شهادات لأسرى فلسطينيين محررين... في زنازين التحقيق الإسرائيلية يتوه الزمن

الاثنين 25 فبراير 201906:49 م
صوت خطى تقترب، ورنين مفاتيح الزنزانة واضح. رأس الأسير عطا فلنة كان مغطى بكيس سميك لليوم التاسع على التوالي، ويداه مكبلتان بالقيود. لم يكن يرى شيئاً لكنه كان يسمع جيداً. زفر كمن اقترب خلاصه وسأل الضابط الذي اقترب منه: "كم الساعة؟". أمسك الضابط بيديه من الخلف وساقه دون أن ينطق بكلمة. مشى معه قليلاً في ممر طويل ثم وقف فجأة. أجلسه على كرسي وقيّده وتركه. تسللت رطوبة باردة إلى أطرافه بسرعة. وقت طويل مرّ. لا يعرف فلنة إنْ كان وقت نهار أم ليل. صحيح أنه كان يسمع أصوات أذان المساجد القريبة من سجن رام الله، لكنه أبداً لم يكن يعرف أذان أي وقت كان ذاك. هكذا تمضي فترة الاعتقال الأولى في حياة معظم الأسرى الفلسطينيين. حياة بلا زمن قد تمتد لأشهر. أصناف من العذاب النفسي تفقد الأسير السيطرة على فهمه البيولوجي للزمن. لا نافذة تطل على الشمس في زنزانته، ولا يعرف داخلها النهار من الليل. الجنود يحضرون طعام الإفطار في وقت العشاء، والغداء في وقت الإفطار للضغط نفسياً على الأسير، وخلط الأمور عليه، فيصلي ويصوم ويأكل ويشرب في غير الأوقات المناسبة، ليصل إلى مرحلة قد ينهار فيها باكياً فقط لأنه لا يعرف "كم الساعة الآن". هذا السؤال البديهي الذي قد يجيبك عنه هاتفك المحمول، قد تكون إجابته بمثابة حلم لدى أسير يعيش في فترة التحقيق، حيث زنازين مظلمة، رطوبتها عالية، ورائحتها كريهة، ولا أحد فيها يجيبك عن الوقت.

لا إدراك للوقت

فلنة اعتُقل عام 1992 بتهمة الانتماء لفصيل مقاوم، وأفرج عنه في صفقة "وفاء الأحرار" عام 2011 عندما جرت مبادلة مع الجندي الإسرائيلي الذي اعتُقل في حرب في غزة جلعاد شاليط. يروي لرصيف22: "كلما عاد بي الزمن إلى تلك المرحلة أذكر كيف فقدت السيطرة على نفسي. مجرد الشعور بتوقف الذاكرة والعقل، وعدم القدرة على ربط الأحداث بالزمن كانت تقودني نحو احتمالية فقدان عقلي أو جزء منه"، مضيفاً: "الشيء الذي كان يؤرقني أكثر هو أنّي لا أعلم متى ستنتهي هذه المرحلة، غداً أو بعد شهر، أو ربما بعد عام". رغم ذلك كان الأسير فلنة، ابن مدينة رام الله الواقعة في الضفة الغربية المحتلة والمبعَد إلى غزّة، على ثقة كاملة بأن لكل بداية نهاية، وأن عذاباته مهما طالت ستكون بمثابة طريق التحرر والخلاص من قيود الاحتلال والسجن. حكاية أخرى بطلها الأسير أحمد الفليت الذي أمضى في سجون الاحتلال 19 عاماً منذ سنة 1992. قضى فترة سجنه الأولى في سجن غزة المركزي (السرايا) الذي كان يتبع في ذلك الوقت لسلطات الاحتلال، مصارعاً كلّ أنواع العذاب النفسي والجسدي، داخل زنزانة صغيرة لا تتجاوز مساحتها المترين، لا نوم فيها ولا راحة. بدايةً، ظنّ الفليت الذي اعتُقل مصاباً، دون أن تقدَّم له الرعاية الصحية اللازمة، أنّ قربه من وسط المدينة سيؤنس عتمة الزنزانة فيحدد الوقت من خلال صوت الأذان الذي يعلو في مواقيت الصلاة من المساجد المحيطة بمكان السجن، أو نداءات الباعة في الصباح. ولكن الأمر لم يكن كذلك. يقول لرصيف22: "ظني لم يكن صائباً أبداً، وما فكرت به لم يتعدَّ الخيال، والحقيقة كانت أن المكان الذي سأُعذَّب فيه معزول بصورة تامّة عن الخارج، ولا يلج له أيّ صوت أو ضوء". يتذكر كيف عاش أياماً وليالي طويلة دون أنّ يدرك الوقت، لأنّ لا شيء حوله يدل على الزمن وتغيراته. يقول: "لم أكن أعلم إنْ كانت الشمس قد أشرقت أو أغربت، ولا أعرف مواعيد الصلاة، كما أنّي لم أسمع طوال فترة التحقيق سوى صوت المحققين". ويضيف: "حالة تيه وضياع عظيمة للنفس لا يمكن وصفها بالكلمات. المشاعر التي رافقت تلك المرحلة لا تُنقل، لأنّ الإنسان العادي لا يمتلك ببساطة القدرة على تخيّلها والتفكير في تفاصيلها". الأسير الذي أفرج عنه في ذات الصفقة التي خرج فيها فلنة، يروى أنّ قصص "ضياع الزمن" التي يعيشها الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي تختلف من أسير إلى آخر باختلاف التجربة، لكنّها بالمجمل تتفق في تأثيرها النفسي والجسدي عليه، لا سيما وأنّ "أسوأ شعور ممكن أن يعيشه الشخص هو الإحساس بالتيه الزمني وفقدان السيطرة على ذاته ووقته". يروي أنه "بعد انقضاء فترة التحقيق التي عشت تفاصيلها لأكثر من شهرين، نقلت للعزل الانفرادي وبقيت هناك لحوالي عامين" ويتابع: "لا شك في أن حياة العزل صعبة جداً، لكنّها مهما بلغت من الصعوبة لن تصل أبداً إلى الموت الذي يرافق فترة التحقيق، فعلى الأقل كان في زنزانتي المنفردة راديو صغير يؤنس وحدتي ويكسر جمود العتمة". ويبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، بحسب البيانات الأخيرة الصادرة عن هيئة شؤون الأسرى والمحررين، حوالي 6500 أسير يقبعون في السجون والمعتقلات. وتشير الهيئة إلى أنّ 215 أسيراً توفوا داخل سجون ومعتقلات الاحتلال منذ عام 1967، منهم 72 فقدوا حياتهم بسبب التعذيب في أقبية التحقيق، وتؤكد أنّ الاحتلال يصادر من الأسرى حقوقهم الإنسانية التي كفلتها لهم كافة الاتفاقيات والمواثيق الدولية، ويفرض عليهم داخل السجن حياةً لا تطاق في تحدٍّ صارخ للقانون الدولي.

تفاصيل بلا معنى

تتشابه قصّة الأسيرة روضة حبيب التي أمضت في سجون الاحتلال قرابة الأربع سنوات إلى حد كبير مع تفاصيل القصتين السابقتين. تؤكّد أنّ الاحتلال لا يميّز أبداً بين رجل وامرأة وطفل، وتصف قانون السجن بـ"قانون العتمة"، لأنّ كل حدث هناك مرتبط بالظلام وتيه الزمن وضياعه، فمن عتمة الزنزانة يتنقل الأسير إلى عتمة العصبة وكيس الرأس، ثم إلى غرفة التحقيق مقفلة الأبواب والنوافذ. "لا فرق هناك بين الليل والنهار، أو بالأصح لا معنى لهما، لأن الحال بينهما لا يختلف" تقول لرصيف22. وتسرد الأسيرة التي أفرج عنها عام 2009 كيف أن "العيش بلا تحديد للوقت والزمن أمر مخيف جداً"، وتقول: "كنت أحاول تجاوزه من خلال إيهام نفسي بأنّي أعيش من أجل اللحظة فقط، فما إن تمضي حتى أنساها وتغيب عني تفاصيلها، لأنّها ببساطة غير محددة بزمن، وهذا الأمر بحد ذاته قتل بطيء للروح والحيوية".
"مجرد الشعور بتوقف الذاكرة والعقل، وعدم القدرة على ربط الأحداث بالزمن كانت تقودني نحو احتمالية فقدان عقلي أو جزء منه"... شهادات أسرى فلسطينيين عن غياب الزمن في السجون الإسرائيلية
"حالة تيه وضياع عظيمة للنفس لا يمكن وصفها بالكلمات. المشاعر التي رافقت تلك المرحلة لا تُنقل، لأنّ الإنسان العادي لا يمتلك ببساطة القدرة على تخيّلها والتفكير في تفاصيلها"... شهادات أسرى فلسطينيين عن غياب الزمن في السجون الإسرائيلية
وتبيّن أنّها في مرات عدّة حاولت أنّ تسأل الجنود والمحققين عن الزمن فكانت إجابتهم موحدة: "عندما تخرجين من هنا ستعرفين"، لافتةً إلى أنّ هذا الأمر يظهر بوضوح تعمدهم إخفاء الزمن، لأنّهم يعلمون كم هو مؤلم أن يعيش الإنسان تائهاً بلا معرفة للوقت الذي يعيش فيه. وعن طقوس العبادة وكيف كانت تؤدي صلواتها التي يُفترض أن تؤديها على وقتها، تقول إنّها كانت تؤديها دون معرفة بدخول الوقت من عدمه. أحياناً، كانت تكرر صلاة الظهر مرتين وثلاث، وفي أحيان أخرى كان تصلي الصلوات الخمس في وقت واحد، عدا معاناتها في مسألة تحديد اتجاه القبلة والمكان، لأنّه لا شيء هناك يدل على الاتجاهات. "فترة التحقيق هي الأكثر قسوةً خلال مدّة الاعتقال، ففيها يتم استخدام أساليب تعذيب متنوعة مثل الشبح على كرسي صغير وتكبيل الأيادي والأقدام وتغطية الرأس بكيس قماشي لأسبوع كامل، وكذلك يُحرم الأسير من النوم ولا يُسمح له بقضاء الحاجة إلّا في أوقات نادرة"، تروي. أيام وليالي طويلة عاشتها حبيب لم ترَ فيها الشمس ولا الضوء. وقت طويل يمرّ لا تدري إنْ كان دخل يوم جديد، أم أنّها ما زالت في اليوم ذاته. تقول: "هذا الأمر ترك أثراً كبير في نفسي، فعدا أنّه مؤلم من ناحية ارتباك الساعة البيولوجية للإنسان فهو أيضاً له أضرار على الجسد الذي يحتاج إلى الضوء الطبيعي من فترة إلى أخرى، لتعمل أجهزته الداخلية بصورة سليمة". وتختم حبيب: "الاحتلال يحاول من خلال كلّ تلك الوسائل أن يفصل الأسرى جسدياً وزمنياً ونفسياً عن واقعهم الفلسطيني وقضيتهم العادلة، فهو يسعى إلى حجر تفكير الأسير، وإيقاف زمنه والتلاعب بساعته البيولوجية، ليبقيه في توتر دائم ويدخله في صراع ذاتي ويعتقد أنّه من خلال ما يفعله يقلص نضاله العام من أجل الشعب". يُشار إلى أنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنساني حظر التعذيب بكافّة أشكاله القاسية والحاطة من الكرامة. وجاء في نص المادة الخامسة منه أنّه "لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو العنيفة اللاإنسانية أو المهينة". وإضافة إلى ذلك، تتضمن اتفاقيات جنيف للعام 1949 وبروتوكوليهما الإضافيين للعام 1977، عدداً من الأحكام التي تحظر على نحو قاطع معاملة المعتقلين بقسوة والاعتداء على كرامتهم.

آثار نفسية وجسدية

يبيّن أستاذ الصحة النفسية في الجامعة الإسلامية في غزة جميل الطهراوي أنّ عدم إدراك الإنسان للزمن في الحالة الطبيعية ينذر بكثير من المخاطر على وظائف الجسم الفيزيولوجية والنفسية، ويؤثر عليها من أبعاد مختلفة، فكيف الحال بالأسير الفلسطيني الذي يعيش حالة خاصّة ويأتيه هذا النوع من التعذيب ضمن سلسة أنواع تعذيب ممتدة يستخدمها الاحتلال بشكل متعمد ضده. ويذكر لرصيف22 أنّ الكثير من الدارسات أشارت إلى أنّ التضارب في الساعة البيولوجية لجسم الإنسان يؤدي في نهاية المطاف إلى الإصابة بأمراض نفسية متعددة، مثل الاكتئاب الذي يسبب التوتر والقلق الدائمين، كذلك يقود الشخص لاحقاً نحو العزلة المجتمعية، والانطواء بعيداً عن الناس، منوهاً إلى أنّ هذا الأمر حدث مع كثيرين من الأسرى بعد الإفراج عنهم. ويوضح أنّ الساعة البيولوجية آلية حساسة، تتولى مهمة تنظيم عمل الجسم ووظائفه المختلفة، بين الليل والنهار وما يتصل بهما من عادات ذات علاقة بالنوم والشعور بالجوع والحاجة إلى الراحة والاسترخاء، والتغيرات في مستوى إفراز الهرمونات.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard