"المطر خير" في كلّ مكان... إلّا في شتاء المخيّم

الثلاثاء 5 مارس 201910:23 ص

كل شيء حولنا يدفعنا دائماً للنهوض والعمل، حتى فكرة الموت تدفعنا نحو الحياة.

كان ذاك اليوم يومًا شاقًا في عملي، رغم أنّني بذلت فيه جهدًا أقل مقارنة بباقي الأيام. كانت الأمطار غزيرة هطلت دون توقف، لعلّها كانت السبب الرئيسي الذي عرقل حركة الناس داخل زواريب المخيم، لأنّ مياه الأمطار اختلطت مع المياه العادمة هنا، وأصبحت "جورة التراشحة" تطلّ على بحر ملوّث يشبه بحرنا الأبيض المتوسط في لبنان.

المطر يعني الخير، لنقل إن هذا ما كنت أعرفه قبل أن أسكن في المخيم وأعمل في صيدلية بداخله. بلا شك لم أغيّر أقوالي إطلاقاً، لأنني أسكن بيتًا دافئًا نوعًا ما، أستطيع أن أطهو أي شيء يحلو لي غير "العدس" لأنني أنا من يطهو الطعام لا أمي، وهذه المهمة أصعب من أن أحتسي "شوربة العدس" كل يوم في فصل الشتاء. حسنًا، أنا أيضاً أملك أسرة جميلة وحنونة داخل الصيدلية. كما أنني أستخدم المياه الحلوة لخدمات المنزل، لا المالحة على غرار باقي بيوت المخيم. أستطيع حتى أن أشعل سخّان المياه متى أشاء، ولا أتسابق مع أحد كي آخذ دورًا لأستحم. لهذا كلّه، المطر خير.

منذ أن بدأت العمل في صيدلية صغيرة داخل مخيم "برج البراجنة"، صرت أرى أشياء جديدة لم أكن ألتفت لوجودها سابقاً، وأقصد هنا على الصعيدين المعيشي والصحي. إذ إن أمطار الشتاء تعيد رسم خارطة الحياة في المخيم حتى بات من الطبيعي أن ترى نهارات الناس مشغولة بتجنب مستنقعات المياه الوافدة.. أشرطة الكهرباء المتداخلة فوق رؤوس المارّة، والعلب المكشوفة التي لا بد أن واحدة منها ستنفجر على الأقل كل أسبوع.

تخيّل معي أن تفكر في مكان دفنك وأنت لا تعلم متى ستموت!

أما على الصعيد الصحي، فقد عملت سنتين خارج المخيم ولم أر في حياتي مثل هذه الأمراض التي أراها اليوم هنا. لا يوجد سبب واحد أستطيع طرحه لنناقش سبل التخلّص من هذه الأمراض، إلا أنّ عوامل عديدة مجتمعة أدّت إلى تدهور الأوضاع الصحيّة لسكّان المخيم. الاكتظاظ السكّاني هو عامل ذو أهمية كبيرة، البناء العمودي الذي بات يحجب ضوء الشمس من الدخول إلى البيوت، إمدادات مياه الصرف الصحّي العشوائية والكثير من الأسباب التي لا تعد ولا تحصى.

تأقلمت مع أمراض الصدر لدى الأولاد الذين لا تتجاوز أعمارهم السنة وذلك ببساطة نتيجة الرطوبة داخل بيوت المخيم، تقبّلت فكرة مرور طفل على الأقل في اليوم الواحد، يحتاج إلى غرز تجميلية لكي لا يبق الجرح مفتوحًا. إلا أننّي إلى اليوم لا أستطيع أن أرى حرقًا ولا أن أغسله أو أغيّر عليه. وهذا لا يعني أنّني أخاف! لكنني أتذكر فتاة كنت أعرفها احترق جسدها ووجهها وأجرت الكثير من عمليات التجميل، لكن آثار الحروق لا تزال واضحة. حسنًا، ربما وجب عليّ أن أكون أكثر شجاعة وأعترف بأنني أخاف الحروق وأخاف أن أرى الدم ينزف، حتى أنّني أخاف الكثير من الأمراض بدءًا من الانفلونزا وصولًا إلى أمراض القلب، لكن علاقتي بهذه الأمراض أصبحت مقبولة بعض الشيء، لأنّني حفظت الكثير من أسماء الأدوية المناسبة للشفاء منها، أو على الأقل تعلّمت كيفية التأقلم معها.

رغم أنّني تعلّمت هنا أنّ لا مكان للخوف، ولا وقت للتفكير ولا حتى هناك متسع لي داخل الصيدلية لأتنفس بضع دقائق وأهرب من كل الأمراض التي تلاحقني، إلا أن هذا الشعور لا يزال حاضرًا في الكثير من المواقف .لا وقت الآن لأهرب من أسماء الأدوية، أو من علامات القلق التي تسيطر على وجه المريض وأنا أقرأ له تحليلًا للدم. لا وقت لأهرب من التزامي كل يوم بحقنة على الأقل لمريضة تنتظر منذ فترة علاج طويلة خبر حملها. لا وقت لأهرب من حقيقة أن الصيدلية تقع بجانب المستشفى، وهذا يعني أننّي لا أرى فقط المرض بعينيّ، ولكن يمكنني في أي لحظة أن أرى الموت أيضًا وأسمعه.

في المخيّم، تعلّمت أن أصافح الموت كل يوم وأن لا أكثر الأسئلة وأن أتقبل زياراته الخاطفة للكثير من الأحبّة الذين يلقون عليّ السلام صباحًا، وأطلب لهم الرحمة في المساء. عوّدني هذا المجتمع الصغير، أن أرحب بكل زائر، وأن أتأقلم مع فكرة الغياب. الموت بات صديقي هنا، فأنا اعتدت أن أراه. اعتدت حتّى أن أسمع النقاش الذي يدور بين المرضى عن امتلاء مقبرة المخيّم، وأنّهم لا يعلمون أين سيُدفنون إذا ما حلّقت أرواحهم نحو السماء. تخيّل معي أن تفكر في مكان دفنك وأنت لا تعلم متى ستموت

أمطار الشتاء تعيد رسم خارطة الحياة في المخيم حتى بات من الطبيعي أن ترى نهارات الناس مشغولة بتجنب مستنقعات المياه الوافدة.. أشرطة الكهرباء المتداخلة فوق رؤوس المارّة، والعلب المكشوفة التي لا بد أن واحدة منها ستنفجر على الأقل كل أسبوع.
لا وقت لأهرب من التزامي كل يوم بحقنة على الأقل لمريضة تنتظر منذ فترة علاج طويلة خبر حملها. لا وقت لأهرب من حقيقة أن الصيدلية تقع بجانب المستشفى، وهذا يعني أننّي لا أرى فقط المرض بعينيّ، ولكن يمكنني في أي لحظة أن أرى الموت أيضًا وأسمعه.
الناس في المخيم يا أصدقائي، هم أول من يحتفل في أي مناسبة كانت، عيد الحب أو الزواج، أعياد الميلاد أو عيد رأس السنة، حتى أنّهم يستطيعون أن يحتفلوا بعودة الكهرباء بعد انقطاع دام بضعة أيام. هم فقط، يحبّون الحياة.

الحياة هنا أصعب من الموت، لكنّني نسيت أن أخبركم شيئاً عرفته أيضاً. الناس هنا، طيّبون أكثر مما نظن، محبّون للحياة أكثر مما نتخيّل، متمسكون بالفرح أكثر منّا نحن. على الرغم من كل الصعوبات والظروف التي يواجهها الناس هنا والتي تدفع بهم نحو الموت لا يزال هناك شيء يدفعهم نحو الحياة.

الناس في المخيم يا أصدقائي، هم أول من يحتفل في أي مناسبة كانت، عيد الحب أو الزواج، أعياد الميلاد أو عيد رأس السنة، حتى أنّهم يستطيعون أن يحتفلوا بعودة الكهرباء بعد انقطاع دام بضعة أيام. هم فقط، يحبّون الحياة.

سأذكركم أن لا شيء سيتغير بعد كل احتفال. لن يقل مبيع أدوية السكري والضغط ومسيّل الدم ولا حتّى أدوية الاكتئاب من الصيدلية. لن يخفف الطبيب عيار الدواء لهذا الطفل الصغير الذي يعاني من الصرع، لن تستطيع هذه المسنّة أن تركض وراء أحفادها دون أن تشعر بآلام المفاصل، ولن يكف الصغار على أية حال عن البكاء من آلام المغص. لن يتغيّر شيء، إلا أن هناك رقماً سيزيد في عمر الاحتفالات والحب لهذا المخيم.

كما عليّ أن أبوح لكم بسرٍ اكتشفته أخيراً. منذ أقل من أسبوعين مرّ عيد الحبّ على المخيم، وفي مثل هذه المناسبة لا وقت لشراء الدواء. أبو محمد، هذا الرجل السبعينيّ اشترى قالب حلوى لعائلته على غرار باقي الناس بثمن علبة دواء السكري. هو يريد فقط أن يجتمع أفراد الأسرة ليحتفلوا بعيد الحب الذي لا يعلم عنه شيئاً، وليحتفل هو بيوم إجازة من الدواء.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard