الكيكُ المثليّ.. (الجزء الثاني) حكاية الشابّ الذي هرب من بيروت انتصاراً لطبيعتِه

الثلاثاء 26 فبراير 201901:23 م
-لن أسامح أبي ما حييت، ليس على ما فعله بي، بل على ما فعله بأمّي وأخي." يضيف أحمد بغصّة، وعيناه تلتمعان بدموع لم تنزل. "عندما سمع من أحدِ حرّاسِه بأنني على علاقة بأحد الرجال، طَرَدَ ذلك الحارسَ فوراً، لكنه وكّل أيضاً أحد رجاله الخلّص بمراقبتي ليل نهار، إلى أن تأكّد أنني على علاقة بذاك الرجل. هنا حلّت الكارثة. عرف والدي بأن الطامة الكبرى سوف تحلّ به إذا ما تسربت أخبار مثليتي، سيّما وأننا كنا على أبواب الانتخابات في مجتمع يدّعي المحافظة والتدين، ويهتمّ بالمظاهر قبل كلِّ شيء آخر. رشف أحمد من كأسِه، واسترسل بحرقة: -عندما تيقّن من "انحرافي"، كما يسمّيه، وعزمي على القضاء على حياته السياسية كما يدّعي، دخل إلى غرفتي ذات ليلة، وأقفل البابَ وراءه بالمفتاح. بقي حارساه خارجاً، وأمي كانت في المنزل أيضاً. بدأ بلكمي على رأسي إلى أن وقعتُ أرضاً. ثمّ بدأ يركلني في كلّ أنحاء جسدي. فكّ حزامه وبدأ بجَلدي، ثمّ عاد إلى ركلي مجدداً، ولكمي على رأسي. نزفت وأغمي عليّ، فتركني، وغادر الغرفة. لم يجرؤ أحد على الدُّخول إلى غرفتي، حتى أمّي. في الصباح جاء مرافقه، واصطحبني إلى السيارة، وأخذني إلى عيادة أحد أشهر أطباء المدينة النفسيّين. عيادة مترفة، يظنّ الداخلُ إليها أنه يدخل بهوَ فندق بخمسة نجوم. بدا الأمر كلّه مدبراً من قبل. انتظرتُ في غرفة منفصلة أنيقة تتوفر فيها الخصوصية، وأدوات الاستقبال من جهاز القهوة إلى الآيباد، وأريكة طويلة للاستلقاء. عندما دخلتُ غرفة الطبيب فوجئت بوالدي جالساً هناك يدخّن سيجاره، وأمامه فنجان قهوة. الطبيب تجاهل وجودي لبضع دقائق، ريثما أكمل حديثه مع والدي. كما تجاهل الجرحَ النازف في وجهي والكدمات الزرقاء. أكّد لوالدي بكلِّ صفاقة بألا يحمل أيّ همّ، وليعتبرني قد شفيتُ من "إدماني". وأضاف متبجّحاً بأنه قد عالج حالات لا تحصى من هذا النوع من الحالات التي يصنفها تحت خانة الطيش والفراغ وفقدان الهدف في الحياة، والدلع بشكلٍ عام. قال: ثلاثة أشهر في المصحّ للعلاج، وتستلمه "طبيعياً" من عندنا. طبعاً لكلِّ شيء ثمنُه، ومن حالات كهذه، كان الطبيب قد جنى ثروةً طائلة من زبائنه الأغنياء. تصوروا أنهم ألبسوني تلك سترة البيضاء، واقتادوني إلى مصحٍّ للأمراض العقلية. طبعاً لم يفعلوا شيئاً في المصحّ غير سجني وإعطائي بعضَ المهدّئات عندما كانت تعتريني نوبات غضب من احتجازهم لي. جاءت أمي لزيارتي مرّة واحدة فقط. لم تحتضنني أو تقبّلني، أنا الذي كنت ابنها البكر، ومصدر فخرها وإنجازها الأكبر في حياتها، حتى ذلك اليوم. كانت ضمناً مع أبي، تعتبر أن الجرم الذي ضُبطتُ متلبّساً فيه من مثلية هو انحراف، إدمان، وخطأ ما يستحق العقاب حتى أرتدع. ولكنني عرفت من عينيها أنها ترفض أن تصدّق أن ابنها هكذا، فتعاملت مع الأمر وكأنه كابوس يجب أن نصحو منه. ثلاثة أشهر في السجن، تَخللها محاضرات "توعية" عن مخاطر المثلية، ومنها مرض نقص المناعة المكتسب، بالإضافة إلى رجل دينٍ كان يلقي عليّ العظات عن عذاب جهنّم. صرختُ به ذات مرة بعد أن طفح الكيل: جهنّم هي هنا! الآن ومعكم في هذا المكان المليء بالنِّفاق! كانت حوادث كهذه تنتهي بعقابٍ هو إبرة منوّمة تجعلني أنطرح نائماً يومين أو أكثر. ثلاثة أشهر قضيتها في الجحيم، انتهت حين جاء أحد سائقي والدي، ونقلني إلى البيت. طبعاً لم يأتِ أحد من أهلي لاستلامي، فلو شوهدوا أمام تلك المصحّة لقام البلد ولم يقعد، ولصرنا حديث كلِّ وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة.
في الروضة، كان يأتي المصوّر، ويأخذ صوراً تذكارية للأطفال في الصّف. وتلك السنة قرّروا أن يقف كلَّ صبيٍّ بجانب فتاة، ويتصوّران كعريس وعروس، وقد أمسكوا بالأيادي. أنا وحدي مسكتُ يدَ صبيٍّ آخر، وأصررتُ على أن نتصوّر معاً.
ذات سهرة موسيقية راقصة لفرَقٍ من منطقة البلقان، في أحد نوادي المثليين الكثيرة في المدينة، ولا أدري كيف اقترب منّي ذلك الشاب الوسيم، الطويل، الأشقر، وسألني: من أيّ بلدٍ أنت؟
وصلتُ إلى البيت، ولم يكن هناك أحد. توجّهتُ إلى غرفتي فوراً. بدّلت ملابسي، وأخذت مبلغ ألف دولار كنت قد خبأتُه في خزانتي سابقاً، وغادرت. اتجهتُ بتاكسي مباشرة إلى المطار. هناك على شاشة المغادرة، وجدتُ طائرة تقلع إلى إسطنبول بعد ساعة، ولا حاجة للفيزا. اشتريتُ بطاقة بأربعمئة دولار، وطرت. طرتُ قبل أن تصل واقعة هروبي إلى أبي. كان ذلك في أوائل حزيران يونيو. في إسطنبول قضيتُ الأسبوع الأوّل متنقلاً بين مقاهي الانترنت، إذ لم يكن لديّ ما يكفي من المال للنزول في فندق. هناك حاولت التواصل مع أصدقائي في بيروت، ومع أمّي، لمعرفة ما حصل بعد أن انتشرت قصة هروبي. طبعاً عندما علم أبي من عميد صديق له في المطار بأنني سافرتُ، جنّ جنونه، وصبّ جام غضبه على أمّي، ككلّ الرجال في مجتمع أبويّ ذكوريّ كمجتمعنا. صرخ بها: "إنها نتيجة تربيتك الفاسدة، وتدليلك له." وانهال عليها بالصفعات على وجهها، صارخاً: "لو كنت عرفت كيف تربّينه، لما وصلنا إلى هنا." لكنّ الأمر لم يتوقف على نوبات صراخ وتعنيف، بل طردها من البيت هي وأخي بدون أيّ شيء. هكذا بكلّ بساطة، بعد أكثر من خمس وعشرين سنة من الزواج طردها خارجاً. لم يدعها تأخذ حتى ثيابها، وهي لم تجد من يدافع عنها. حتى الذين أشفقوا عليها، لم يجرؤوا على مساعدتها خوفاً من نفوذه. ولكن حتى نفوذه لم يدم، فبعد انتشار الفضيحة في المدينة خسر والدي الانتخاباتِ، واضطرّ لاعتزال الحياة العامة بعد العار الذي لحق به. فانكفأ يتابع أعماله التجارية فقط، بعدما فقد مكتب المحاماة. تزوّج مرة أخرى، وأسكن زوجته الجديدة في البيت الذي صنعته أمي.. أتعلمين جوليا؟ -يتابع بحرقة-: تزوج من امرأة أصغر مني سنّاً، في الخامسة أو السادسة والعشرين، ولديه الآن طفل صغير." اختنق صوته. شرب من كأسه، وقال: -أتدرون؟ أكثر ما يؤلم في الأمر أن أخي الذي طرد من البيت الذي وُلد وتربّى فيه، وتطلّقت والدته ورُميَت في الشارع، لم يعرف السبب. لقد كان أهونَ على والديَّ كليهما أن يموتا على أن يقولا لابنهما الأصغر بأن أخاه الأكبر "مش طبيعي". سرعان ما عرف عبودي من كلام الناس، وهنا كانت الصدمة الأخرى. لقد ثارت ثائرته، وطلب من أمّي الامتناع عن التواصل معي ونبذي، وهي، خوفاً من أن تفقده هو الآخر، أخذتْ تتكلّم معي سرّاً. عاشت هي وأخي عبد الله في غرفة وحمام في إحدى الضواحي؛ هي بنت العائلة الأرستقراطية وزوجة السياسي المهمّ، وبعد أن عاشت كلّ حياتها في الطبقة المخملية، دون أن تعمل يوماً خارج منزلها. اضطرّت أمي للعمل كسكرتيرة في إحدى الشركات في الضواحي؛ عمل دبّرتْه لها سرّاً إحدى القريبات المتعاطفات معها. في هذه الأثناء، انتقلتُ أنا من العيش في مقاهي الانترنت والأرصفة إلى صوفات المعارف الجدد في أحياء إسطنبول. كان ذلك مهمّاً جدّاً، خصوصاً بعد حوادث التحرّش العديدة، بالإضافة إلى محاولة الاغتصاب التي تعرضتُ إليها." ـ ولكن كيف وصلتَ إلى ألمانيا؟ يسأله أحد الأصدقاء في الحلقة، والذين لم يكونوا على معرفة بالتفاصيل من قبل. ـ ألا نؤجل ذلك لجلسة أخرى؟ كفاية دراما لهذه الليلة. ـ لا يا أحمد! أنت ملك الدراما. أرجوك تابعْ. لا يمكنك أن تتوقف في منتصف القصّة. إنها عادة أحمد، يريدنا أن نرجوه للمتابعة، وإن كان يتحرّق شوقاً للكلام. فهو يريد أن يشعر بوقعِ قصّته على الآخرين، ويتأكد من أنه محور الاهتمام، وكلُّ العيون عليه في المكان.

-وصلتُ برلين، وأدركت فوراً أنني غريبٌ هنا، وعليّ أن أبدأ من الصّفر. كنتُ أعرف شخصاً واحداً في المدينة؛ لا نقود لديّ، لا أحد يعرفني، ولا أحد يعرف اسم أبي، وهذا هو الأهمّ. رغم ألم الانسلاخ عن الجذور، أحسستُ بحرية وانعتاق لم أعرفهما في حياتي من قبل؛ إنه التحرر من القيود التي نولد معها في مجتمع يعرفنا منذ الولادة، ويحصي علينا أنفاسنا، والعبور إلى ذلك المكان الذي لا يعرفنا فيه أحد. مكان جديد لا وقع لاسمِ عائلتي المهمّة فيه على أحد. أنا لا أحد؛ لذا بإمكاني أن أكون أيّ أحد، وكلَّ أحد. أدركتُ بالفطرة أنّه لا عودة، وقلتُ في قرارة نفسي: وداعاً بيروت.

-ولكن، عفواً على المقاطعة يا أحمد، سألتْه نينا، أنت متى أدركتَ أنك مثليّ؟ ألم تخرج في حياتِك في موعد مع فتاةٍ مثلاً؟

ـ تعرفين؟ كنتُ أعرف أنني مختلفٌ منذ كان عمري أربع سنوات. في الروضة، كان يأتي المصوّر، ويأخذ صوراً تذكارية للأطفال في الصّف. وتلك السنة قرّروا أن يقف كلَّ صبيٍّ بجانب فتاة، ويتصوّران كعريس وعروس، وقد أمسكوا بالأيادي. أنا وحدي مسكتُ يدَ صبيٍّ آخر، وأصررتُ على أن نتصوّر معاً.

ـ هه هه، جميل! وما كانت ردّة فعل المعلّمة؟

ـ لقد ضحكوا، وتركوني أتصوّر مع الصبي، فقد كنّا مجرّد أطفال. كان ذلك أوائل الثمانينيات. ولكن حين كنتُ في العشرين من عمري، كانت لديّ صديقة حميمة، وكنّا مخطوبيْن. استمرّت علاقتُنا لسنةٍ أو أكثر. كنتُ أدرك أنني مثليّ، ولكنها كانت محاولةً مستميتةً، جرّبتُ فيها أن أغيّر نفسي.

ـ لكن هل أحببتَ تلك الفتاة؟ هل قبّلتَها؟ هل حدث شيءٌ بينكما؟ أضافتْ نينا مستفسرة.

ـ الجنس أمرٌ سهلٌ جدّاً عندما تكونين في العشرين؛ أمرٌ تلقائي. كنت أمارس معها الجنسَ بشكلٍ عادي. وهي كانت فتاة لطيفة وذكية. نعم، أحببتُها كثيراً، ولكن كصديقة، وليس كامرأة. وعندما أدركتُ أنه لا جدوى من وجودي مع امرأة، أنهيتُ العلاقة. وكان ذلك في مصلحتها أيضا.

ـ هل بحتَ لها بسبب تركِك لها، وإنهاء العلاقة؟

ـ لا. طبعاً لا. لا يمكن! كانت لديّ مشكلة مع ذاتي، فما بالك بمواجهة الآخرين؟ لم أكن آنذاك بذلك النضج والقوة كما أنا اليوم. المسكينة ربّما ظنّت أنني تركتها من أجل فتاةٍ أخرى. عدا عن ذلك أن والدها كان شريكَ والدي في أعماله.

 ـ ومانفريد؟ كيف التقيتَ بمانفريد؟

ـ في برلين بدأتُ أهدأ، ووجدت متنفساً في مجتمع المثليين النابض بالحياة والحريّة والإبداع؛ من النوادي إلى المؤسسات والفعاليات الثقافية، حتى الحفلات. انغمست في ذلك العالم، ولأوّل مرّة في حياتي شعرتُ بالانتماء، وبأنني لستُ خطأً كبيراً، وذنباً كبيراً وعاراً كبيراً. شعرتُ بالتقدير، وبأنني جزء من مجموعة قادرة وفاعلة ومحترمة. صار بإمكاني أن أعتزّ وأزهو بنفسي وبإنجازاتي.

ذات سهرة موسيقية راقصة لفرَقٍ من منطقة البلقان، في أحد نوادي المثليين الكثيرة في المدينة، كنتُ مع شلّتي، ولا أدري كيف اقترب منّي ذلك الشاب الوسيم، الطويل، الأشقر، وسألني: من أيّ بلدٍ أنت؟

بعد ساعة وجدتُني راكباً وراءه على درّاجته النارية، لابساً خوذة الرأس، وفاتحاً يدي للرّيح. ثمّ، ونحن نقطع ساحة بوتسدامر بلاتز بسرعة، على الحدود تماماً بين برلين الشرقية والغربية، وجدت نفسي أصرخ بأعلى صوتي: أحبكَ.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard