ضحايا أم جلّادات؟... عن تعقيدات قضية نساء داعش التائهات بين صفتي "المرأة التقليدية" و"المرأة المتمكّنة"

الجمعة 22 فبراير 201907:05 م

"كنت فقط ربّة منزل لمدة أربعة أعوام. بقيت في المنزل، أرعى زوجي وأهتم بأطفالي. لم أقُم بأي شيء خطير". هذا ما قالته الفتاة شميمة بيغوم، بعد أن اشتهرت حالتها إثر سحب الحكومة البريطانية جنسيتها منها.

غادرت بيغوم لندن، متوجّهة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة داعش في سوريا في فبراير 2015. هناك تزوّجت بداعشي هولندي وأنجبت منه ثلاثة أطفال، اثنان توفيا والثالث لا يزال برفقتها في مخيّم الهول للاجئين في شرق سوريا.

بعد هجوم قوات سوريا الديمقراطية الأخير على منطقة الباغوز تغيّر كل شيء. استسلم زوجها وتحوّلت هي إلى لاجئة-معتقَلة. لم يعد حلم البقاء في "أرض الدولة الإسلامية" ممكناً. الآن، تطالب الناس بالتعاطف معها نظراً لما مرّت به.

تقول شميمة إنها ارتكبت خطأ "بشكل من الأشكال" بمغادرتها لبريطانيا، ولكنها غير نادمة على خطوتها التي غيّرتها وجعلتها "أقوى وأقسى"، بحسب تعبيرها.

 

تصف الفترة التي قضتها في مناطق سيطرة داعش بـ"الأوقات الجيّدة"، وتعتبر أنها لو بقيت في لندن لما وجدت شخصاً تتزوجه مثل زوجها الذي لا تزال تحبه كثيراً، حسبما قالت.

يسمح قانون الجنسية البريطاني الصادر عام 1981 لوزير الداخلية بسحب جنسية مواطن "من أجل الصالح العام"، ولكن قرار سحب جنسية بيغوم أثار سجالات بين البريطانيين. قد تحاول الشابة البالغة من العمر 19 عاماً الحصول على جنسية زوجها الهولندية أو جنسية والدتها البنغلادشية، وبحال لم يحصل ذلك سيكون صعباً على بريطانيا عدم استعادتها لأن القانون الدولي يمنع حرمان شخص من جنسيته بحال لم تكن لديه جنسية أخرى.

عدا كل ذلك، فإن قلق شميمة الأكبر يتمحور حول احتمال سحب ابنها منها وتنشئته بعيداً عنها.

تُعيد قصة شميمة تسليط الضوء على قضية داعش والنساء. هل كنّ ضحايا أم جلّادات؟ هل قمعهنّ التنظيم المتطرّف أم لعب دوراً في تمكينهنّ كنساء؟ وهل يمكن تعميم خلاصات عليهنّ جميعاً؟

أيديولوجيا نساء داعش

في دراسة أعدّها معهد الحوار الإستراتيجي، جرت مراقبة سلوك مئات النساء على مواقع التواصل الاجتماعي، وتم التركيز على 12 امرأة من النمسا وبريطانيا وكندا وفرنسا وهولندا التحقن بداعش في العراق وسوريا. وخلص الخبير في شؤون التطرّف روس فرينيت المشارك في الدراسة إلى أن "الإخلاص للقضية قوي لدى هؤلاء النساء كما هو لدى الرجال تماماً"، وأنهن "يعملن كمشجعات لشنّ هجمات إرهابية في أوطانهن الأصلية".

لا شك في أن هناك مئات النساء اللواتي جرى تضليلهنّ واستُقدمن من الخارج إلى مناطق سيطرة داعش بدون أن يمتلكن قناعات متطرفة تحفزّهنّ على المشاركة في نشاطات التنظيم الإرهابية. ولكن هناك أخريات قدمن عن قناعة لا بل يشير تقرير إلى أن حوالي 600 من عضوات كتيبة الخنساء، وهي كتيبة نسائية أسست لتقوم بإلزام النساء المدنيات بـ"الشريعة" وفرض نمط معيّن من الحياة واللباس عليهنّ في مدينة الرقة، مارسن التعذيب ضد سجناء وقلن إنهنّ استمتعن بما فعلنه.

تصعّب تعقيدات قضية الداعشيات الأمر على حكومات دولهنّ. مَن تثبت عليهنّ ممارستهنّ أعمالاً إجرامية يمكن سجنهنّ ولكن في حالات كثيرة، لا توجد معطيات كافية حول طبيعة نشاط كل امرأة في سوريا والعراق، ولذلك هناك قلق أمني من عودتهنّ وعيشهنّ مجدداً في مجتمعات هذه الدول.

ينبع هذا القلق من قناعات هؤلاء النسوة ومن طريقة تفكيرهن في الاستفادة من الحياة بحريّة. تلخّص هذه القناعات شهادة وردت في تقرير للكاتبين سعاد مخنت وجوبي واريك، نشرته واشنطن بوست في نوفمبر 2017، لشابة مغربية عشرينية سمّت نفسها "زارا"، وكانت قد سافرت سراً إلى سوريا قبل أن تعود إلى بلدها.

تقول "زارا": "سننشئ أولاداً وبناتاً أقوياء وسنخبرهم عن الحياة في دولة الخلافة" وتضيف: "حتى لو أننا لم نتمكّن من الحفاظ عليها، أولادنا سيعيدونها يوماً ما".

سافرت زارا إلى سوريا عام 2014 بمبادرة منها، بعد فترة قصيرة من إعلان داعش "الخلافة"، ثم عملت على إقناع زوجها بالانضمام إلى التنظيم ونجحت في ذلك فذهب وقاتل حتى "صار شهيداً للخلافة، الحمد لله"، حسب تعبيرها. "أحببته"، تقول عن زوجها، "لكن علينا جميعاً تقديم تضحيات من أجل قناعاتنا".

بعد وفاة زوجها، تزوجت "زارا" من رجل آخر وعملت في قطاع الخدمات الإعلامية في داعش. تقول إن ملهمتها كانت المغربية فتيحة المجاطي التي كانت تقود "كتيبة الخنساء".

والمجاطي، أو "أم آدم"، كانت متزوجة من القيادي في تنظيم القاعدة كرم المجاطي، وبعدما قتلته قوات الأمن السعودية عام 2005، ألقي القبض عليها وعلى ابنها إلياس وسُلّما إلى المغرب، وبعد سنوات التحقا بداعش.

الجهاديات الداعشيات

تروي فيرا مينوفا، وهي زميلة زائرة في جامعة هارفرد وباحثة في شؤون الجماعات المسلحة ورافقت القوات الخاصة العراقية أثناء معركة الموصل، في تقرير نشرته "نيويورك تايمز" بعنوان "هل مستقبل داعش مؤنث؟"، أنها شاهدت عبر كاميرات مراقبة مقاتليْن داعشيين وهما يجهّزان لإطلاق قذيفة صاروخية في الموصل، ولكن "بدلاً من الرجال المعتادين بلحاهم وشعرهم الطويل، كان المقاتلان يرتديان العباءة والنقاب، ما يبدو منه أنهما امرأتين".

وتعلّق: "بعد خسارته للقوة والأراضي في الفترة الماضية، تحوّل تنظيم داعش من الإصرار على الهرمية بين الجنسين إلى السماح، لا بل الاحتفاء، بمشاركة النساء في الأدوار العسكرية".

لا تزال نسبة نساء داعش المقاتلات غير معروفة، ولكن صار شائعاً مصادفتهنّ. "بعد هزيمة التنظيم في الموصل، صرنا قلقين أكثر فأكثر من نساء داعش"، نقلت مينوفا عن قائمقام قضاء الموصل زهير محسن الأعرجي.

تعيد مينوفا التذكير بالفيديو الذي بثّه داعش في فبراير 2018 والذي تظهر فيه امرأة منتقبة تطلق النار ببندقية AK-47 من وراء ساتر ترابي، كمثال آخر على تحوّل أدوار النساء الداعشيات.

   

عدا ذلك، هناك عشرات الأمثلة عن تنفيذ نساء لعمليات إرهابية في العراق ومشاركتهنّ في أعمال إرهابية في أوروبا وأميركا، قبل وبعد سقوط "الخلافة".

وتخلص مينوفا إلى أنه "عندما كان داعش يسيطر على أراضٍ واسعة، كان لديه جيش منظّم من رجال يرتدون زياً موحَّداً. ولكن بالنسبة إلى منظمة تحتاج أكثر فأكثر إلى جعل عمليات التسلل على رأس أولويتها، فإن الناشطات النساء يتحوّلن إلى سلاح قيّم".

أدوار نساء داعش... "نسوية إسلامية"؟

في بدايات نشاطه، لم يسعَ داعش إلى استقطاب نساء، بل كان يدعو مناصراته إلى مساندة مقاتليه مالياً وإعلامياً. ولكن بعد سيطرته على مناطق واسعة وإعلانه "دولة الخلافة"، تغيّرت أولويات التنظيم لأن وجود النساء صار حيوياً لبناء مجتمع إسلامي وتكاثره.

في تلك الفترة، وخاصة منذ عام 2015، راحت تنتشر على المواقع الإلكترونية فيديوهات وصور تُظهر دعشيات يحملن السلاح. أراد التنظيم تصوير نفسه على أنّه مع المساواة بين الجنسين، في استراتيجية لا يمكن فصلها عن سعيه إلى استقطاب شابات غربيات.

في هذا السياق، اشتهرت أقصى محمود (أم ليث) بمدونتها على "تمبلر" التي تخبر فيها النساء عن تجربتها، وظهرت قصة سالي جونز التي كانت عازفة في فرقة موسيقى "روك آند رول" قبل اعتناقها الإسلام وتخليها عن طفليها لتتزوج من داعشي.

أخبار كثيرة عن حياة النساء في أرض التنظيم ظهرت في الإعلام، من تأسيسه "كتيبة الخنساء" النسائية، إلى متفرّقات عن ممارستهنّ مهن التمريض والدعاية الإعلامية وتدرّبهنّ على السلاح الخفيف...

وتحدثت داعشيات أجنبيات كثيرات عن تغيّر حياتهنّ بعد التحاقهنّ بداعش، وعن تحوّلهن إلى أشخاص أكثر فعالية في الحياة، وهو ما قالته بيغوم نفسها مؤخراً بحديثها عن أنها أصبحت "أقوى وأقسى".

هكذا، استطاع داعش استقطاب 4.761 أجنبية (13% من الأجانب الملتحقين به)، من شرق آسيا ومن أوروبا الشرقية والغربية ومناطق أخرى.

نجح داعش في مسعاه. يؤكد ذلك بحث أجرته إيميلي وينتربوثام وإليزابيث بيرسون، لصالح "المعهد الملكي للخدمات المتحدة" (RUSI)، وهو معهد يهتم بالدراسات الدفاعية والأمنية وتموّله وزارة الدفاع البريطانية، وتحدثتا لإنجازه مع أشخاص يعرفون داعشيات أو عملوا في برامج نزع التطرف، في المملكة المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا وهولندا. خلصتا إلى أن بعض الدعشيات يرفضن "النسوية الغربية" ويرون في داعش مصدراً لـ"التمكين"، برغم إخضاعه للنساء.

من هنا تحدث البعض عن "نسوية إسلامية" تعبّر عنها داعشيات. ولكن العميد المتقاعد من المخابرات الأردنية، ومؤسس ومدير مركز شرفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب، سعود الشرفات، يصف الأمر بأنه "نسويّة ملتوية"، لأن أدوار الداعشيات كانت متوافقة مع وظائف الجنسين التي حدّدها "التحوّل الذكوري" في التاريخ، أي تربية الأطفال ورعاية الرجال.

"سننشئ أولاداً وبناتاً أقوياء وسنخبرهم عن الحياة في دولة الخلافة... حتى لو أننا لم نتمكّن من الحفاظ عليها، أولادنا سيعيدونها يوماً ما"... هذا ما تقوله داعشية مغربية، ويشكّل مفتاحاً لفهم قلق الحكومات الغربية من عودة الداعشيات الأجنبيات
تحدثت داعشيات أجنبيات كثيرات عن تحوّلهن إلى أشخاص أكثر فعالية في الحياة، وهو ما قالته البريطانية شميمة بيغوم مؤخراً بحديثها عن أنها أصبحت "أقوى وأقسى"... فهل هناك "نسوية إسلامية" تعبّر عنها الداعشيات؟
وفي ما خصّ حجّة "ممارسة القتال جنباً إلى جنب مع الرجل"، فيعتبر أنها "معزولة ولا تشكل تغيّراً في أيديولوجية داعش، بل تخضع لظروف خاصة".

والحقيقة أن الواقع كان بعيداً عن "أسطورة" تمكين داعش للنساء، وعبّر عنه "مانيفستو" أصدرته "كتيبة الخنساء" في 23 يناير 2015، جاء فيه أنه يجب تعليم المرأة من سنّ السابعة إلى الـ15 فقط، وأن المناهج الدراسية يجب أن تركّز بشكل أساسي على تعليمها الدين وقواعد الطبخ والخياطة والمهارات الضرورية لها لأداء دورها داخل الأسرة.

وانتقدت الوثيقة "تتنقّل المرأة هنا وهناك للحصول على شهادات كي تحاول إثبات أنها أكثر ذكاء من الرجل".

وعن عمل النساء خارج المنزل، لفتت الوثيقة إلى أن القاعدة هي أن "دور المرأة هو أن تبقى محجوبة عن الأنظار ومحجّبة، وأن تحافظ على المجتمع من وراء حجابها"، ولكن عملها خارج المنزل ممكن "بموجب تكليف"، عند الحاجة إلى جهودها لـ"مواجهة الأعداء".

النساء المقاتلات... انعكاسات الهزيمة

رغم كل ما حُكي عن أدوار الداعشيات العسكرية، فإن دعوة التنظيم لهنّ للمشاركة في الأعمال القتالية كانت متأخرة جداً وارتبطت بشكل مباشر بتقهقره.

في أكتوبر 2017، وبعد الهزائم المتتابعة التي تعرّض لها التنظيم في العراق وسوريا، نشرت مجلة "النبأ" التابعة له مقالاً بعنوان "واجب النساء في جهاد الأعداء" دعا النساء إلى القتال في الصفوف الأمامية للمعارك، واعتبر ذلك "فريضة عليهنّ"، مستحضراً نموذج الصحابية "أم عمارة"، نسيبة بنت كعب الأنصارية، التي حملت سيفها في غزوة أحد وقاتلت بجانب النبي محمد وأصيبت بجروح.

جاء في المقال المذكور: "اليوم، في سياق الحرب على الدولة الإسلامية، صار ضرورياً على النساء المسلمات الوفاء بواجباتهنّ على كل الجبهات، ودعم المجاهدين في هذه المعركة"، داعياً إيّاهنّ إلى "تحضير أنفسهنّ للدفاع عن دينهن من خلال التضحية بأنفسهنّ في سبيل الله".

قبل ذلك بأشهر قليلة، وبالتحديد في يوليو 2017، نشرت مجلة "رومية" التابعة للتنظيم مقالاً اعتبر أن الوقت حان للنساء من أجل "التأهب بشجاعة والتضحية في هذه الحرب... ليس بسبب قلة الرجال بل انطلاقاً من حبّهنّ للجهاد".

وبرغم هذه الدعوات، لا يبدو أن التنظيم ساوى بين الرجال والنساء في ساحات المعارك، بدليل رسالة باللغة الفرنسية، كتبتها "أم عبد الله" و"أم عبد الرحمن" على قناة تلغرام مقرّبة من داعش، في الثاني من فبراير 2018 طالبتا فيها زعيم التنظيم أبا بكر البغدادي بمنح النساء نفس حقوق الرجال في شن الجهاد ونيل الشهادة.

قالت الرسالة الموجهة إلى البغدادي: "مشكلتنا أننا بنات! ولكننا لسنا بنات مثل باقي البنات! همومنا غير هموم البنات... همنا: رفع راية لا إله إلا الله في ظل السيوف. الموت بالنسبة إلينا هو الحياة والحياة بالنسبة إلينا هي الجهاد. وطموحنا الأكبر نيل الشهادة... لا نعيش معكم رغم أننا بينكم... لا تقل لنا ‘أنتن نساء’ لأننا نعرف ذلك! ولكننا نساء بأرواح رجال. الرجال لا يقبلون الإذلال ولا السقوط. لا تقل لنا ‘جهادكن هو الحج والعمرة’ لأننا نتوق إلى ما هو أعلى من ذلك. نتوق إلى الموت في سبيل الله...".

تحوّلات قانونية وجندرية

لم يعد الحديث اليوم عن أدوار النساء في "دولة الخلافة"، فهذه الدولة سقطت، ولكن تبقى قضيتان مهمتان حيّتين، وتنشآن من واقع نشاط مَن بقوا من نساء التنظيم، أكان في مسألة عودة الداعشيات الأوروبيات إلى دولهنّ أو نشاط الخلايا المحلية النائمة في العراق وسوريا.

قد تفرض المسألة الأولى على الدول الأوروبية التفكير في آليات قانونية جديدة تسمح بتجاوز تعقيداتها، وقد يكون ذلك بتجريم نساء لا دليل على ارتكابهنّ أية جرائم، أي بخلق جرم جديد، وقد يكون بالضغط على بعض الدول التي تتحدر منها هؤلاء الداعشيات من أجل تجنيسهنّ ما يتيح للحكومات الأوروبية سحب جنسياتهنّ الأوروبية.

أما في ما خصّ علاقة أدوار الداعشيات بقضية الجندر، فهناك تغيير سيحصل ولكن في مكان آخر، في هيكيلية قوى الأمن العربية، إذ سيضطرّ خطر الداعشيات النائمات الدول العربية إلى تجنيد نساء أكثر في قوى الأمن لكي تتمكن من مراقبة سلوكيات المشبوهات في مجتمعات محافظة يصعب فيها على رجل الأمن الاقتراب من امرأة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard