في الموتِ حياة: عن جورج زريق أتحدث

السبت 23 فبراير 201905:46 م
أحرق جورج زريق نفسه نهار الجمعة الواقع فيه 8 شباط 2019. نتيجة ذلك، اشتعلت مواقع التواصل الإجتماعي بين من كان متعاطفاً مع الرجل وبين أخرين راحوا يلومون زريق على فعلته هذه، معتبرين أنها انتحار. بالمناسبة، منطق جلد الضحية هو المنطق نفسه الذي استخدمته المخرجة نادين لبكي في فيلمها الأخير "كفرناحوم" والحجج التي ساقوها من أجل تبرير جلد جورج هي حججٌ عديدة سنستعرض أبرزها: أولاً: كان يمكن لجورج أن يتجّنب تلك الأزمة بتسجيل أولاده في المدرسة الرسمية الشبه مجانية ربطاً بمنطق أنّ المدارس الرسمية يدخلها أصحاب الدخل المحدود، أمّا المدارس الخاصة فيدخلها أصحاب الدخل المرتفع. إنّ دخول القطاع الخاص إلى قطاع التربية يعدّ واحدة من إفرازات النظام الرأسمالي مسلّعاً لهذا القطاع ومقدمّاً للتعليم بوصفه سلعة لا حقّاً أساسياً منحه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكرسّه الدستور اللبناني. فعلى سبيل المثال لا الحصر، دولتا فرنسا وسوريا تُعتبران من أنجح التجارب فيما خصّ جودة التعليم الرسمي المجاني الذي يتفوق على مستوى التعليم الخاص! لقد لعبت الطبقة السياسية دوراً أساسياً في ترسيخ هذا النهج عند الرأي العام إذ قامت في فترة السلم الأهليّ بضرب وشلّ التعليم الرسمي (الجامعة اللبنانية والمدارس الرسمية) من خلال إضعاف قدراتها التعليمية، وعدم تحديث المدرسة الرسمية، والاكتظاظ في صفوفها، وعدم تحديث المناهج التربوية وربطها بسوق العمل، وعدم مدّ الجامعة اللبنانية بالموارد المالية للرفع من مستواها، وعدم وجود كليات تطبيقية، وعدم تجهيز المدارس والجامعات بالمختبرات، إلخ…
الموت من أجل قضية ما هو أكثر الأفعال شجاعةً بدليل أنّ سيرورة التاريخ أظهرت أن قلّة تموت من أجل البقيّة وليس العكس
في الموتِ هناك دائماً حياة. فهل تتم ولادة التغيير هنا في هذا السياق أم سننتظر حالات أخرى مشابهة ستدفع هذا الهيكل يوماً ما للتداعي والسقوط؟ مسؤوليتنا اليوم كبيرة بحجم الألم الذي ولدّه جورج.
من جهة أخرى، أقدمت الطبقة السياسية الحاكمة على إعطاء تراخيص عشوائية لمؤسسات تعليمية خاصة لا تنطبق عليها أدنى الشروط والمعايير العلمية والأكاديمية. فبرزت عشرات الجامعات الخاصة التي نمت كالفطريات في السنوات الأخيرة وأتاحت للمواطنين التسجيل فيها، مستفيدين من خدمة المساعدة المالية والتي بالمناسبة تُعتبر رشوة غير مباشرة بين صاحب المؤسسة التعليمية من جهة وهو غالباً ما يكون مرتبطاً بإحدى الزعامات السياسية والتلميذ الممنوح تلك المساعَدة من جهة أخرى. تُترجم هذه العلاقة وكأنها في سياق العلاقات الأخرى المكونة في المجتمع، والتي تستتبع تأييداً أو إنتخاباً مباشراً للطائفة أو للزعيم السياسي الذي تدور في فلكه هذه المؤسسة التربوية. إذاً، سعى المواطن جورج زريق إلى تسجيل أولاده في المدرسة الخاصة معتقداً ربمّا أنّ العلم هو السلاح الوحيد الذي نواجه به كُل من يريد أن يقمعنا كأفراد من التقّدم في تحقيق أهدافنا، سواء الخاصة أو العامة. ثانياً: القيام بفعل الحرق هو عملٌ أنانيٌ لأن جورج قد يتّم أبناءه. فإذا كانت الأنانية إحدى صفات جورج، لماذا إذاً أحرق نفسه من أجل الأخرين؟ أليس الأنانيّ هو الذي لم يُحّرِك ساكناً طوال فترة الأزمات في بلادنا (وما أكثرها) واكتفى بالنقّ على وسائل التواصل الاجتماعي؟ التفكير بشكلٍ أنانيّ هو أيضاً إحدى نتائج النظام الرأسمالي الذي يتجاهل عن قصد دور الفرد وتأثيره في الوسط - المحيط. عدم التفكير بالآخر وجعل حدود العالم تنتهي داخل شخص ما هما من سمات الفلسفة المثالية التي تدعمها بشدّة البرجوازية لتجهيل الشعوب وتخديرها وإلهائها بالأمور الخاصة (استهلاك الحاجات والبضائع بأكبر شكل ممكن). إذا أجرينا استطلاع رأيّ فإني شبه جازم أنه سيُبرهن بأنّ أغلبية الجيل الجديد لا تمانع حدوث فيضانات وحروب مُدّمِرة وقتل عشوائي على نفس البقعة التي يعيش عليها ما دام هو بخير برفقة الآي فون! إذا كانت الفردانية نموذجاً يُحتذى به، فلماذا يلجأ الإنسان في وقت الضيق لأصدقائه وعائلته؟ ولماذا يُحبذ العمل الجماعي في الوظيفة؟ ولماذا ينخرط في نقابات تحميه من تجّبر رب العمل وقراراته التعّسفية؟ ثالثاً: بعض الرأي العام نظر الى جورج نظرة دونية لا بل جزء منه ذهب بعيداً في تفكيره إلى حد وصفه "بالمختلّ عقلياً". للأسف، ما زال تناول أدوية الأعصاب يُعتبَر أمراً مُحّرماً ومعيباً في مجتمعنا. أين العيب في تناول دواء جلّ ما يفعل هو رفع نسبة هرمون السعادة (الإندورفين) في الجسم ممّا يؤدي الى نسيان الهموم وإلهاء العقل بأحاسيس وأفكار مختلفة؟ إنه لأمرٌ طبيعيّ في بلدٍ تكثُر فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية أن تنعكس هذه الأزمات على أبنائه، فيكون دواء مهدىء الأعصاب أحد الحلول. بناءً على ما تقّدم، إنّ الموت من أجل قضية ما هو أكثر الأفعال شجاعةً بدليل أنّ سيرورة التاريخ أظهرت أن قلّة تموت من أجل البقيّة وليس العكس. وتطبيقاً لحقيقة بيولوجية راسخة وهي أن في جسم الإنسان الحيّ خلايا تموت من أجل أن تعيش خلايا أخرى، أحرق البوعزيزي نفسه ليولّد ثورة شعبية ضد نظام القهر والاستبداد والفقر (لستُ هنا في وارد نقاش نتائج الثورة لأن ذلك خارج عن موضوعنا). أمّا في لبنان، فإنّ ما أقدم عليه جورج زريق سيزيد من وعيّ الرأي العام تجاه مخاطر هذه السلطة السياسية الفاسدة وشبكة علاقاتها الزبائنية. في العادة يكون موت أي كائن سبباً لولادة أخرى أو تغير ما في شكل الحياة على قاعدة القول الفلسفي: في الموتِ هناك دائماً حياة. فهل تتم ولادة التغيير هنا في هذا السياق أم سننتظر حالات أخرى مشابهة ستدفع هذا الهيكل يوماً ما للتداعي والسقوط؟ مسؤوليتنا اليوم كبيرة بحجم الألم الذي ولدّه جورج.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard