروّج للشذوذ الجنسي ومساعد على نشر الفجور، لم يُقبّل أحدًا ولكنه فقط زيّن صورته بألوان القوس قزح "الرينبو" التي تُشير إلى المجتمع المثلي وحدث كل ذلك، فما بالك إذا مثّل نفس المشهد ضمن الفيلم الذي أخذ رامي مالك الأوسكار عن دوره فيه؟
الحديث قد يتطور إلى أبعد من ذلك في حال كان رامي أو خالد أو عمرو مواطنًا مصريًا غير مشهور، ولعل البارحة ليست ببعيدة حينما اشتعلت الأمور بسبب رفع بعض الشباب أعلام الرينبو خلال حفل الفرقة الغنائية "مشروع ليلى" في مصر، وبعد هجوم واسع من الإعلام والتلفزيون تم القبض على هؤلاء الشباب وإحالتهم لمحاكمات عاجلة، قبل أن يفر بعضهم إلى خارج مصر للحفاظ على حريته وعلى أمنه وحياته من الجماهير الغاضبة التي جرح مشاعرها هذا العلم الملوّن.

رامي مالك في الخارج

الوضع اختلف جدًا في التعامل مع الشخصية التي قام رامي بتأديتها لأن هناك "أوسكار"، فالخطاب الإعلامي تبنى نشر كلمات رامي مالك عن أصوله المصرية بفخر واعتزاز وصل إلى حد تشبيه رامي باللاعب المصري الشهير محمد صلاح، وكما أن صلاح يُطلق عليه في مصر لقب "فخر العرب" فإن رامي يستحق هذا اللقب كذلك فنيًا على الأقل، وهكذا يُصبح لمصر وشعبها دور خفي في إنجاز الأوسكار الخاص بمالك أسوة بنفس الدور الخفي في إنجازات صلاح، وعلى الرغم من اختلاف الموقف تمامًا بينهما، إذ إن رامي ولد وعاش في أمريكا عكس محمد صلاح الذي خرج من مصر بعدما تلقى تدريباته الأوليه في أحد أنديتها، ولكن المصريين على استعداد لربط إنجاز رامي مالك بالجينات المصرية التي يحويها جسده، حتى لا يُفسد أحدٌ فرحتهم بالأوسكار.
من المتوقع أن يتم استخدام رامي مالك الأيقونة العالمية للنجاح كسفير لمصر بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر دعوته لتمثيل مصر في الفعاليات الفنية العالمية مثلًا، أو استغلال إنجازه في الترويج للفن المصري والسياحة في مصر التي أنجبت هذا الأوسكار الفريد من نوعه بجينات قاهرية للأم وصعيدية للأب.
ماذا سيكون مصير رامي مالك إذا ما كان مواطنًا يعيش في مصر ولا يمتلك أي شهرة عالمية وقرر تمثيل نفس المشهد؟ الإجابة ليست صعبة إطلاقًا، فسوف يتطوع رجل من سلك المحاماة لرفع قضية نشر الفجور على رامي.
بينما احتفل المصريون بقبلة عمرو واكد لسكارليت جوهانسن في فيلم Lucy الشهير، هاجموا بضراوة الممثل المصري الآخر خالد أبو النجا بعدما نشر تغريدة يدعم فيها حقوق المثليين في الحياة بحريتهم دون تدخل من أحد.
نأمل أن يفتح رامي مالك باب الحديث عن تقبل المثليين جنسيًا ليس في الفن فقط بل أيضًا في المجتمع بشكل عام، وربما ذكر العديد من النماذج الناجحة عالميًا، والتي لم تقدم مجرد مشهد مثليّ الجنس ولكنها تعيش حياتها الطبيعية بميولها الجنسية المثلية.

المثليّة بلا أوسكار ومع أوسكار

بالنظر إلى التباين الشديد في التعامل مع المثلية الجنسية بين مثلية بلا أوسكار وأخرى بأوسكار، لن يكون منطقيًا إطلاقًا الاحتفال برامي مالك جماهيريًا أو حكوميًا، بل الأحرى بالمصريين "أن يرجموا مالك بالأوسكار الخاص به قبل أن يلقوا به من شاهق عقابًا له على المشهد المثير للغضب في الوضع المعتاد"، أو ربما كما نأمل أن يفتح رامي مالك باب الحديث عن تقبل المثليين جنسيًا ليس في الفن فقط بل أيضًا في المجتمع بشكل عام، وربما ذكر العديد من النماذج الناجحة عالميًا، والتي لم تقدم مجرد مشهد مثليّ الجنس ولكنها تعيش حياتها الطبيعية بميولها المثلية الجنسية، قد يدفع البعض إلى التفكير في أسباب أخرى لتقبل المثليين واندماجهم بحرية -من حقهم- داخل المجتمع، بحثًا عن أوسكار في جميع المجالات بمسمياتها المختلفة كجائزة نوبل مثلًا، أو كالعادة، يتعامل المصريون مع قضية رامي مالك باعتبارها استثناءً أو شرًا لا بد منه، على أن يتم تجاهل المشهد المثليّ وترويج مشهد انتزاع الأوسكار وذكر رامي لأصوله المصرية والعودة إلى مطاردة المثليين جنسيًا في مصر... وكل أوسكار وأنتم بخير.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard