جزائر 22 فيفري: توسّع ميدان المُمكن

الخميس 28 فبراير 201905:06 م
"استنّوا النّاس يخرجوا من صلاة الجمعة"، هكذا كتب الجميع بعدما اعتقلت الشرطة المتظاهرين القلائل الذين كسروا الصمت على الساعة التاسعة من يوم الجمعة 22 فيفري (شباط/فبراير). ساحة "أول ماي" التي تربط حي "بلوزداد الشعبي" بشارع "حسيبة بن بوعلي" وتصعدُ حتى حي المرادية حيث مبنى الرئاسة، كانت زرقاء من شاحنات الشرطة وخوذهم الزرقاء. بقيتُ أتابع من البيت، حتى الصباح لم أكُن قد حسمتُ أمري بعد في الخروج، طيلة الأسابيع الماضية لم أكتب حرفًا حول العهدة الخامسة لبوتفليقة، كنت غاضبًا ويائسًا وأحاول التغطية على كل هذا بالسخرية. عكس سنة 2014 حيثُ كنت أريد أن أكسّر الدنيا ولكن الشرطة كسرت العشرة أشخاص الذين تجرأوا على الشارع في العاصمة. تفقّدت صفحة صديقي بيدو على الفيسبوك، وجدته يقول أنه وصل إلى وسط العاصمة، وأكّد تواجد الأمن في كل مكان، قال أنه سيختبئ حتى ما بعد الصلاة. لم أستطع متابعة كل شيء مع شبكة الإنترنت التي كانت الحكومة تُشوّش عليها منذ ليلة الأمس، عادةٌ جديدة تُضافُ لعادة قطع الإنترنت خلال امتحانات البكالوريا لمنع التسريب. مع منتصف النهار خرجت بالسيارة، قطعتُ العشرين كيلومترًا التي تفصلني عن وسط العاصمة. الطريق كانت فارغة. حرفيًا كُنت بلا أمل، قُلتُ أن أقصى شيء يُمكن فعله هو الوقوف من بعيد والتفرّج، لم أعرف مظاهرة سياسية في حياتي، عشتُ ربع قرنٍ في هذا البلد، وُلدت في الحرب الأهلية وعشت في تروما ما بعد الحرب الأهلية... ما علينا. تعمّدت المرور من النفق الذي يعبر تحت ساحة "أول ماي"، رأيتُ الجموع، فهمتُ أن الصلاة انتهت، كانت الساعة تُشير للثانية زوالًا. اتجّهتُ نحو شارع "ديدوش مراد" وركنتُ السيارة أمام جامع الرحمة. نزلتُ راكضاً عبر شارع "فيكتور هيغو"، صدري ثقيل، وما أن اقتربتُ من شارع "حسيبة بن بوعلي" حتى رأيت رجال شرطة يركضون، بالتحديد أمام ساحة حرية الصحافة البشعة التي اعتُقل فيها مئات الصحفيين في السنين الأخيرة. تجمّدتُ، فكّرتُ في صعود شارع هيغو مرّة أخرى، لم أفهم لماذا كانوا يركضون ثم سمعتُ الهتاف "جمهورية مشي مملكة... والحرّاقة ربي يرحمهم." تشجّعتُ واقتربتُ من ناصية الشارع لأفاجئ بمظاهرة قادمة عبر شارع حسيبة من ساحة أول ماي "والحراااااقة ربي يرحمهم"، عرفتُ أهازيج ألتراس نادي مولودية الجزائر. الشرطة حائرة، لم أتراجع، خطوتُ نحو الأمام والتحقتُ بالمظاهرة التي لم أفهم لماذا كانت تتراجع نحو ساحة أول ماي. هناك، في الساحة، رأيتُ المشهد الذي حرّر الثقل من صدري: آلاف المتظاهرين يحتلون الساحة ويحيطون بالخوذ الزرقاء، الناس صاروا أغلبية والشرطة ضاعت وسطهم، ثم جاء الهُتاف "سلمية... سلمية... سلمية" و"ما كانش الخامسة يا بوتفليقة". التقيتُ صديقة صحفية وسط الجموع، كانت أول صدفة، بعدها توالَتْ الصُدف: الكثير ممن أعرفهم كانوا يسيرون وسط المتظاهرين. الكل بين الذهول والفرح، نُشاوِرُ لبعضنا من بعيد ونُكمل المسير. أتابع الفيسبوك فأجِدُ فيديو عن مسيرة باب الواد، مسيرة ضخمة زحفت من باب الواد وساحة الشهداء، جاءت لتُلاقي مسيرة ساحة أول ماي. أرفعُ رأسي فأجدها قد وصلت، يعني أن الشرطة التي رأيتها تُحاول غلق شارع حسيبة قد فشلت. تتحرّك جموع أول ماي لتلتحم بجموع باب الواد، هذه تهتف فتردُّ الأخرى وينمو بداخلي امتنان عظيم لجماهير كُرة القدم. نتقدّم مُبتعدين عن ساحة أول ماي، أسمع الناس يقولون أننا سنذهب إلى البرلمان أو قصر الحكومة، بعد عشرات الأمتار ينحدرُ شارع حسيبة وأكتشف لأول مرّة الأعداد الهائلة للبشر، الشارع أسود، بحرٌ من المتظاهرين يتقدمُ نحو البرلمان. أتفقّد الإنترنت وأكتب لصديقتي الجزائرية المُقيمة بالقاهرة، والتي تُتابع بقلق يوم 22 فيفري خاصة أن عائلتها خرجت، هي التي عاشت ثورة 25 يناير: "شيء لا يُصدق، لا شيء يدعو للخوف، الناس خرجوا مع عائلاتهم."  تبتهجُ وتُرسل لي رابط أغنية "حاسبوهم" للمرحوم رشيد طه
الطريق كانت فارغة. حرفيًا كُنت بلا أمل، قُلتُ أن أقصى شيء يُمكن فعله هو الوقوف من بعيد والتفرّج، لم أعرف مظاهرة سياسية في حياتي، عشتُ ربع قرنٍ في هذا البلد، وُلدت في الحرب الأهلية وعشت في تروما ما بعد الحرب الأهلية... ما علينا.
هناك، في الساحة، رأيتُ المشهد الذي حرّر الثقل من صدري: آلاف المتظاهرين يحتلون الساحة ويحيطون بالخوذ الزرقاء، الناس صاروا أغلبية والشرطة ضاعت وسطهم، ثم جاء الهُتاف "سلمية... سلمية... سلمية" و"ما كانش الخامسة يا بوتفليقة".
العاصمة شيءٌ آخر في بلد بحجم قارة ولكن المركزية تقتله وتخنقه. التظاهر السلمي نظريًا مسموح ولكن القوانين والشرطة يُحرّمانه في العاصمة منذ... أسأل صديقتي متى آخر مرّة كانت هنالك مظاهرة بهذا الحجم في العاصمة؟ تقول أنه منذ ما قبل الحرب الأهلية.
أجد نفسي مع صديقة صحفية أتقدّم نحو البرلمان، تقول لي أن عنابة ووهران وبرج منايل وتُقرت وقسنطينة وفي كل مكان. أحبسُ مشاعرَ كثيرة في صدري، من ساعات فقط لم أكن أتصوّر أني سأخرج، من أسبوع كان كل شيء مستحيل رغم أن صورة بوتفليقة أُسقِطَت من على دار بلدية في خنشلة (الشرق الجزائري) وداسها المتظاهرون. لكن العاصمة شيء آخر، هذا لسانُ حال الجميع. العاصمة شيءٌ آخر في بلد بحجم قارة ولكن المركزية تقتله وتخنقه. التظاهر السلمي نظريًا مسموح ولكن القوانين والشرطة يُحرّمانه في العاصمة منذ... أسأل صديقتي متى آخر مرّة كانت هنالك مظاهرة بهذا الحجم في العاصمة؟ تقول أنه منذ ما قبل الحرب الأهلية، ربما 1991 أو 1992، وتقول أنه في 2011 كانت أصغر بكثير وفي 2009 لم تكن مظاهرة بل احتفالات بالفوز على مصر والتأهل لكأس العالم. ثم تقول باختصار: لم يحدُث شيءٌ كهذا. نسمعُ هتافات السلمية، ونرى الشرطة تتفرّج على أطراف الطريق، نتصوّر أن هنالك تعليمات بعدم التعرّض للمتظاهرين ما داموا سلميين. يرتفعُ هُتاف "FLN dégage" أمام البرلمان، يصير الشارع المفتوح على البحر والميناء أسودَ من المتظاهرين ولكن أقواس مبنى البرلمان تلتقطُ الصوت وتضخّمه، يطالب الناس برحيل حزب جبهة التحرير الحاكم. تخبرني صديقتي أن المظاهرة انقسمت، نحن جئنا إلى البرلمان والآخرون صعدوا نحو المرادية، نحو قصر الرئاسة! وجدتُ نفسي أضحك، كل ما حاولت أن أفهمه أو أكتبه بخصوص المجال العام منذ أيام الربيع العربي سقط في الماء، مسيرة 22 فيفري ساحَتْ في الشوارع والساحات وصعدت حتى اقتربت من قصر الرئاسة، لولا قنابل الغاز والرصاص المطاطي الذي ضربه الأمن خوفًا على قصر فارغ (الرئيس يُقيم في قصر آخر، وسيذهب إلى جنيف يوم غد الأحد لإجراء فحص طبي). أتركُ البرلمان وأتجه نحو المرادية، لأجد المتظاهرين عائدين، ويُشيرون للسيارات كي تلُفَّ وترجع لأن الطريق مقفل والغاز يملأ الجو. أتقدّم قليلًا ثم أتوقف عندما ألتقي صديقي رمزي نازلًا وهو يضحك رغم عيونه المُحمرّة. أتصلُّ ببيدو فيقول أنه استنشق الكثير من الغاز ولكنه بخير، أعود لأنزل نحو الوسط للالتحاق به. أجدُ أن مسيرة البرلمان لفَّتْ وعادت عبر نفق ساحة أودان لتصعد من جديد وتُعزّز ما تبقى من متظاهرين صامدين أمام قنابل الغاز. نقفُ في ساحة أودان لنرى أن شارع محمد الخامس قد صار أسود بالنّاس، شيءٌ لا يُصدّق: كل هؤلاء خرجوا، رجال ونساء وأطفال وعائلات، عشرات الآلاف، الأعداد الأولية تُشير لقرابة 20 ألف متظاهر في العاصمة وحدها. نبقى قليلًا في ساحة أودان، الساعة تقتربُ من السادسة، نبدأ في الضحك عندما نرى لافتة علقّها المتظاهرون وكُتب عليها "لا للعهدة الخامسة"، في قلب العاصمة والشرطة تنظر ولا تستطيع فعل شيء. آخُذ صورة للذكرى وأسمع شابًا أمامي، يُحاول ربط العلم الوطني حول رقبته، يقول لامرأة عجوز: "العلم هذا سرقته، زين ولا واش رايك؟" تضحك العجوز وتقول له أن عليه تفادي السرقة. يُشعلُ الأصحاب سجائرهم ويرتاحون قليلًا. نسمعُ أنباءً عن الوصول إلى مبنى قصر الشعب وتفرّق المظاهرات هنا وهناك، ويحلُّ شعور بالرضى رغم كل شيء. لا أحد يعرف من أطلق دعوة 22 فيفري، البعض يقول "الشعب" والبعض الآخر يقول مصالح الأمن ولكنهم لم يتوقعوا كل هذه المشاركة. لا أحد يعرف من كان يدعو للـ "السلمية"، ولا من كان وراء كل ذلك الخوف من أن يخرج الناس وتتحوّل المسيرة إلى عنف وتكسير للمحلات، أنا أيضًا لا أعرف من كان وراء الدعوة لمسيرة لم أكن أنوي الالتحاق بها، الشيء الوحيد الذي أعرفه هو أن الجزائريين احتاجوا 20 عامًا حتى يكسروا حاجز الخوف ويعودوا إلى الشارع، 20 عامًا حتى يرفعوا ولو قليلًا سقفَ الذل والمسخرة الذي صار ثقيلًا على ظهورهم. النّاس هنا، في العاصمة وباقي المدن، احتاجوا الوقتَ ليتعافوا ممّا مضى وحتى يُسقطوا كل الأوهام وعلى رأسها صُور رئيس غائب. ماذا سيحصل بعد هذا؟ في رأيي، الجواب لا يهم الآن، ما يهم فعلًا هو أن إقليم المُمكن قد توسّع في الجزائر اليوم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard