جامعة تخلو من أي مكان للصلاة: أو لماذا "نكره" المؤمنين؟

الاثنين 25 فبراير 201907:38 م

يتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورة لإعلان يتوجه لطلاب إحدى الجامعات الخاصة بإعلامهم أن الجامعة تخلو من أي مكان مخصص للصلاة! شكّل هذا الموضوع حدثاً جديداً بعد النقاش المحتدم حول الزواج المدني الذي طبع الحوارات على منصتي فيسبوك وتويتر. فمن كان بالأمس يطالب بحقه بالتعبير والزواج كما يريد، أصبح اليوم مؤيداً لمنع المؤمنين من حقهم بالصلاة، ومن كان ضد الحق بالزواج المدني ويريد منع الآخر من حقه بالتعبير، أصبح اليوم مطالباً بحقه بممارسه شعائره. في هذا المقال، قراءة نقدية لسلوكيات العلمانيين وموقفهم من هذه القضية.

لماذا نكره المؤمنين؟

في علاقتنا مع المؤمنين مزيج من الكره والفوقية. فلنعترف نحن مدّعي الانتماء للفضاء المادي عموماً بأن علاقتنا بالمؤمنين ترتكز على نفيين أساسيين؛

أوّلًا نرى فيهم أشخاصاً ذوي ذكاء متدنٍ بشكل عام. لا لشيء سوى لإيمانهم. نستنبط اسوأ نماذجهم. ننمطها. نعممها. ونتخذها نموذجاً. يعكس هذا حالة الفوقية التي تعتبر أن العلم قد اكتسبها على حساب الدين عبر البحث الميداني والقرينة المادية المثبتة لحقائق الأمور. المشكلة هنا ليست في الجدل حول أحقية العلم على الدين، ولكن المشكلة هي في اقتناعنا بحقنا بنسب منجزات البحث العلمي وقرائنه لذواتنا الشخصية وكأننا إمتداد لداروين وماركس ودرخايم وفيبر وصولاً لأينشتاين وغيرهم من العلماء. بلحظة ما وبمجرد خروجنا عن الإيمان الديني عن قناعة أو علم أو جهل ننسب أنفسنا وبشكل تلقائي لتلك البوتقة، فنعتبر أن تعبيرنا المباشر هو امتداد لها. وبالتالي نُكسب ذواتنا وآراءنا مشروعية لم نشارك بصنعها أو حتى بالسعي للانتساب إليها ورفدها. هنا يصبح أي ملحد أو مدعي العلمانية منصباً لنفسه في موقع التفوّق على الديني لا لشيء سوى لانتسابه لخيار مادي معين بغض النظر عن مضمون تعبيره الشخصي أو عن مساهمته في هذا الخيار. بالتأكيد ليس المطلوب من عموم الملحدين واللادينيين أن يكونوا بمستوى ذكاء وفطنة داروين وآينشتاين وماركس على سبيل المثال. ولكنه عليهم في الحد الأدنى الاطلاع أو امتلاك مضمون ما يبرر ادعاء التفوق هذا.

ثانياً، ننفي على الديني إمكانية استيعابه للاختلاف أو لتعايشه مع آخر. وفي الوقت عينه كاستكمال لأسطورة التفوق المادية (التي نعتبر أنفسنا امتداداً لها) نبني الشخصية المعنوية (بورترية) المؤمن على شاكلة الفرد المنتمي لجماعة لا تتعايش مع التنوع ولا تقبل الحوار. هنا يصبح استعمال تعابير مهدي عامل حول الموت في التماثل والحياة في الاختلاف من أبرز الأدوات التي تستعملها انتقائياً في حملة التنميط والتعميم التي نخوضها. ولكن ما يسقط عنا هنا هو مقدرتنا كأفراد ماديين على تقبل الاختلاف والآخر. لا أتكلم هنا عن تقبل الآخر المؤمن أو الديني فهو بالنسبة لنا كعلمانيين متفوقين ليس بنَدٍ. ولكني أتكلم عن مدى تحملنا للاختلاف حتى بين العلمانيين أنفسهم أو بين الديمقراطيين أنفسهم. هل يمكن لفرد إذا ما اختلفت قناعته عن رأي الجماعة العلمانية الاستمرار في علاقاته الاجتماعية مع أفرادها دون الخوف من الإقصاء. هنا أيضاً، يُنسب المادي أو اللاديني لنفسه بشكل ميكانيكي قيمة أساسية، وهي قيمة تقبل الآخر في حين ينفيها عن المؤمن. فمثلاً ينسى التروتسكيون المنتقدون لعدم تقبل الآخر أي خلل في سلوكيات تروتسكي قبل الثورة البلشفية العظيمة وخلالها وبعدها. مثلهم يفعل الستالينيون وحتى عتاة العفلقية والناصرية عند العرب.

المشكلة إذاً ليست بالخيار اللاديني أو العلماني بل في سلوكيات الأفراد والجماعات المنتسبة له. هنا علينا التأكيد أنه في حين أن الخروج عن الدين هو خيار متاح للجميع، علينا الانتباه إلى التجديف أو الإلحاد أو اللاديني لها منهجية تفكير وتطبيق علينا احترامها. والتي يمكن تسميتها بـ إبستمولوجيا التجديف.

المشكلة هنا ليست في الجدل حول أحقية العلم على الدين، ولكن المشكلة هي في اقتناعنا بحقنا بنسب منجزات البحث العلمي وقرائنه لذواتنا الشخصية وكأننا إمتداد لداروين وماركس ودرخايم وفيبر وصولاً لأينشتاين وغيرهم من العلماء.
ننفي على الديني إمكانية استيعابه للاختلاف أو لتعايشه مع آخر. وفي الوقت عينه كاستكمال لأسطورة التفوق المادية (التي نعتبر أنفسنا امتداداً لها) نبني الشخصية المعنوية (بورترية) المؤمن على شاكلة الفرد المنتمي لجماعة لا تتعايش مع التنوع ولا تقبل الحوار.
أجد أن الكثيرين من مؤيدي المنع يستعملون حجة عدم تقبّل الآخر من قبل المصلين لمنعهم من ممارسة صلاتهم التي لربما هي الفعل الاجتماعي الوحيد الذي يميزهم عن أقرانهم من غير المؤمنين. هي عملياً تعبيد كيدي بحت.

ترانا اليوم أمام جمهرة من العلمانيين المنفتحين على الآخر المطالبين بالحرية المطلقة يفاخرون بأهمية منع الديني المختلف عنهم من ممارسة فعل اجتماعي كالصلاة لا  لشيء سوى لكونه في الجوهر (بحسب اقتناعهم) فعلاً اجتماعياً يحصل في غير محله كما يقول البعض. فالجامعة ليست للصلاة. أو كونه فعلاً لا يحترم الاختلاف. سأتخذ من هاتين النقطتين مدخلاً للتعبير عن رفضي:  أرفض اللادينيين لحق الدينيين بالصلاة في الجامعة.

أولاً، من نافل القول بحصر دور الجامعة بعملية التعلم. وكأن الذهاب للجامعة فقط محصور بالأنشطة التعليمية الكلاسيكية كحضور الصفوف، والمشاركة في حلقات الحوار والمواظبة على زيارة المكتبة والمطالعة. فهل كل فعل اجتماعي نقوم به في الجامعة هو فعل تعلميّ؟ هل الجلوس في الكافتيريا تعلّم؟ هل العمل السياسي والمطلبي تعلّم؟ هل الحبّ والتواصل الاجتماعي بين الطلاب تعلّم؟ هل العروض الثقافية من خارج المنهج تعلّم؟ وهل وهل وهل، كثير هي هذه الـ "هل" ولكن الثابت الوحيد أن تجربة التعلّم الجامعي هي مزيج من كل هذه الأفعال الاجتماعية، فكيف لنا أن نقبل هذه ونطالب بها حيناً ونسعى أو نؤيد إلغاء فعل اجتماعي كالصلاة يمس شريحة كبرى من الناس؟ لماذا نقبل العمل السياسي في الجامعة كفعل اجتماعي أساسي ونرفض الصلاة؟ الجواب الواضح والمباشر، هو أن الصلاة كفعل اجتماعي تمارس ممن هم أدنى منا درجة في معايير التفوق الاجتماعي التي بنينا على أساسها أسطورة تفوق العلمانيين وبالتالي نشرع لأنفسنا الحق بمنعهم عنها.

ثانياً، باختصار شديد، أجد أن الكثيرين من مؤيدي المنع يستعملون حجة عدم تقبّل الآخر من قبل المصلين لمنعهم من ممارسة صلاتهم التي لربما هي الفعل الاجتماعي الوحيد الذي يميزهم عن أقرانهم من غير المؤمنين. هي عملياً تعبيد كيدي بحت. سخرية الموقف أن المطالب بضمان الحق بالاختلاف بالمطلق يطالب بمنع المؤمن المختلف معه من ممارسة حقه بالتعبير المباشر عن اختلافه ألا وهو فعل الإيمان.

أنهي سائلاً نفسي من جديد، لماذا نكره المؤمنين (بالعمق)؟ هل يا ترى لكونهم أكثر قابلية على محاكاة الذات البشرية التواقة للشق الروحاني الذي نفتقده في خياراتنا المادية، فنغرق برد فعل قبلي نمارسه كقبيلة اللادينيين؟

فليصلِّ طلاب الجامعة اللبنانية الأميركية أينما شاءوا وليقم اللادينييون لحماية حقهم بممارسة فعل اختلافهم. ففي هذا وفي هذا فقط نحمي حقنا بالاختلاف عموماً، بالتجديف خصوصاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard