في مديح ترك الوظائف.. وحبّ الأزهار

الأربعاء 27 شباط 201903:11 م

تحرّرت.

يوم أوقفتُ العملَ داخل غرفة المكتب، منكبة على طاولة، خلال دوام قاسٍ لا يراعي تطلعاتي ونزعاتي النفسية، دفقَ إنتاجي أو شحَّه، تلك المراحل التي تشكّل حتماً دورتنا الإنسانية الطبيعية، لا بل حتى أكثر،  دورة التاريخ ودورة العمارة، كما وثّق لها العالمون والباحثون.

ما من شيء إلا ويعلو ويرتفع إلى أن يصل إلى أقصاه، فينهار، ثم يبدأ من أنقاضِه وعليها، بناءً جديداً. تراكم على ركام؛ فركامٌ، يليه تراكم حتى النفس الأخير؛ الرحيل، وترك ما أنجزناه تربة لزرع ينتظر.

يقول الكيميائي الفرنسي لافوازييه"Rien ne se perd, rien ne se crée, tout se transforme”.

لعلّ هذا التحوّل لدى المرء، هو النتيجة التي تأتي بعد كلّ سقوط؛ النهوض قبل كبوة، علينا أن نهرب، ننعزل، نغرق في أنفسِنا لنحقّقه، وإلا علقنا حيث نحن، لا نيام ولا مستيقظون، وبقينا.

خرجت من المكتب إذن، واكتشفتُ أن خلف الشغل بين الحيطان هناك أشغالاً أخرى؛ أوسع؛ أمور لم أكن أعرفها فقط لأنها لم تكن تراد لي. علاقات كنت قد أهملتها أو قولبتها حسب روتين الويكند والعطل. وجدت هوايات كنتُ أضعتها، أو جعلتني غير قادرة على ممارستها، عاجزة عنها بعد أن جمد بردُ الفراق يديّ وأجزاءً من دماغي. استوهمت أن أوانها قد فات ورحل إلى الأبد، غير أن "الزهق" معلّم اكتشاف الذات، واكتشاف الآخرين على حد سواء، و"الإفلاس" غنى لا ينضب، كونه يدفع إلى الرّهان على نحو "صولد وأكبر"، ما دام ليس لدي ما أخسره.

شرعتُ بعد ذلك بمشاريعي وفق ما أستطيع. أنا فيها المدبرة والمنفذة، المحاسبة بدون رأسمال، والسائق بدون سيارة. مصدر إلهامي، بيتي وشوارعي المفضلة وخيالٌ صرت أطلق له العنان بلا حساب. هنا، حيث اللامكان؛ خارج المغلق والمحدّد، جانب حضرتي مديرة العلاقات العامة وقناة البث والمشاركة. شركتي "الوهمية"، لا ضرائب عليها، ولا شريك لي فيها، إلا بعض من يأتون لتخليص شأن ويحلقون في وقت ما تزال الأشياء فيه جميلة؛ قبل الذبول والبهتان، وكلٌّ نحو أفقه المديد.

شرعتُ بعد ذلك بمشاريعي وفق ما أستطيع. أنا فيها المدبرة والمنفذة، المحاسبة بدون رأسمال، والسائق بدون سيارة. مصدر إلهامي، بيتي وشوارعي المفضلة وخيالٌ صرت أطلق له العنان بلا حساب.
أما الازهار، فإني لا أمرّ منها مرور الكرام؛ تلك القليلة في شوارع مدينة الباطون، بيروت، تلك الهجينة والمستوردة في محلات بيع الشتول، والأخرى المطرّزة أو المنقوشة أو المطبوعة على الألبسة والشراشف والسجاجيد.

لا أملك إلا الفكرة ووسائلها: قلم وورقة، أصابع ولابتوب أصوغ بها نصوصاً للكبار والصغار، وقليل إضافي أجلبه من حين لحين: أنابيب ألوان وريش، ومؤخراً: سكين. مهلاً! هي ليست من تلك المخصصة للتقطيع، بل لكي أمزج الأطلية ببعضها، وأفردها على سطح الكانفاس الأملس إثر ولادتها فريدة ووحيدة بدرجاتها التي تميزها عن الجاهزة سلفاً والمعبأة.

أرتاد مكتبات بيعِ الكتب والقرطاسيات كما لو كانت مزارات. أيام الفرح بمالٍ قليل إضافي جنيته؛ أيام عبور إحباطات أطردها على عجل. أشتري ما يكافئني أو يواسيني، حسب الموجة. وحصل أن رأيت السكاكين معلقة على "ستاند". ولأني وجدتها رخيصة، تناولتُ واحدة منها وقلت: لأجرّب، وأرَ ماذا سيحصل؟ كنت قد لمحتها بأيدي رسامين، ولكن لم أتوقف عند مشهد "لعبهم" بها ولا مرّة؛ فبالنسبة لي الرسم بالريش هو المألوف. ومع هذا، ما تزال هذه الوسيلة تشكّل لي تحدياً وصعوبة؛ ازدواجية القلق من الفشل مع جموح الفضول وحبّ التجربة.

بين الرسم والكتابة أجد شبهاً وخطوط تشابك؛ ففي الاثنين هناك ميلٌ لجعل الأبيض يمتلئ، لأن تعاد الصورة وتتمثّل عبر أسلوب لا يخلو من إسقاطات، إشعارات، ومشاعر. والحقيقة إنني لا أبحث عن هذه الصور قصداً، بل تأتيني لوحدها، وتلفت نظري إليها. "توك، توك، توك"، تدق على جمجمة راسي، على أبواب جفنيّ، وطبلتيْ أذنيّ لتنذرني بوجودها. تمسكني من ثيابي كي أمشي على الطريق وحدي وأنظر إليها.

باتت كلُّ عناصر محيطي مصدراً للكتابة أو الرسم. تجعلني أفكر وأتذكر، فأصوغ تعابير وتوليفات. أما الازهار، فإني لا أمرّ منها مرور الكرام؛ تلك القليلة في شوارع مدينة الباطون، بيروت، تلك الهجينة والمستوردة في محلات بيع الشتول، والأخرى المطرّزة أو المنقوشة أو المطبوعة على الألبسة والشراشف والسجاجيد؛ تستدعيني تفاصيلها كلّها، في تدويرِ أو تسنينِ بتلاتها وأوراقها، في رقّة أو سماكة غصونها.

أنا التي لا تجيد فنون الطبخ، أدخل المطبخ، أقلبه مشغلاً، أدهن البنّيَّ الذي كوّنته بمقاديري بواسطة سكيني، فوق القماش المشدود، كما عندما أمرغ الشوكولا للأطفال على توست السندويشات التي أحضرها للمدرسة.

يوم ولدتْ خلفية أولى لوحاتي التي أعمل عليها الآن، قرّرت بديهياً أن تكون مجموعة عن الأزهار: الورد، رمز الحب؛ زهر الليمون، أستعيد طعم مائِه في ما قضمتُ من حلويات صنعتْها أمي؛ اللافندر المفضل لدي، يلطّف داء الشقيقة عندما يصيبني فيطرحني في سريري نهارين وليلة؛ وأقحوان، وسوسن، ونرجس، وشقائق نعمان، عصافير الجنة، والأوركيد الذي لم يتفتح بعد.

يملي علي لا وعيي، كلَّ مرة، بثلاث أزهار فقط. أسأله: لماذا؟ فيحاول الردّ. ربما تماهياً مع البيوت اللبنانية القديمة التي أعشقها، حيث أن واجهاتها تتألف دائماً من ثلاث قناطر، علامة التّرحاب والمحبة. ويقال إنه لهذا السبب نطبع، في مجتمعنا، على خدود زوّارنا ثلاث قبلات عند الاستقبال والتوديع. ثلاث أيضاً كما في زيتية رافاييل الشهيرة "النعم الثلاث": الغبطة، الوفرة، والروعة؛ تعكسها ثلات نساء يدرن عاريات إلا من تفاحة يحملنها بأناقة. ويحكى أيضاً عن إناث الطيور بأنها، قادرة فقط على تمييز رقم "ثلاثة" وحده بين الأرقام. فهي إن وضعتْ ثلاث بيضات، وحلّقت، ثمّ عادت ووجدت واحدة مسروقة، تعرف وتتنبّه، في حين لا تفعل إذا كان عدُد البيضات أكبر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard