بين الفصحى والعاميّة.. الطيّب بوعلاق ونفضُ الغبار عن موروث الشِّعر الشعبيّ التونسيّ

الثلاثاء 26 فبراير 201912:40 م
كثيراً ما يعود النقاش حول أحقيّة بعض الشعراء أو الكتّاب في المراوحة بين اللّغة العربيّة (أو غيرها) ولهجتهم التي يستعملونها في الحياة اليوميّة. وبغضّ النظر عن نرجسيّة من ينصّبون أنفسهم حكّاماً يوزّعون الألقاب، ويعطون التصاريح لاستعمال الفصحى أو الدارجة، تبقى الإشكاليّة أعمق وأكثر تعقيداً من مجرّد خلاف أو تعصّبٍ لجهة دون أخرى. والحقيقة أنّ السؤال عن الكتابة عمّا إذا كانت بالعاميّة أم بالفصحى أم بالاثنين في آنٍ واحد يعتبر مغالطة. إذ عادة ما يحمل السؤال في طيّاته بذور إجابة تعكس من الوهلة الأولى ضرورة حتميّة تتمثّل في ضرورة الاختيار وإجباريّة التَّموقع في شقّ على حساب الآخر. فماذا لو كانت الدارجة وعاء/وسيلة للتعبير عمّا يختلج في الصّدور من مشاعر، وعمّا يؤرّق النّفس ويؤثّر في حياة الشاعر؟ يبدو أنّ الطيّب بوعلاق فطن إلى فخّ السؤال وتجاوزه ضارباً بكلّ العراقيل عرض الحائط؛ فهو، وإن راوح في كتاباته بين العاميّة والفصحى، فإنّ الأولى كان لها نصيب الأسد في مدوّنته. وقد فتح بوعلاق أفقاً جديداً للكتابة الشعريّة بالعاميّة، مفجّراً أسئلة حول الأسلوب، داعياً القارئ إلى نفض الغبار عن موروث الشِّعر الشعبيّ التونسي، لا من أجل تزويقه بهدف "الاستعادات" بل للتمعّن في مميّزاته وتجاوزه إلى محطّات جديدة.

عُدَّة الشّاعِر لَهجَتُهُ؛ الدّارجة منفلتةً من عُقالها

منذ أواخر القرن التاسع عشر وصولاً إلى أواخر القرن العشرين، نشطت الحركة الأدبيّة في تونس، وكان معظم الشعراء يقتصرون على كتابة الأغاني بالعاميّة. في حين ركّز أغلب أعلام تلك الحقبة على الفصحى بهدف الانتشار العربي أو إثبات الذات انطلاقاً من قناعات إيديولوجيّة. في شعر الطيّب بوعلاق تنفلت اللهجة من حواجزها، وتتخلّص من سجنها الذي كبّلها لسنوات طويلة. والمتمعّن في نصوصِه لا يمكن أن يمرّ دون استنتاج بديهيّ، وهو أنّ الكتابةَ متشبّعة بشعر البوادي والأرياف الذي كان طاغياً منذ عقود مقارنة بشعر الحواضر.
قد كشفت نصوص بوعلاق أنّ العاميّة لا تمثّل عائقاً بل يمكنها، على العكس، أن تتيح فرصة لاستدعاء صور شعريّة ومرجعيات متعدّدة.
لِشعرِ الطيّب بوعلاق خاصيّة يتفرّد بها مع جيله من الشعراء، وهي تسليط الضّوء على مخزون لغويّ متداول يتعامل معه الشاعر كالمغامر المكتشف، وعالم الآثار الذي يزيح الغبار عن مصطلحاته.
واللافت أنّ مرجعيّات الشاعر هي المزج بين الشعبيّ، والجاهليّ الفصيح، والشِّعر الحرّ. أطياف متعدّدة تقتحم النّص دون أن تفقده أساسه وخيطه الرابط؛ فالقصيدة تُبنَى انطلاقاً من مفارقات وأحداث يستبطنها الشّاعر فتخرج من وجدانه دون أيّة قيود أو تفكير مسبق في العقبات العروضيّة. لذا نجح صاحب ظلّ غياب في تطويع المخزون اللّغوي المستقر في لاوعي كلّ تونسيٍّ إلى كنزٍ، إذا ما سلّطنا الضوء على أهمّ جوانبه وأوليناه الأهميّة التي يستحقّها، سنجد أنفسنا أمام صورة شعريّة بمفردات مترسّخة في الشخصيّة التونسيّة. ههنا، تتخلّص القصيدة من أعباء المقاييس والقواعد، وتنتج إيقاعها الباطنيّ الخاصّ بها بعبارة الناقد والشاعر العراقي عبد القادر الجنابي. فقد كشفت نصوص بوعلاق أنّ العاميّة لا تمثّل عائقاً بل يمكنها، على العكس، أن تتيح فرصة لاستدعاء صور شعريّة ومرجعيات متعدّدة.

الذّاتي في شعر بوعلاق؛ أثر الفراشة لا يزول

يبدو أنّ المحيط الذي يكبر فيه المبدع لا يمكن أن يكون بمعزلٍ عمّا يكتبه، وعن العمليّة الإبداعيّة بشكل عام. فالشّاعر التونسي الطيّب بوعلاق لا يخفي "تونسيّته"، بل يعرضها جليّة للعيان، تظهر للقارئ وتنكشف منذ الأبيات الأولى في أغلب نصوصه. ثمّة نبرة خاصّة في الشعر بالدارجة؛ خيط رفيع رابط بين الفضاء اليومي من جهة، وفعل الكتابة من جهة أخرى. إنّه تمشّ صعب يتمثّل في إيجاد مجالات جديدة من خلال إعادة تطويع اللّهجة للتعبير عن ثيمات كانت، على مرّ السنين، حكراً على العربيّة الفصحى. ههنا، تزول كلّ الحواجز بين مفهومَي اللغة واللهجة، وتصبح الفكرة هي التي تقود المعنى، ويتحوّل الحرف إلى مجرّد وعاء للصور الشعريّة. والمتمعّن في شعر بوعلاق يلاحظ أمرين: النبرة الحماسيّة في بعض النصوص والتي تستقي، ربّما، ميزتها من تأثّر الشاعر بالشعراء القدامى الذين كتبوا بالفصحى؛ ومحاولة التجديد التي تأخذ أشكالاً متعدّدة، ويدفع بها الشاعر إلى أقصاها في استعادة أسلوب شعراء كالسيّاب أو نازك الملائكة، مروراً بتجارب متفرّدة كالشاعر سَركون بولُص مثلاً أو غيره من التجارب الشعريّة الحديثة. ففي نصّ "حلمي على قدّي" مثلاً تبدو الرمزيّة حاضرة بقوّة: حَيِّدْ عَلَى الكِلْمَة الحامْلَة النِّسْمَة وِمْسافْرَة بْرُوحِي مِالدَّمْعْ لِلْبَسْمَة كِلْمَة كْما الْوَشْمَة هِيَّ المْدَى وْرَسْمَهْ وْهِيَّ لِّي مِنْ بَعْدِي تِضْوِي عَلَى عْرَاسِي وْيا غِيمْ يا مْعَدَّي حيّدْ على راسي يتّسم أسلوب الطيّب بوعلاق بالمراوحة بين التلميح والتصريح، مولياً اهتماماً كبيراً بصوره الشعريّة التي ينحتها بعناية فائقة، فهو كجامع للمفردات المتداولة يومياً، ومرصّف لها في لوحة كبيرة ينتقي منها ما يشاء ويحذف منها الزائد. فيكون عمادُ القصيدة اللهجةَ التي كُتبت بها، والتي تشبه إلى حدٍّ كبير، في مفرداتها، معجماً مألوفاً للعامّة، وهو ما يخلق جوّاً حميمياً بين الشاعر ونصوصه والقارئ. فيرى هذا الأخيرُ نفسه في جوٍّ يعرفه، ولكن في كلّ مرّةٍ يكتشف جانباً مخفياً يفاجئه بالظُّهور؛ فالنصّ مولّد لإيقاعه الذاتيّ، وهو ما يسمح لأغلب نصوص بوعلاق أن تُلَحَّنَ وتُغنَّى.

دارجتُنا مادّة خام: نصوص تتلقفّها النوتات

ثمّة مجموعة من القصائد الشهيرة التي ذاع صيتها بفضل ملحنّين عباقرة، استطاعوا أن يلمّوا بالنصّ، مسلّطين الضوء على جوانب لامرئيّة فيه، تنكشف للمستمع بالموسيقى التي يضفونها عليه. والحقيقة أنّ نصوص بوعلاق تبدو جاهزة تنتظر من يتلقفها؛ فالشّاعر كتب العديد من القصائد (نسج خيال، الباهية، بعض الكلام...) لمجموعة عيون الكلام التي تتكوّن من آمال الحمروني وخميّس البحري الذي تولّى التلحين في أغلب الأحيان. ولأنّ دارجتنا تحمل في طيّاتها موسيقى خاماً، فإنّ مهمّة الملحّن تبدو متمثّلة في مسايرة الإيقاع الأوّليّ الذي يتضمّنه النصُّ الذي يتسيّد ويفرض نواميسه. في أغنية نسج خيال، تُفتتح الأغنية بوَصلةٍ بآلة العود التي تنتهي بإيقاع انسيابيّ مستقرّ هادئ، وكأنّ اللّهجة تفرض حدوداً وتصوّر مجالاً للموسيقى، إذ لا تلتهم الإيقاعاتُ الكلماتِ كما يحصل في أغلب الأحيان مع الكثير من القصائد. وهو تمش يتكرّر في أغانٍ أخرى كتبها الشاعر لمجموعات أخرى مثل جسور الموسيقى. لِشعرِ الطيّب بوعلاق خاصيّة يتفرّد بها مع جيله من الشعراء، وهي تسليط الضّوء على مخزون لغويّ متداول يتعامل معه الشاعر كالمغامر المكتشف، وعالم الآثار الذي يزيح الغبار عن مصطلحاته، ويعيدها إلى سيرتها الأولى لتستعيد بريقَها. فتبدو اللهجة التونسيّة وسيلة للتعبير عن المشاغل والهموم والحبّ وغيرها من القضايا التي تشغل الإنسان، ولكن بشاعريّة فائقة وأسلوبٍ متفرّد.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard