عن البيجاما والجاكيت الشتويّ في مجتمع استهلاكيّ فقد مقوّماته

الأربعاء 27 فبراير 201904:37 م
لم يكن التجول في منطقة وسط البلد إحدى عاداتي اليومية. ولست ممن تَدْهَمهم نوبة قلق لا يقتلها إلا الشراء. .في البداية كان كل ما أفكر فيه هو شراء جاكيت شتوي ثقيل كعادتي في بداية الشتاء. ولكن بنظرة واحدة على عدة محالّ عادية، أي ليست (براند) مثلاً، وجدت أن الأسعار قد ارتفعت بشكل مبالغ فيه. ومع السير طويلاً ومراقبة الأسعار التي تتفاوت من محل إلى آخر، ولكنها تقترب من متوسط دخل الفرد في الشهر، تحوّلت عيناي لمراقبة الأشخاص السائرين حولي. وبينما  أخذت الأمر بسخرية داخلية لن يلمحها أحد، بدا المتسكعون حولي أكثر هماً وشروداً حتى وهم يلتهمون الآيس كريم من المحالّ المشهورة في وسط البلد، والمكتظة اكتظاظاً شبه دائم، بل يصنع الزحام حلقة صغيرة حولها. أما محالّ الملابس فلا يوجد بداخلها أحد. يمر العابرون بالفاترينات اللامعة بنظرات لا تخلو من حسرة مكتومة. يأتي الكثيرون إلى منطقة وسط البلد للترفيه عن أنفسهم بعيداً عن أماكن سكنهم. يقابلون الأصدقاء، يأكلون الآيس كريم أو بعض السندويتشات لو أنهم سيقضون اليوم كله في الخارج. وقد يفكرون في شراء جاكيت شتوي كما أفكر.
قررت أن أكون أكثر مرونة. أنا بحاجة لبيجاما أيضاً، قطن ناعم لليالي الشتاء الباردة. ملمس القطيفة التي تدلل الجسد بالمحبة. السعر الأول الذي لمحته كان 700 جنيه. تقريباً هذا الرقم هو نفس سعر جاكيت شتوي في الأعوام الماضية. الأردأ قليلاً بخمسمئة جنيه. كان هذا الرقم أيضاً هو سعر جاكيت شتوي لا بأس به. الآن سعر البيجاما هو نفس سعر جاكيت. ولكن ليست هذه هي القضية. السؤال هو ما الذي تحتاجه أكثر هنا؟ هل شراء جاكيت شتوي جديد بسعر باهظ حتى تبدو جديداً ومتألقاً للعالم الخارجي، وتكتفي ببيجامات قديمة لم تعد نعومتها كافية لتدليلك بعد غسيلها المتكرر؟ أم تلعن هذا العالم الخارجي، وتشتري بيجاما لن يراها أحد؟ ولكن منذ متى يهتم الآخرون بسعادتك وغبطتك الداخلية؟ ربما أنتصر للبيجاما في نهاية رحلة التسوق التأملية تلك.
يمكن أن يقول صديق لصديقه بمنتهى البساطة: "أنت ترتدي نفس ملابس العام الماضي". أو: "هذا الجاكيت قد اشتريناه معاً عام كذا!". طبعا لا تستطيع أن تعيش بحرية في مجتمع استهلاكي. لكنه لم يعد يملك حتى مقومات الاستهلاك.
سعر البيجاما هو نفس سعر جاكيت. ولكن ليست هذه هي القضية. السؤال هو ما الذي تحتاجه أكثر هنا؟ هل شراء جاكيت شتوي جديد بسعر باهظ حتى تبدو جديداً ومتألقاً للعالم الخارجي، وتكتفي ببيجامات قديمة لم تعد نعومتها كافية لتدليلك بعد غسيلها المتكرر؟

أما المراهقون الذين يلتهمون الآيس كريم من حولي يفضلون أن يرى أصدقاؤهم ملابسهم الجديدة، لأنه، يا للأسف، يمكن أن يقول صديق لصديقه بمنتهى البساطة: "أنت ترتدي نفس ملابس العام الماضي". أو: "هذا الجاكيت قد اشتريناه معاً عام كذا!". طبعا لا تستطيع أن تعيش بحرية في مجتمع استهلاكي. لكنه لم يعد يملك حتى مقومات الاستهلاك. أستطيع أن أرى كيف تنقسم طريقة التفكير أمامي في شوارع وسط البلد. بعضهم سيكمل سيره في شارع "26 يوليو" الممتد حتى يصل لوكالة البلح التي تبيع ملابس مستعملة ولكنها ستكون جديدة بالطبع في دولابك. تستطيع شراء جاكيت شتوي مستعمل بنفس سعر جاكيت اشتريته قبل أعوام قليلة.

البعض الآخر سينتهي من أكل الايس كريم ثم يفكر في طريقة مواصلات رخيصة تنقله إلى بيت بعيد. لم يشترِ شيئاً ولكنه قرر أن ينتظر الأوكازيون، فترة التخفيضات نفسها ستخصم عدة مئات من الجنيهات من سعر الجاكيت. وقتذاك سيكون مناسباً للموازنة المتاحة. ولكن الأمر المحزن هنا أن الخصم يبدأ بعد أن تكون الحرارة قد ارتفعت بالفعل ومرت ليالي الشتاء القارسة! سترتديه لكي يراك الأصدقاء  فتشعر بالحرّ الشديد في صباحات القاهرة المشمسة. ثم تقرر تركه للعام المقبل فتكون بذلك قد أمنّت نفسك من بداية شتاء قارس آخر، وربما طفرة ارتفاع أسعار أخرى محتملة. ولكنه لن يكون جديداً تماماً. سيقفز صديقك فجأة حينما يراك، ليس لإلقاء التحية، بل ليخبرك أن هذا الجاكيت هو نفسه الذي اشتريناه معاً في العام الفائت.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard